"أمريكا أولًا".. هل يعيد التاريخ نفسه من الأربعينات إلى دونالد ترامب؟

تشارلز ليندبيرغ، قاد مجموعة "أمريكا أولًا" الانعزالية في أربعينات القرن الماضي (يوتيوب)

عقد موقع إذاعة "إن بي آر" مقارنة بين مبدأ "أمريكا أولًا" الذي يعود لأربعينيات القرن الماضي بقيادة تشارلز ليندبيرغ، وبين "أمريكا أولًا" شعار دونالد ترامب في حملته الانتخابية وفي استراتيجيته للأمن القومي. كيف يعيد التاريخ نفسه مرتين في سياق ظروف كل حقبة؟ هذا ما نستوضحه لكم في السطور التالية مع ترجمة تقرير "إن بي آر" بتصرف.


أصبح تشارلز ليندبيرغ بطلًا أمريكيًا في تلك اللحظة التي قاد فيها طائرة "روح سانت لويس - Spirit of St. Louis" من نيويورك إلى باريس في عام 1927، ليكون تشارلز ليندبيرغ بذلك أول شخص يطير منفردًا ودون توقف عبر المحيط الأطلسي.

"أمريكا أولًا" هو اسم مجموعة عرفتها الولايات المتحدة في أربعينيات القرن الماضي، تهدف إلى الانعزال الأمريكي عن التفاعلات الخارجية

كان تشارلز ليندبرغ رمزًا في أوروبا أيضًا، وانتقل إلى إنجلترا في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي، وبحلول عام 1941، عاد إلى الوطن، حيث طاف بالولايات المتحدة متحدثًا رئيسيًا لمجموعة "أمريكا أولًا"، وهي مجموعة انعزالية تضم نحو 800 ألف عضو، والتي زعمت أن إنجلترا تحاول جر أمريكا إلى الحرب العالمية الثانية التي كان يعتقد أنه من الواجب تجنبها.

اقرأ/ي أيضًا: أمريكا أولًا.. ما أهم ملامح إستراتيجية الأمن القومي الجديدة لإدارة ترامب؟

وفي عام 1941، وقبل أشهر قليلة من هجوم اليابان على بيرل هاربر، ما تسبب في دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية وإلقائها بقنبلتين نوويتين على اليابان.. في ذلك الوقت قال تشارلز ليندبرغ: "دفعت الظروف للاستنتاج بأنه لا يمكننا الفوز بهذه الحرب لإنجلترا بغض النظر عن مقدار المساعدة التي نرسلها، ولهذا السبب تشكلت مجموعة أمريكا أولًا".

وبعد سنوات قليلة، وبعد الدمار الذي خلفته الحرب، أضحت العزلة نوعًا من الموضة القديمة. وبدلًا من ذلك، أصبحت الولايات المتحدة هي القوة الدافعة لإنشاء شبكة عالمية تقود العالم، أو بالأحرى تصيغه، مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو) والأمم المتحدة، والتواجد العسكري الأمريكي في آسيا وفي البحار المفتوحة، وعدد من الاتفاقات التجارية.

يشهد الوقت الراهن محاولة ترامب لزعزعة هذه الاتفاقيات، والتي وُصف كثير منها بأنه عبء يجب على الولايات المتحدة أن تنسلّ وتنسحب منه، وقد اختصر ترامب نهجه في عبارته الشهيرة "أمريكا أولًا".

وقال ترامب في خطاب تنصيبه في 20 من كانون الثاني/يناير: "من هذا اليوم فصاعدًا، ستحكم أراضينا رؤية جديدة، ومن هذا اليوم فصاعدًا، ستكون أمريكا فقط أولًا.. أمريكا أولًا".

لم يربط ترامب قط بين نهجه وفكره وبين ليندبرغ ومجموعته، وهناك أوجه تشابه واختلاف كثيرة بينهما. في لغة السياسة الخارجية، كان ليندبرغ ومجموعته انعزاليين، فقد أرادوا إبقاء الولايات المتحدة خارج معظم التشابكات والنزاعات الخارجية، في حين يُوصف ترامب عادة بأنّه "أحادي"، باعتقاده بأن الولايات المتحدة يمكنها المشاركة في جميع أنحاء العالم، لكن بشروطها الخاصة ودون التقيد بالتحالفات أو المنظمات متعددة الجنسيات مثل الأمم المتحدة ومنظماتها مثلًا.

الانسحاب من العالم

في الحقيقة يحظى ترامب بالكثير من الدعم فيما يخص هجومه الدائم على الوضع العالمي الراهن، فيرى المحافظون إنّه على الأقل يجب إعادة هيكلة مؤسسات مثل الأمم المتحدة والناتو، لمواكبة عالم تغير بشكل كبير منذ تأسيسها. ويشير النقاد أيضًا إلى الأعمال العسكرية الأمريكية التي أدت إلى حروب غير حاسمة وتكاليف هائلة.

الكثير من الأمريكيين المحافظين تحديدًا، يرون أن عمل الولايات المتحدة كشرطي للعالم على مدار العقود الماضية، لم يفد الأمريكيين بشيء

يقول إيان بريمر، رئيس مجموعة أوراسيا لتحليل المخاطر العالمية، إن "الكثير من الأمريكيين نظروا إلى سياسات العقود الماضية، ورأوا أن عمل الولايات المتحدة كشرطي للعالم، لم يُفد الأمريكيين بأي شيء"، مُضيفًا: "بل على النقيض، أُهدرت تريليونات الدولارات في العراق وأفغانستان، وفقد آلاف الأمريكيين أرواحهم".

اقرأ/ي أيضًا: إرث أمريكا "البيضاء".. ترامب المخلص لرسالة البلطجة الإمبريالية 

وفي حين تحدث ترامب، أو أشار إلى "زعزعة النظام العالمي"، إلا أنّه لم يُشر إلى البديل، بينما إذا ما تراجعت الولايات المتحدة ببساطة عن دورها كقوة عظمى، فإن روسيا والصين وإيران وغيرها سوف تسعد بملء هذا الفراغ، على حد تعبير كثير من المحللين.

وقد حذر الجنرال المتقاعد ديفيد بتريوس مؤخرًا في الكونغرس الأمريكي، من أنّ "النظام الدولي الذي خلقته وأوجدته أمريكا يواجه الآن تهديدًا غير مسبوق من اتجاهات متعددة".

وقال بترايوس إن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك الموارد التي تمكنها من أن تظل القوة العظمى، لكنه أعرب عن قلقه "من شيء ربما يكون أكثر ضراوة، وهو فقدان الثقة بالنفس والعزم والوضوح الإستراتيجى من جانب الولايات المتحدة حول مصالحها الحيوية في الحفاظ على النظام الذى ضحينا بالكثير من أجل تحقيقه"، على حد تعبيره.

تغير مسار تشارلز ليندبيرغ

أعرب تشارلز ليندبيرغ ذات مرة عن مشاعر مماثلة، فقد قال في عام 1941، إن "الاستمرار في الاعتقاد بأننا يجب أن ندخل فى حروب أوروبا دفاعًا عن أمريكا ستكون سببًا في هلاك أمتنا".

ولكن بعد ذلك جاء هجوم بيرل هاربور الذي غيّر كل شيء، فانهارت حركة تشارلز ليندبرغ، ولم يقتصر فقط على تأييد جهود الحرب الأمريكية، بل انضم إليها أيضًا. وعلى الرغم من أنه كان يعمل في مركز مدني، وليس مركزًا عسكريًا، إلا أنه حلّق بطائرته في أكثر من 50 مهمة قتالية في المحيط الهادئ. وبعد انتهاء الحرب، كان كثيرًا ما يعود إلى أوروبا، مساندًا للجهود الأمريكية في إعادة بناء القارة.

مرجح جدًا أن يواجه مسار "أمريكًا أولًا" الخاص بترامب، تحديات عدة وربما تغيرًا شبيهًا بتغير مسار "أمريكا أولًا" في الأربعينيات

وعلى نفس المنوال، من المرجح جدًا أن يواجه مسار "أمريكا أولًا" الخاص بترامب تغيّرًا شبيهًا بتغير مسار "أمريكا أولًا" الخاص بتشارلز ليندبيرغ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ترامب.. النسخة الأكثر فشلًا من نيكسون

مترجم: "أمريكا ترامب تذكّر بألمانيا هتلر قبل الحرب العالمية الثانية"