أمجد ناصر في

أمجد ناصر في "هنا الوردة".. مساءلة التغيير

أمجد ناصر (ألترا صوت)

يقول الكاتب المغربيّ عبد الفتاح كيليطو إنّ المفتاح لأسرار النص الأدبيّ يكمن في الجملة الاستهلاليّة، ذلك أنّها تُمهّد لما هو قادم لاحقًا، وتُحدِّد معالمه أيضًا، كما لو أنّها، كما يقول أرسطو، تفتح السبيل إلى ما يتلو. بالإضافة إلى الدور الكبير الذي تلعبهُ في تشكيلها إمّا نقطة جذب للمتلقّي، أو في إثارة نفوره. لا سيما حين تكون تلك الجملة لُغزًا، حينها، وفي حال حبك الاستهلال برصانة، يكون لزامًا علينا متابعة القراءة بحثًا عن إجابات أو توضيحات.

اتكأ أمجد ناصر في بناء عمارته السرديّة الفانتازيّة "هنا الوردة" على أمكنة متخيّلة أساسيّة وثانويّة

هذا بالضبط ما نجده في رواية "هنا الوردة" (دار الآداب، 2017) للشاعر والروائيّ الأردنيّ  أمجد ناصر، الذي وضع في استهلال نصّه ما يُمكننا تسميته مغناطيسًا يجذب المتلقّي حين قال "لا يعرف يونس الخطّاط أنّه سيموت بعد أيام، أو يتجمّد في الهيئة التي هو عليها الآن" (ص 7). ليعود ويقول أيضًا "هذا ما سنعرفه لاحقًا" (ص 8)، دافعًا إيّانا بذلك إلى عمق روايته، حيث يُكمل هناك ألعابه السرديّة المتقنة.

اقرأ/ي أيضًا: تعرف على 5 من كلاسيكيات الرواية العربية

اتكأ أمجد ناصر في بناء عمارته السرديّة الفانتازيّة على أمكنة متخيّلة أساسيّة وثانويّة، وهي الحامية وبلاد السندباد والمدينة التي تطلّ على البحر. على أن يكون يونس الخطَّاط هو شخصيّة الرواية الرئيسيّة، ومن حكايته تتسلّلُ بقيّة الشخصيّات التي لا تملك حضورًا منفردًا في الرواية، إنّما حضورًا مُرتبطًا بحضور يونس وحكاياته كما أسلفنا.

يُلقب يونس بالخطّاط كونه سليل عائلة تحترفُ الخطّ العربيّ وتشتغلُ به. ناهيك عن أنّها من العائلات المؤسِّسة، إلى جانب الجنرال الأصهب، للحامية التي قامت على أجزاءٍ من إمبراطوريّة مُتخيّلة أيضًا. الأمر الذي منحها دائمًا مكانةً مهمّة لدى الجنرال ومن بعده ابنه وأخيرًا حفيده الذي يكنّ له يونس عداءً كبيرًا، بناء عليه، فضلًا عن مكانة العائلة لدى "الحفيد" واستحالة الشكّ في ولائها له، تُبنى الرواية من ناحية حكايتها.

تبدأ رواية أمجد ناصر صاحب ديوان "حياة كسرد متقّطع" من اتصالٍ هاتفيّ بُجريه يونس مع أحد أعضاء التنظيم اليساري المُعارض للحفيد – والذي ينشطُ يونس في صفوفه – بعد وصوله إلى المدينة التي تطلّ على البحر قادمًا من الحامية، وحاملًا في كعب حذائه رسالةً من قيادة التنظيم الداخليّة، إلى قيادته الخارجيّة المُتمثّلة في الأمين العام للتنظيم، والذي يلتقيه يونس لاحقًا في تلك المدينة الموجودة في بلاد السندباد. يُمضي يونس ثلاثة أيام في الفندق منتظرًا الإشارة الثانية للتحرّك، التي نكتشف في ما بعد أنّها زيارة خاطفة وسريعة إلى منزل الأمين العام، بيد أنّ الهدف الرئيس منها ليس الاطّلاع على الأوضاع الداخليّة للحامية، بل استبدال حذاء يونس الموضوع في جوفه رسالة القيادة الداخليّة، بحذاءٍ آخر يحمل رسالة أخرى أيضًا، وعليه هنا العودة لإيصالها إلى القيادة في الحامية هذه المرّة.

هنا الوردة

يعتمد أمجد ناصر، صاحب "حيث لا تسقط الأمطار"، على لعبة التأجيل في روايته، مؤجِّلًا الأحداث الرئيسيّة قليلًا كلّما شارفت على الانتهاء عبر استعراضه للشخصيّات الثانويّة في الرواية، والمُحيطة بيونس، محاولًا بذلك تبيان بيئة تلك الشخصيّة ومعالهما أكثر للقارئ. إذ يبدأ الكاتب بعائلة يونس؛ والده الخطّاط الذي ورث المهنة عن أجداده، ووالدته التي تحاول الحدّ من تصرفاته المتهوّرة. زوجته رلى، وأصدقائه؛ أبو طويلة الذي يشاركه العمل لصالح التنظيم نفسه. الحنّاوي الذي يعمل لصالح تنظيم سرّي آخر، وعقلة الإصبع وخلف وغيرهم. ويحاول ناصر من خلال ذلك أيضًا العمل على توضيح معالم الحامية للقارئ، كما لو أنّها، عمليًا، موجودة.

بعد وصول يونس إلى ساحة الحافلات الدوليّة في الحامية، بدأ يشعر بثقل ما يحملهُ في حذائه كونه أصبح الآن تحت سلطة الحفيد وأنظار رجاله المنتشرين في البلاد. وعزّزت مطاردة أحد رجال الأمن الوطني له ذلك الشعور لديه، الأمر الذي دفعهُ لحثّ خطاه محاولًا الإفلات منه، ومتوجّهًا نحو منزل كان يتشاركه سابقًا مع صديقه إبراهيم الحنّاوي.

يعمد أمجد ناصر على لعبة التأجيل في "هنا الوردة"، مؤجِّلًا الأحداث الرئيسيّة قليلًا كلّما شارفت على الانتهاء

يذهب أمجد ناصر بعد ذلك إلى أحد البيوت في حيّ من أحياء الحامية، حيث يجتمع يونس ببعض أعضاء القيادة الداخليّة، مُسلمًا الرسالة التي جاء بها من القيادة الخارجيّة في بلاد السندباد، قبل أن يتنقل إلى إنهاء تقريره عن تلك الرحلة من أجل العودة إلى زوجته وعائلته في نيكوجا آباد سريعًا. إلا أنّ الأمور لا تسير كما أراد لها، حيث يُكلف بالقيام بعملية من شأنها أن تُدخل التنظيم في مرحلة جديدة. العبارة ذاتها تتكرر على مسامعه بعد سماعها من مروان ورفيقه في المدينة التي تطلّ على البحر، وتكشف محتوى الرسالة التي حملها في كعب حذائه: اغتيال الحفيد في ذكرى تنصيبه حاكمًا على الحامية. وتقتصر مهمّة يونس على إيصال المنفذين إلى مكان الاحتفال. ويأتي اختيار يونس تحديدًا للقيام بهذه العملية كونه، كما أسلفنا سابقًا، من عائلةٍ لا يُشكّ في ولائها للحفيد.

اقرأ/ي أيضًا: مختارات نثرية.. ثرثرة الحياة تفصيلًا بعد تفصيل

عملية التنظيم التي أُطلق عليها "عملية الذئب" تُسجل في تاريخ الحامية على أنّها العمليّة الثالثة عشر التي تعرّض لها الحفيد وفشلت في اغتياله. وبناءً على فشل العمليّة، ونجاح حرس الحفيد في إنقاذ أحد منفذيّ العمليّة وتقديمه مجموعة اعترافات، يصير يونس مطلوبًا لسلطات الحامية، وتوزّع صوره في التلفزيون والجرائد، مُحدثةً صدمة في صفوف أصدقائه وعائلته وزوجته الذين لم يتوقعوا جميعًا أن يفعل يونس ذلك. والذي ينتهي به الأمر في سيارة يقودها مهربان، أحدهما أدهم خال يونس، توصله وأبا طويلة وعدد من أعضاء التنظيم، إلى حدود الحامية، حيث هناك سيارة أخرى تنقلهم إلى المدينة المطلّة على البحر، بعيدًا عن الحامية، ودون أمل في العودة إليها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رواية "بيت حُدُد".. سوريا الهاربة والمهرَّبة

"ضفة ثالثة".. منصة ثقافية في زمن الاستقطابات