أمجد ناصر.. أسرارُ الملحمة المعاصرة

أمجد ناصر.. أسرارُ الملحمة المعاصرة

سليم بركات، محمود درويش، أمجد ناصر (فيسبوك)

تطالعنا في مدونة أمجد ناصر، الشعرية والنثرية على السواء، أمكنة كثيرة تحتاج إلى أكثر من حياة. وفي الوقت نفسه، تطالعنا علاقات معها وفيها يصعب التسليم بحدوثها لشخص واحد.

تطالعنا في مدونة أمجد ناصر، الشعرية والنثرية على السواء، أمكنة كثيرة تحتاج إلى أكثر من حياة

نعثر على أمكنة أردنية بحكم النشأة في المجموعات الأولى: عمّان، الكرك، السلط... إلخ. كما نعثر في تواقيع كثير من قصائدها على بيروت وعدن، ومن ثم تحفل المجموعات اللاحقة بمدن المنفى، خصوصًا نيقوسيا ولندن، أما ما تتحدّث عنه كتب الرحلات التي أنجزها فذلك أكثر من نحصيه، كون المكان يستدعي مكانًا آخر، أو يستدعي المكان نفسه في زمن سابق.

اقرأ/ي أيضًا: "مملكة آدم" لأمجد ناصر.. رسالة اللّاغفران

ولعلّ الشاعر المنقسم إلى شخصين: أمجد ويحيى، ضاعف مساحات القول بمقدار ما ضاعف جغرافيّات العيش، فعلى اختلاف كلّ منهما، إذ يمثّل الأول المثقف والشاعر الذي أنتج أدبًا، فيما يمثّل الثاني شخصًا سريًّا يعيش في مكانه النائي حياةً مجهولة، وما تسنت لنا معرفته لولا حديث الثاني عنها.

يقول في قصيدة "أسماء مستعارة"، من ديوانه "وصول الغرباء":

"الذين يعرفوننا قديمًا لن يعرفونا بعد

مضى وقت الخروج من الحفل ورفع الأقنعة

مضى وقت استعادة الأسماء" (الأعمال الشعرية 2008، ص 239).

وفي حوار صحفي يقول:

"أعرف أنني يحيى ولكني أعيش معظم الوقت كأمجد. أنسب إلى يحيى البراءة والقلب الأخضر والى أمجد الأخطاء والذنوب. فيحيى لم يعشْ حياة أمجد، ولكن يمكن لأمجد أن يتمنى لو كان يحيى، أو لو عاد يحيى" (ملف خاص في جريدة الرأي الأردنية، 2010).

ويكتب في "حياةٌ كسردٍ متقطّع":

"في لندن التي أقيم فيها الآن بقناع شخص وهميّ فارًّا من نبوءة أمي التي يرن فيها اسمي الأول كذكرى مفزعة: يا يحيى لن تعرف نفسك الراحة". (الأعمال الشعرية 2008، ص 450).

على مثال هذا الانقسام النفسي بين الاسمين والشخصين والحياتين، انقسمت العلاقة مع المكان بطبيعة الحال، فبينما امتدت حصّة أمجد لتطال الحياة في الأمكنة التي عبرها وسكنها، اكتفى يحيى بالمكان الأول، وظلَّ مثله سريًّا وهامشيًّا راضيًا بقليله.


 أمجد ناصر خلال قراءة في برلين 2017 (ألترا صوت)

ربما لولا تفاقم الاغتراب لدى أمجد، مرحلةً بعد مرحلة، ومدينة بعد مدينة، مترافقًا مع غربته الأشدّ كشاعرٍ يلحّ عليه قلق البحث عن شكل فنيّ يعينه على صناعة قوالب فنية تتلاءم مع ما يرغب بقوله؛ لولا ذلك لظلّ يحيى مقيمًا في النسيان، لكنّ الحاجة إليه التي تتصل بالحاجة إلى القرين أو الرفيق ولّدتْ مفارقة غريبة، فحيث إنّ أمجد اسم مستعار ليحيى يغدو الطبيعيّ قيام الشخص الحقيقي باختراع شخصه الآخر، المجازيّ والمستعار، لكنّ ما حدث هو العكس تمامًا حين قام هذا الآخرُ المتخيّلُ بالتدخل في صياغة الشخص الواقعي، وهكذا استطاع الشاعر إنتاج تعددّه الهوياتي والزماني والمكاني. فأن تكون هناك هوية تطمح إلى تحقيقها أيسر بما لا يقاس من هوية تشعر بنقصان في بنيانها، وعليك رفدها بمعانٍ مركبة تختصر الأنا والآخر، أو تجعل الذات نفسها آخرَ، بتعبير بول ريكور. وأن يكون هناك زمن مفقود مسألة تُقبل برضا أمام النوءِ بحمل زمنين، والعيش فيهما، في الوقت ذاته. وأن تغادر مكانكَ حاملًا ذكرى منه، أو مفتاحًا له على سبيل المثال، أمر عاديّ يعرفه البشر جميعًا، بينما كسر أسس المنطق وقواعد الفيزياء بترك نفسك هناك باسم، لتغادر باسم آخر، فهذا ما لا يفعله إلا الشِّعر.

أمجد ناصر: أعرف أنني يحيى ولكني أعيش معظم الوقت كأمجد. أنسب إلى يحيى البراءة والقلب الأخضر والى أمجد الأخطاء والذنوب

بسبب هذا اكتسبت هذه التجربة رسوخًا مستحقًّا في الشعر العربي المعاصر، لما قدّمته من هوية سردية، بتعبير ريكور أيضًا، وبسبب لغتها "المرمرية مثل ضوء القمر الثابت، والذهبية مثل نار متجمّدة"، باستعارة وصف بورخيس لتشيسترتون.

اقرأ/ي أيضًا: أمجد ناصر في "هنا الوردة".. مساءلة التغيير

أمجد ناصر الشاعر الذي مضى من القصيدة الحرّة نحو قصيدة الكتلة تعبيرًا عن فهم أكثر عمقًا لقصيدة النثر في "حياة كسرد متقطّع"، وإلى قصيدة ما بعد الكتلة في "فرصة ثانية"، يظهر لمن يقرأه ذا أزمةٍ مع المكان. البعض يعلّل الأمر بأنه عائد إلى البدويّ الذي يسكنه، والبعض الآخر يحيله إلى أثر المنفى، فيما يغيب ربط ذلك بالقرين، فليس القرين الإنسانيّ ما نحتاجه كبشرٍ وحسب، بل في المكان قرانةٌ لشدَّ ما يتمنى الإنسان تحقيقها. ضمن هذا المعنى، تعلّمنا تجربة أمجد أن الشاعر إنسان على هيئة مكان.

لنسأل ونحن نقرأ كتبًا في أدب المكان مثل "خبط الأجنحة" و"الخروج من ليوا" و"رحلة في بلاد ماركيز": ما الذي يريده من كتابة الأمكنة بدأب من يريد صناعة خريطة؟ ولنجبْ: بالتأكيد الجغرافيا ليست همًّا بذاتها، إنما الاقتران بالمكان بوصفه مجموعَ حياة أهله وذاكرتهم وأحلامهم وخيالاتهم، وكلما التقط العابر ذلك الخليط صار منه. لهذا استحق انتماءه إلى المغرب في الرحلة المغربية، وإلى عُمان في الرحلة العُمانية.. وغيرها، ولهذا يظل "خبط الأجنحة" مستمرًا، في معادلة تتخذ شكلها الآتي: إذا كان السفر خبطًا للأجنحة فما الكتابة إلا فسحة الطمأنينة التي يشعرها الطائر حين يحطّ على غصن أو سطح بيت.

بين الطيران والهبوط، الغداة والرواح، بقي حضور المكان الأول جزئيًّا لصالح الأمكنة الجديدة، نستثني من ذلك المجموعات الثلاث الأولى: "مديح لمقهى آخر" و"منذ جلعاد كان يصعد الجبل" و"رعاة العزلة"، التي أخذت الأمكنة الأردنية فيها مساحات واسعة.

ما يبدو كتابة مكانية، أو محاولة في فهم الأمكنة، ليس سوى فصول من أوديسا بلا نهاية، تشير بوصلتها إلى أكثر من إيثاكا، في تعبير عن اضطرام الهيمان على الوجه، وعدم الركون إلى مستقر. ولا شكّ أن العابر في هذه الخرائط، كبدوي يتقفى آثارًا، مقدّر عليه امتحان شاقّ، وليخوضه باقتدار عليه محاكاة تنوع الجغرافيا نفسها من أجل العبور، ففي "حياة كسرد متقطع" و"فرصة ثانية"، يصبح النص الشعري محاكيًا منطقةَ الدلتا، إذ يصبّ الشعر والنثر في بحر واحد، في طريقة أقرب ما تكون إلى عملية تعزيم ينجزها القابض على أسرار. ذلك قدر مكتوب على السلالة التي ينتمي إليها، فالورقة التي كتبها أبوه وعثر عليها لاحقًا في قصر قديم قرب مرابعه الأولى، تقول، كما يخبرنا:

"سيكون لك ما كان لي، ستمشي الخطى التي كُتبت، ومثلي لن تصل" (فرصة ثانية، 2010).

بين نثر مشغول بفهم الأمكنة، وشعر مشغول بهمّ العبور، تتبدّل الأدوار حين يصير الشِّعر مكانًا، والنثر طريقًا إلى الشعر، وفي أحيان أخرى تلتقي كلها إذ يغدو النثر معبرًا للشعر إلى المكان المُشتهى، إلى إيثاكا السرية، إلى جهتها بالتحديد، من دون حاجة إلى الوصول إليها.

ما يبدو كتابة مكانية لدى أمجد ناصر، أو محاولة في فهم الأمكنة، ليس سوى فصول من أوديسا بلا نهاية، تشير بوصلتها إلى أكثر من إيثاكا

في امتحان مواجهة المكان الأول، استطاع يحيى استعادة أمجد والانضمام إليه في رحلة تشبه منطق النهر تدفّقًا بهدف التدفّق، أما الحياة فتكمن داخل المجرى. يحدث خلال الطريق أن يصير نهرين، ويحدث أيضًا أن يعودا ويلتقيا بين ضفتين، لكنّ أهم ما في الأمر أنّ شعرًا هذا دأبه لن يختلف عن الجغرافيا في خلق أكثر المناطق خصوبة.

اقرأ/ي أيضًا: دفتر لأنفاس الهايكو

تلك بعضٌ من أسرار هذه التجربة الاستثنائية، التي نأت عن المجانيّات التي غرق فيها شعراء قصيدة النثر العربية، والتي قدّمت مقترحها البلاغيّ شديد الفرادة على مستوى المفردة والجملة، ضمن منظور معماريّ أوصل القصيدة إلى ملحمية معاصرة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

قصيدتان إلى طفل في الخامسة

أمجد ناصر وكمال بلاطة وصنع الله إبراهيم.. مكرمو جائزة محمود درويش