أمبرتو إيكو.. عن الكتب التي لا نقرؤها

أمبرتو إيكو.. عن الكتب التي لا نقرؤها

أمبرتو إيكو

أمبرتو إيكو روائي وناقد أدبي وفيلسوف إيطالي، يعد من أهم المفكرين المتخصصين في علم السيمياء وتاريخ القرون الوسطى وآدابها، وهذه ترجمة من مجلة "ذي باريس ريفيو" لجزء من كتاب لأمبرتو إيكو بعنوان"Chronicles of a Liquid Society" ترجم عن الإيطالية عام 2016.


أذكر، ويا لخوفي من ذاكرتي، مقالًا عظيمًا كتبه جيورجيو مانغانيلي، يشرح فيه كيف يتسنى للقارئ الفطن أن يعرف ما إذا كان الكتاب الذي بين يديه يستحق القراءة أو لا، وذلك قبل أن يشرع في قراءته. لم يكن مانغانيلي يتحدث عن تلك المقدرة التي يكون حريًا بالقارئ المتخصص أو الحريص من ذوي النظر امتلاكها، كي يحكم من مستهل الكتاب عبر نظرة خاطفة إلى صفحة أو اثنتين، أو عبر تفحص فهرس المحتويات أو المراجع، إن كان الكتاب جديرًا بالقراءة أو لا. إن هذا الأمر في نظري إنما يتولد من التجربة والخبرة. لكن الذي يتحدث عنه مانغانيلي كان ضربًا من الكشف، وهي هبة كان يدعي على ما بدا لي وأثار عجبي أنه يمتلكها.

معرفة علاقة الكتاب بكتب أخرى تعني عادة أنك تعرف عنه أكثر مما ستعرفه من قراءته

هنالك أيضًا كتاب يحمل هذا العنوان: "كيف تتحدث عن كتاب لم تقرأه"، والذي وضعه أستاذ الأدب والمحلل النفسي بيير بايار. لم يكن هذا الكتاب حول السبيل إلى تجنب قراءة كتاب ما، وإنما حول امتلاك القدرة للحديث بكل بهو وسرور عن كتاب لم تقرأه، حتى أمام طلبتك، وحتى لو كان الكتاب المقصود سفرًا بالغ الأهمية والتعقيد. لقد تناول بايار الأمر بطريقة حسابية منطقية: تزخر المكتبات الجيدة بملايين الكتب، ولو افترضنا أننا نريد قراءة كتاب كل يوم، فهذه 365 كتابًا في العام، ولو فعلنا ذلك على مدار 10 سنوات، فسنقرأ حوالي 3600 كتابًا، ولو تسنى لأحد أن يفعل ذلك من سن العاشرة حتى الثمانين، فسيكون قد قرأ 25,200 كتاب وحسب. وسنجد من ناحية أخرى أن أي إيطالي نال تعليمًا ثانويًا جيدًا يعرف حق المعرفة أن بوسعه المشاركة في حديث عن ماتيو بانديلو مثلًا أو فرانشيسكو غيتشارديني أو ماتيو بوياردو، أو نقاش يرد فيه ذكر تراجيديات فيتوريو ألفييري، أو "اعترافات إيطالي" لإيبوليتو نييفو، مع أنه لا يعرف منهم سوى الأسماء دون دراية بتفاصيل سياقات تلك الأعمال بل وبدون أن يكون قد قرأ كلمة واحدة منها.

اقرأ/ي أيضًا: مدونة أمبرتو إيكو.. حدود المعرفة وفضاء الخيال

وهذا السياق الأساسي هو جوهر فكرة بايار. فهو يعلن بلا مواربة أنه لم يقرأ رواية "يوليسيس" لجيمس جويس، ولكنه يستطيع الحديث عنها عبر الانتقال إلى العلاقة التي تربطها بـ"الأدويسة"، وهي الأخرى عمل يقر بايارد بأنه لم يقرأه كاملًا، والإشارة إلى أن الرواية مونولوج داخلي، وأن أحداثها تقع في دبلن في يوم واحد، وغير ذلك من الأمور المتعلقة بسياق الرواية. والنتيجة كما يدعي بايار ويقول: "كثيرًا ما أجد نفسي أتحدث عن جويس دون أن يراودني أي قلق". إن معرفة علاقة الكتاب بكتب أخرى تعني عادة أنك تعرف عنه أكثر مما ستعرفه من قراءته.

يظهر لنا بايار كيف أن بقراءتك بعض الكتب المهملة تدرك أن ما تحتويه مألوف لك، والسبب في ذلك هو أن آخرين قرأوها وتحدثوا عنها أو اقتبسوا منها أو تنبوا أفكارها. ويستعرض بايار عددًا من الملاحظات المثيرة للعجب عن بعض الأعمال الأدبية التي تشتمل على إشارات إلى كتب رغم أن المؤلفين لم يقرأوها قط، ومن هؤلاء روبرت موسيل، وغراهام غرين، وبول فاليري، وأناتول فرانس، وديفيد لودج. وقد شرفني بايارد بتخصيصه فصلًا كاملًا لكتابي "اسم الوردة"، وما أظهره فيه ويليام من باسكيرفيل من اطلاع على كتاب فن الشعر لأرسطو، مع أنها قد كانت المرة الأولى التي يقع فيها الكتاب بين يديه. لقد فعل ويليام ذلك بالاعتماد على ما استنتجه عن محتوى هذا الكتاب بالاعتماد على ما قرأه من أعمال أخرى لأرسطو. ولست أذكر هذه الفقرة هنا زهوًا بروايتي، كما سترون في نهاية المقال.

ثمة جانب مثير في هذا الكثير، أقل تناقضًا مما يظهر عليه الأمر، وهو أننا كذلك ننسى قدرًا كبيرًا من الكتب التي قرأناها بالفعل، وأننا نشكل نوعًا من صورة افتراضية عن تلك الكتاب لا تتوافق مع محتواها الفعلي بقدر ما تتوافق مع صور أثارته في أذهاننا. وهكذا لو قام أحدهم بسرد فقرات أو مواقف من كتاب لم يقرأه، فليس مستبعدًا أن نعتقد أنها من الكتاب بالفعل.

بايار ليس معنيًا بالأشخاص الذين يقرؤون كتب الآخرين بقدر اعتنائه بالفكرة، من وجهة نظر المحلل النفسي أكثر مما هي نظرة أستاذ الأدب، أن كل قراءة أو عدم قراءة أو قراءة ناقصة لا بد وأن تنطوي على ابتكار، بمعنى أن كل القراء لا بد وأن يخلقوا شيئًا من لدنهم حول الكتاب. كما ينظر بايار إلى نشاط محتمل في المدرسة يقوم به الطلبة باختراع كتب ليس عليهم واجب قراءتها، وذلك لأن الحديث عن كتب غير مقروءة يعد وسيلة نحو الوعي بالذات.

لو قام أحدهم بسرد فقرات أو مواقف من كتاب لم يقرأه، فليس مستبعدًا أن نعتقد أنها من الكتاب بالفعل

لكن بايار يظهر كيف أنه حين يقوم أحدهم بالحديث عن كتاب لم يقرأه فإن حتى أولئك الذين قرأوه لا يدركون أن ما قاله حول الكتاب خاطئ. وفي نهاية كتابه يقر بايار بأنه قد وضع قدم ثلاث معلومات مغلوطة في ملخص كل من كتاب "اسم الوردة" وكتاب "الرجل الثالث" لغراهام غرين، وكتاب "أماكن متغيرة" لديفيد لودج. والعجيب في الأمر هو أنني حين قرأتها، لاحظت مباشرة وجود خطأ في الفقرة الخاصة بكتاب غراهام غرين، وراودني الشك بشأن الفقرة عن ديفيد لودج، غير أني لم ألاحظ الخطأ في الفقرة الخاصة بكتابي أنا. وقد يعني ذلك أنني ربما لم أقرأ كتاب بايار بالدقة اللازمة، أو قد يرى هو أو من يقرأ المقال أنني تصفحت الكتاب وحسب.

اقرأ/ي أيضًا: أمبرتو إيكو وتجديد روح المثقف

لكن الأمر الأكثر أهمية، والذي أخفق بايار في ملاحظته، هو أنه يعترف ضمنيًا عبر حديثه عن الأخطاء الثلاثة، بأن ثمة قراءة أكثر صحة من غيرها، ولذلك قام بدراسة دقيقة عن الكتب الثلاثة التي اقتبس منها ليثبت نظريته بشأن عدم قراءتها. وهذا التناقض في غاية الوضوح إلى درجة تجعلك تتساءل إن كان بايار قد قرأ الكتاب الذي ألفه أو لا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

اكتشاف الدهماء

تزفيتان تودورف.. صوت متفرد في زمن "البرابرة"