"أماسي جورج شحادة" كما يحكيها ماركوس هيدجر

الشاعر اللبناني جورج شحادة

ماركوس هيدجر، شاعرٌ ومترجم سويسري، من مواليد سنة 1959. تابع دراسته بجامعة زيوريخ، متخصصًا في الأدب الفرنسي والنقد الأدبي. لقاؤه بالشاعر اللبناني جورج شحادة مثّل نقطة التحول في مسيرته الأدبية، إذ فتحت له هذه الصداقة آفاق شعرية جديدة، تبرز معالمها عبر إنتاجه الأدبي. سنة 1990 صدر له أول ديوان بعنوان "لا تديروا وجه الحجر"، وبعدها أصدر مجموعتين شعريتين وأعمالًا كاملة عنونها بـ"الذهب والظل، جسد واحد"، تُرجمت كلها إلى الألمانية والإسبانية والإيطالية. كما نشرت له ترجمات لأكثر من عشرين عمل أدبي، تتراوح بين الشعر والرواية. سنة 2009 أصدر هيدجر مذكراته مع الشاعر اللبناني جورج شحادة، بعنوان "أماسي جورج شحادة"، التي يقتطف منها صورًا، يعيد إخراجها، ليقدمها لنا في المقال الآتي.


داخل القطار العائد بي من لقائي الأول بجورج شحادة، من باريس إلى زيوريخ، بدأت على مضض قراءة "القصائد" (1) التي ابتعت نسخة منها عشية رحلتي: "بادئًا، خلف الورود لا يوجد قرودٌ". لكن ماذا يعني هذا؟ بطبيعة الحال لا يوجد قرود خلف الورود، ولا أجد أي سبب من أجله يوجدُ عوض ذلك "طفل بعينين معذّبتين". قلّبت الصفحة، "الخجل الذي يحمل رأسك في حقيبة". يا للهول! في الأول كانت كلمات بلا معنى، أما الآن، فبيت شعري بلغ من القبح حدّ الفرادة: ما كل هذه الحروف الأسنانية؟ وماذا يعني هذا "النجوم التي تسافر بساقين من ملح"؟ أكثر عبثًا من "نشيد الجرّة" التي ترغب في أن تصير "ماء قَبر".

لا، لم يسعني فهم أي من هذا. مع أن جلبير (2) أخبرني بأن صاحبنا أحد كبار الشعراء! هذا غريب، أقل ما يمكنني قوله إزاء هذه النصوص، أنها كلام أطلق على عوانه... كلمات للكلام فقط، وكلمات لا تعني أي شيء. سأكتب مثلها. وما هو إلا زوج دقائق، حتى انتهيت من خط قصيدة ذات وحي شحاديّ على صفحة مذكرتي، وللأسف تعوزني الآن جرأة عرض تلك الفضيحة أمامكم.

جورج شحادة: "الذهب مع الذهب لا يجتمعان في كتلة واحدة، يبقى رخوًا، لهذا يضيفون له قليلًا من النحاس ليكتسب صلابته"

كان يسكن حين زرته أول مرة شقة في الطابق الأول من البناية رقم 40 بجادة دي سان بير. فُتح البابُ ببطء، وحذَر. عبر ظلاله تراءى سيد عجوز قصير القامة، جافٌ القوام، ضئيل، لئلا نقول نحيلًا. عليه بذلة بنية بربطة عنق متماشية وذلك اللون. نظارات بإطار صدفي، في رأسه لم تتبقَ إلا شعيرات قليلة ناعمة مسرحة بعناية. ما فاجأني وأحببته فيه، هو أنه كان غير كل اللبنانيين الذين عرفتهم، بما فيهم صديقي جلبير، يعطش الـ"ر" إذ يتكلم الفرنسية. صافحنا بحرارة. لن أنسى مهما حييت يديه: الرقيقتين، قبضتهما العظمية الملمس، المحكمة والدافئة، كيدي فنان، كتلك التي عند كوكتو في الصورة الشهيرة (بعدسة جيزيل فروند).

اقرأ/ي أيضًا: في محبّة "أزهار الشرّ"

في زيارتي الثانية له، بعد ثلاث أشهر من الأولى، دون مرافقة جلبير لي هذه المرة، أخبرته أنني لا أفهم القسم الأكبر من قصائده. قطب شحادة حاجبيه:

- كيف؟ لا تفهم قصائدي؟ مع أنها في غاية البساطة. اسمع هذه.

وبيد مرفوعة ترافق حركتها إيقاع كلماته، أنشد:

"هناك حدائق لم يعد لهن بلد

وحيدات صحبة المياه..."

 مفهومة، أليس كذلك!

- أنا... لا، بصراحة لم أفهم أي منها.

- لكن، أجابني بانفعال، فهمت هذا: "هناك بلد بلا حدائق"؟

- نعم، يتهيأ لي أنه هكذا أوضح.

- في حين، أنا، أنطلق من الأصغر "الحدائق" إلى الأكبر "البلد":

هناك حدائق لم يعد لهن بلد

وحيدات صحبة المياه...

بين بيت شعري سيئ، وآخر جيد، حيّز أرفع من خصلة شعر.

صمتَ برهة، ثم أضاف:

- يا عزيزي، لا يفهم الشعرُ بالعقل، إنما يحسّ بهذا.

وبطرف سبابته لمس صفحة صدري.

في مرة أخرى، زرته حاملًا معي قصائدي ليلقي عليها نظرة، يعيّرها ويطلق حكمه عليها. كنت جالسًا جانبه، على الأريكة الحمراء قبالة النافذة، بزاوية تمكنني من رؤية واضحة لملامح وجهه، لأنفه المعقوف وبؤبؤ عينه اليسرى الذي، وبين الفينة والأخرى، ينزلق إلى الزاوية كعين جان بول سارتر، محاولًا استشعار أية ردة فعل تعتري وجه العصفور ذاك، المخدد بالتجاعيد، سواء كانت ردة فعل جيدة أو امتعاضًا مما كتبت. لكن كل ذلك بات ممتنعًا أمام ثبات قسماته الصارم.

قرأ قصائدي مرة، مرتين، حلّ الفرج أخيرًا على كلماته فنطقَ: – ليس سيئًا ما تكتب. لكن أخبرني، لماذا قصائدك كلها قصيرة كشجيرات البونزاي (3)؟

– شجيرات بونزاي؟ لم تخطئ المكان كثيرًا في الحكم. هي فعلًا صيغة يابانية قديمة تلك التي أكتب بها، وتسمى تانكا (4).

– لكن يا عزيزي، لا يجب البدء بكتابة أشياء صغيرة، وإلا ستنتهي بقصيدة من بيت واحد؟ يومًا ما سأرغمك على كتابة قصيدة من مائة بيت. آنذاك ستجد أن بيتًا أو اثنين فقط بالجودة المطلوبة مقابل عشرات أخرى أقل.

– بصراحة، أخبرني كيف وجدتها؟

أعاد قراءتها للمرة الثالثة، تأمّل لبرهة، ثم قال:

– كل ما كتبته يا ماركوس جميل جدًا، أبياتك من ذهب. لكن الذهب مع الذهب لا يجتمعان في كتلة واحدة، يبقى رخوًا، لهذا يضيفون له قليلًا من النحاس ليكتسب صلابته.

عاد الصمت مجددًا، أخذ في التفكير فيما سيضيف:

– لكن سيأتي هذا مع الزمن، فقط يجب عليك التحلي بصبر كبير، وكثير من الكسل. فأنا مثلًا أظل سنوات دون أن أخطّ بيتًا واحدًا. هناك فارق عشر سنوات بين ديواني الأول والثاني الذي أنهيته في ظرف خمسة عشر يومًا. خرجَ هكذا. وبعدَ مهاجر بريسبان لم أكتب لسنوات، وفجأة الجزء الخامس من "القصائد".. في لحظة عفو عام، أطلقت عشرين قصيدة في أربعة أسابيع. عندما يأتيك حظ الشعر، لا يتطلب منك الأمر سوى تعديلات طفيفة ليكتمل النص.

جورج شحادة: "الشعر مجبول من ماء وحصى. حفنة ماء على حفنة حصى على حفنة ماء.. إلى أن تتشكّل القصيدة"

مدّ يده ليسحب كتابًا ضخمًا من على الطاولة، مجلد شعر وصله من روبيرت ساباتير، وأخذ في تصفحه قائلًا:– شاهد معي هذا! ما هذه الدعابة، مرعب حقًا! يتطلب مني الأمر آلاف السنين لأكتب شيئًا بهذا الحجم. تذكر دائمًا، أنه على الشعر أن يكون نحيفًا.. وباقي أنواع الأدب بطبيعة الحال. ثمّ عاد لفكرته عن "شجيرات البونزاي":

– كما تعلم، يجب أن يكون لديك الكثير من الشجاعة كي تكتب أبياتًا سيئة لتحتكرَ أبيات أخرى الجمال. أو دعني أقولها لك بصيغة أخرى: الشعر مجبول من ماء وحصى. حفنة ماء على حفنة حصى على حفنة ماء.. إلى أن تتشكّل القصيدة.

اقرأ/ي أيضًا: استعادة "حكاية أزرق" لمولبوا: عن الشّعر الطّالع من الفظاظة

في اليوم الذي أقرَأته فيه بعضًا من أشعاري الموزونة، أخذ في التململ على كنبته: – في المرة القادمة سأهدي إليك مقصًا جميلًا... حدجته بنظرة مستغربة، فقال: يجب عليك أن تقص، يا عزيزي، أن تشذّبَ قطيفتك كي تصيرَ على مستوى واحد. أن تحذف، وتحذف بسخاء. خذ هذا البيت، على سبيل المثال:"... تتناسلُ بالصمت المتراكم في ضواحي الكآبة الجائرة". كان يكفي أن تقول: "تتناسلُ بالصمت المتراكم".

محمولٌ بحماسة الأدب، انتابني فضول معرفة أي كتّاب وأي شعراء كان يخالطُ، ومن كانوا منهم ضمن الحلقة الضيقة لصداقاته. أجاب: منذ زمن بعيد، بعثت بقصائدي الأولى إلى بولهان، ثمّ إلى سان جون بيرس، قال بصوته العذب وبذات تعطش الراء خاصته، هو الذي نشرها في مجلة "كوميرس". أما ديواني الأول أصدره غي ليفي مانو. أي إنسان رائع كان ذلك الناشر! كنت ألقبه ناسك جادة هيغنز، وقد كان حقًا حائك سحر تلك النسخة. التي بعثتها لاحقًا إلى إيلوار، فأجابني بهذه الكلمات: "أشعارك وضعتني أمام منظر عميق، نشيد منضبط الإيقاع كنت قد نسيته. لا يمكنك تصور أي متعة جلبها لي ديوانك". أي تشجيع خصّ به شاعرٌ كبير كإيلوار الشاعر الشاب الذي كنته!

منذ البداية وجدت نفسي بين السورياليين، استرسل بعد برهة صمت. كان بيننا نوعٌ من الإيحاء، لأن ذائقات بعضهم كانت توافق ذائقتي الشعرية. وكنت أتردد كثيرًا على أندريه برتون، خاصة خلال عطلي الصيفية، كنّا نلتقي بشكل دائم، مرة في بيته وأخرى أثناء اجتماعاتنا الشهيرة بمقهى "بلاص بلانش". ولو شبهت تلك الاجتماعات بـ"العشاء الأخير"، لقلت إن يوحنا التلميذ المحبوب كان بنيامين بيري، حيث اعتادَ أخذ مجلسه بجانب السيد، أندريه برتون، فيما نحن الحواريين نصغي إلى تعاليمه الدينية بانتباه.

لقد أحببت جدًا برتون، كان جميلًا ككمانٍ، أو علبة موسيقى، يكفي أن ترسل قطعة داخل فتحتها لتصدح بألحانٍ لا نهائية. يضحك من وصفه ذاك، ضحكة مكتومة لا يظهر من معالمها إلى النزر القليل، جميلة كانت كما كان يصفها جوليان غرين معجبًا.

كانت المحادثات الهاتفية معه أشبه بقصائده، أقصد قصيرة، مقتصرة على المهم، ولا تتعدى الدقيقة أو الاثنتين: – مر عليّ بالبيت غدًا على الساعة الرابعة، خاطبني شحادة عبر سماعة التليفون، هل يناسبك ذلك؟ لا، آسف، أقصد على الساعة الخامسة، في الحقيقة بعدَ الظهر سيزورني صحفي لإجراء مقابلة معي. وأنت تعلم جيدًا كم ترعبني المقابلات الصحفية، فخلال تلك الساعة التي سأقضيها سأكون الرجل الأكثر تعاسة في العالم. فهم يرشقونني بحفنة أسئلة فلسفية. وما شأني أنا والفلسفة، لا أفهم منها شيئًا، ولا وجودَ لها في أشعاري. لست شاعرَ أفكار. بالنسبة لي الشعر عمل من أعمال القلب والروح. كل الشعراء الغربيين، باستثناء رامبو، كانت لهم خلفيات فلسفية. أنا شاعرٌ شرقي، ما شأني بكل هذا... خلاصة القول، لنتحدث عن هذا لاحقًا، موعدنا غدًا على الساعة الخامسة أو الخامسة والنصف، هكذا سنكون على راحتنا.

حقيقة، لست شاعرَ أفكار، كان يقول دائمًا، بالنسبة لي في البدء تأتي الكلمات، هي التي تحمل الأفكار وتمررها. وكان يحب الحديث عن كتاباته، ويحب أيضًا إنشاد قصائده، التي دأب على حفظها عن ظهر قلب، حتى تلك التي خطها منذ زمن طويل، قبل خمسين سنة. ويحب كذلك إنشاد أبيات شعراءه المفضلين: بودلير ورامبو دائمًا في مقدمتهم. – رامبو وحده الذي عرف كيف يلوي عنق الفلسفة. كان دائمًا يقول. ما لا يمنع أن ينشد بذات الكيف قصائد لمالارمي، أبولينير، سان جون بيرس وغيرهم.. لقد كان ذا معرفة شعرية واسعة.

جورج شحادة: "لقد أحببت جدًا برتون، كان جميلًا ككمانٍ، أو علبة موسيقى، يكفي أن ترسل قطعة داخل فتحتها لتصدح بألحانٍ لا نهائية"

نرجسي، متمركز على نفسه، كلّ هذه أوصاف منطبقة عليه تمامًا، كما تنطبق على كلّ مبدع حقيقي، ومع ذلك لا نحس فيه قطّ ذلك النزوع إلى تزكية نفسه، ولقد كان أخًا حقيقيًا في الشعر، الشعر الذي يحبه، الشعر الذي يعشقه. نعم، كانت له الموهبة العظيمة للحديث عن كتاباته أفضل مما يمكن لشخص آخر أن يتكلّم عنها، كما كان يتكلّم عن كتابات آخرين بنفس الطريقة. فيما الزمن، بشكل أو بآخر، ينحو نحو محو تلك الأسماء، بما فيها اسم جورج شحادة.

اقرأ/ي أيضًا: يانيس ريتسوس في مجموعته "جيران العالم".. أثر لا يُمكن محوهُ

ونعم، أخذ مني الأمر الكثير من الجهد، القراءة وإعادة القراءة، وضع الكتاب جانبا والعودة إليه لاحقًا، كي أدخل عالم "القصائد" الخاص، والتي توصيني بأن "لا أكون سبب في ألم الورق"، وأن "التفاحات جميلات شهيات في حزن الصباح"، حيث الأشعار تخبرني بأن "طائر أوجاع ضخم" أحسن من "المرج والمياه الصدئة والكتاب المقدس الكبير لصخرة"... كان علي لأبلغ هذه المرحلة، وعلى وجه التحديد، أن أتيح لنفسي الفرصة كي تصبح أكثر حساسية إزاء المناخ الشعري والمسرحي لجورج شحادة حيث الحياة "بطيئة وسريعة، كيوم حلزون وسفر لبلاب"، وعليك أن تكون "جافًا لتروق الله، لا مكورًا من هنا أو من هناك، بشنب خفيف، كما النساء".

شعر جورج شحادة وعلاقتي الحميمة به، التي لم يقطعها سوى الموت، له أثر حاسم في حياتي وفي كل مناحيها: لم يفتح لي فقط آفاقًا جديدة، بل أدخلني عالم الشعر.

 

هوامش:

(1)   القصائد، عنوان مجموعة شعرية لجورج شحادة

(2)   جلبير صديق ماركوس هيدجر اللبناني، الذي عرّفه أول مرة بجورج شحادة

(3)   البونزاي، نوع من الشجيرات اليابانية قصيرة الطول

(4)   تانكا، نوع شعري تقليدي من اليابان

 

اقرأ/ي أيضًا:

موريس شاباز: الموت كالندى الطازج

لافونتين: العجلة والعنزة والنعجة في شراكة مع الأسد