أليس غاثري: الأدب العربي بالإنجليزية محكوم بعقلية الرجل الأبيض

أليس غاثري: الأدب العربي بالإنجليزية محكوم بعقلية الرجل الأبيض

أليس غاثري (Kayle Brandon)

أليس غاثري مترجمة أدبية وكاتبة وناشطة حقوقية بريطانية ترجمت العديد من الأعمال المعاصرة لكتاب شباب من الوطن العربي، من بينها مجموعة قصصية للكاتبة رشا عباس وزاهر عمرين من سوريا، وعلاء حليلحل من فلسطين، وغيرهم من الكتاب العرب، كما تشرف على العديد من المبادرات الأدبية والثقافية التي تعنى بالأدب العربيّ المعاصر.


  • ما الذي دفعك إلى الدخول في عالم الترجمة الأدبية؟

وجدت الأمر ممتعًا، وقد تولدت لدي هذه العلاقة مع الترجمة وأنا في الجامعة، ولا أدري كيف تكونت لدي صورة عن المترجمين الأدبيين بأن عملهم رائع وأنهم "كوول"! لست أذكر السبب بالتحديد، ولكني شعرت بأن الترجمة الأدبية فن/علم ينطوي على شيء من السحر. كنت أبحث عن شيء يميزني ربما، وظننت أن انشغالي بهذا المجال سيجعلني أبدو أو أشعر بأني أكثر ذكاء.

أليس غاثري: أوزع نفسي بين الكتابة والتحرير وتنظيم الفعاليات الثقافية والتدريس في ورش العمل، وجميعها لها علاقة باللغة العربية من فنون وثقافة وإعلام

بدأت أتخصص بالترجمة في مرحلة البكالوريوس في برنامج اللغة العربية (وكنت قد درست في جامعة إكستر، وأمضيت سنتين في المعهد الفرنسي في دمشق)، علمًا أنه لم يكن هنالك مساقات موجهة خصيصًا للترجمة في برامج البكالوريوس في بريطانيا في ذلك الوقت (وحتى الآن أعتقد). إن نظام تعليم اللغات في بريطانيا ضعيف للغاية في هذا الجانب، وفي العديد من الجوانب الأخرى. لذا شعرت بضرورة المشاركة كطالبة مستمعة في محاضرات الماجستير، بالإضافة إلى الكثير من الجهد الشخصي والقراءة. لقد كنت أفعل ذلك بدافع الحب، ولكني لطالما كنت ميّالة إلى التعلّم الذاتي بطبيعتي.

اقرأ/ي أيضًا: حقي صوتشين: هناك من يربط العربية بالدين فقط

ثم حالفني الحظ بأن عملت مع مشرف ساعدني في مساق تعليمي مستقل في الترجمة، وكانت هذه هي الطريقة للدراسة دون الاضطرار للبقاء في قاعة دراسية. وقد تمكنت من كتابة أطروحتين في الترجمة، كانت الأولى ترجمة مع تعليقات وتحليل منهجي لخمسة فصول من كتاب "يوميات مهاجر سري" للصحفي المغربي رشيد نيني. وقد كانت هذه تجربة مذهلة، رغم أني لم أكن مستعدة لها تمامًا في تلك المرحلة، ولكني تعلمت منها الكثير. ثم وبعد فترة قصيرة، نشرت قبل تخرجي أول قصة مترجمة، وكان في ذلك أنطولوجيا لقصص من مدن الشرق الأوسط، عن دار نشر بريطانية اسمها Comma Press، وقد كانت القصة التي ترجمتها للكاتب الفلسطيني العكاوي علاء حليحل.

هكذا تورطت تمامًا في الترجمة الأدبية، وتابعت بعدها العمل بشكل تدريجي، خلال السنوات التي تلت، ولم يكن هنالك الكثير من الإنجاز، وما زلت حتى الآن لا أعتمد بشكل كامل في دخلي على الترجمة، فهي لا تشكل سوى الثلث ربما، وبقية عملي يتقاطع بين الكتابة والتحرير وتنظيم الفعاليات الثقافية والتدريس في ورش العمل وغيرها من الأنشطة، وجميعها لها علاقة باللغة العربية من فنون وثقافة وإعلام.

  • هل كان لنشاطك الحقوقي تأثير على قرارك في أن تصبحي مترجمة أدبية، وهل لذلك انعكاس بشكل أو بآخر على مقاربتك للترجمة أو الأعمال التي تختارينها للترجمة؟

يمكن أن أقول إن اهتماماتي في هذا المجال قد دفعتني إلى تعلم العربية بداية، وليس إلى الترجمة. لقد شعرت (ربما بمثالية واندفاع الشباب حينها) أن تعلم العربية قد يكون سبيلًا مناسبًا للاستفادة من تلك الحظوة التي لدي كمواطنة بيضاء من "العالم الأول" من الطبقة المتوسطة ومتوافقة مع التصنيف الجندري السائد (Cisgendered).

  • ما هي في رأيك وتجربتك الشروط التي تضمن تميز المترجم الأدبي ونجاحه؟

أعتقد أن الشرط الأساسي هو التأكد من امتلاك المهارة الكافية بكلتا اللغتين التي يعمل بينهما، وأن يضيف إلى ذلك قدرًا كبيرًا من التواضع والمهارات البحثية. وأقصد بالتواضع هنا امتلاك القدرة على الاعتراف بعدم التأكد من فهمه لنص ما أو عجزه عن نقله باللغة الهدف، سواء كان ذلك يعني أنه لا يستطيع بالفعل ترجمته بدلًا عنه، أو أن يسأل آخرين أقدر منه لمساعدته في الترجمة والتأكد من فهمه للنص الذي يعمل عليه، سواء كان ذلك في مرحلة البحث أو التحرير. كثير من الترجمات التي أقيمها كجزء من عملي في لجنة تحكيم لواحدة من الجوائز المهمة للترجمة يظهر عليها أثر العجلة وفرط الثقة، دون بذل أي جهد بحثي أو حرص على طرح الأسئلة الضرورية التي لا تتم الترجمة بدونها.

أليس غاثري: العديد من أولئك المترجمين الذين تظهر أسماؤهم على الأعمال المترجمة من العربية للإنجليزية يمثلون طبقة من كبار العمر من الرجال البيض

إن العديد من أولئك المترجمين الذين تظهر أسماؤهم على الأعمال المترجمة من العربية للإنجليزية يمثلون طبقة من كبار العمر من الرجال البيض الذين غسلت أدمغتهم في مدارسهم الخاصة حتى صارت لديهم قناعة بأنهم يعرفون كل شيء وأنهم معصومون عن الخطأ، وأنه لا يمكن بحال أن تخضع أعمالهم للفحص والتحرير، انطلاقًا من النظرة التي تشكلت في المجتمع عن هذا النوع من الرجال. والأدهى أن هذا الأمر لم يعد يقتصر على هذه الفئة من الرجال، فأنا أجد كثيرين ممن يترجمون من العربية وهم لا يمتلكون المهارات اللازمة لذلك، وهذا ما يظهر جليًا في كثير من الأعمال التي تنشر.

اقرأ/ي أيضًا: كارمن ماريا ماتشادو: يزعجني كتّاب يتهيبون الحديث عن اللذة

أعتذر عن تقديم هذه الصورة السلبية، ولكني حزينة وغير راضية عن مستوى الترجمات من العربية إلى الإنجليزية، وأنا حريصة على التأكيد على ذلك كلما أتيحت لي الفرصة، لعل الأمر يتغير إلى الأحسن.

المشكلة الأخرى هي أن الترجمة الأدبية لا تنال التقدير المادي اللائق بها في اقتصاديات النشر، لذلك يصعب على غير المقتدرين ماديًا أن يكتفوا بها كمصدر للرزق، مما يفاقم الوضع الذي وصفته آنفًا.

  • على الرغم من انتشار برامج تعليم العربية في البلدان الناطقة بالإنجليزية إلا أن ترجمة الأدب العربي المعاصر إلى الإنجليزية ما تزال محدودة، ما أسباب ذلك؟

أعتقد أن هذا يعود إلى عدد من العوامل، يأتي في مقدمتها فوقية الرجل الأبيض المفترضة، والإمبريالية الثقافية، والهوس الأنغلوفوني بقراءة الأعمال المكتوبة بالإنجليزية (وهذا نتيجة تقوقعنا اللغوي وطريقة ترويج الإنجليزية على أنها لغة عالمية للتواصل المشترك). وأحد الأسباب كذلك هو تدني جودة العديد من الترجمات التي في السوق، مما خلق حالة بين القرّاء من عدم الثقة بما يترجم. لعلّه حين تتحسن المعايير في ممارسة الترجمة من العربية إلى الإنجليزية سنرى المزيد من الاهتمام، رغم أني أظن أنها ستبقى ممارسة نخبوية، ولن يتغير ذلك بالنسبة لجيلنا نحن على الأقل.

  • ما هي أبرز الصعوبات التي تجدينها في العربية أثناء الترجمة؟

أجد الكثير من الصعوبة عند ترجمة الحوارات المكتوبة بالفصيحة، إذ يصعب عليّ "الاستماع" إلى الصوت في الحوار كمشهد طبيعي بحيث أتمكن من نقله إلى الإنجليزية.

  • ما هي الأعمال التي استمتعت بترجمتها بشكل خاص مؤخرًا؟

لقد أحببت العمل على مجموعة قصصية للكاتب السوري زاهر عمرين تحمل عنوان "حكايات العاصي"، فيها قصص حفرت في وجداني حتى آخر أيامي. لقد كانت قصصه معجونة بالبهجة والفكاهة رغم الألم والمعاناة، ويمكن أن أقول إنها قد غيرتني إلى الأبد. لقد كانت قصص عمرين مبنية على حكايات حقيقية تناقلتها عائلته في حماة، منذ أحداث الثمانينات والمجازر التي وقعت خلالها. لقد تشرفت حقًا في نقلها إلى الإنجليزية. وبالطبع، لقد بكيت كثيرًا أثناء ترجمتها، وانتابني الكثير من الغيظ والغضب، وهذا أمر يشرفني أيضًا وأعتقد أنه في مكانه.

أليس غاثري: حين تتحسن المعايير في ممارسة الترجمة من العربية إلى الإنجليزية سنرى المزيد من الاهتمام، رغم أني أظن أنها ستبقى ممارسة نخبوية

اقرأ/ي أيضًا: حوار | يانيس فاروفاكيس.. الحياة قصيرة الحرب أطول!

  • هل تعملين أو تفكرين بالعمل على ترجمة جديدة في الفترة المقبلة؟

أعمل حاليًا على ترجمة أنطولوجيا لنصوص كويرية لكتاب من عدة دول عربية، وأنا متحمسة جدًا لهذا المشروع. لقد ترجمت الكثير من نمط هذه الكتابات مؤخرًا، لأنها من نوع الأعمال التي تعني الكثير بالنسبة إليّ. بعض هذه الترجمات قد نشرت في موقع Words Without Borders، حيث أنشر الكثير من النصوص المترجمة، وغيرها من المجلات والمواقع.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مترجم سويدي: لماذا يغيب سليم بركات عن البوكر؟

نيلس هاو: في الحرب تكون الحقيقة الضحية الأولى