أليست الحرية هي من ضربت نيس وليس الإرهاب؟

أليست الحرية هي من ضربت نيس وليس الإرهاب؟

موقع الهجوم (باتريك لوفرنير/Getty)

لماذا ننظر بذهولٍ إلى حادثِ نيس؟ هو الإرهاب نعم! وفرنسا الحسناء أكثر ما يغريه في العالم ليعود عليها للمرة الثالثة خلال أقل من عام.

الذي ضرب مسرح وحانة في باريس، ضرب في اليوم الوطني تجمع للاحتفال بـ"الحرية" في نيس

الحادث كان منتظرًا فالدولة الفرنسية تحدثت عن تهديدات تستهدف يومها الوطني أمنت المنشآت العامة والحيوية كما اتخذت سفاراتها في كل أنحاء العالم الاحتياطات اللازمة التي وصلت حد إغلاق سفارتي عمان وأنقرة المجاورتين لسوريا، حتى السفارة الفرنسية في تل أبيب كانت على أهبة الاستعداد وفق بيانٍ صدرته قبل الحادثة بيوم، وقد جاء اليوم الموعود وجاء الإرهاب كعادته، لايريد استهداف منشأة حيوية أو موقع أثري مهم إنما يريد أكبر قدر من الدم والخوف. فالذي ضرب مسرح وحانة في باريس، ضرب في اليوم الوطني تجمع للاحتفال بـ"الحرية" في نيس. ونيس لمن لا يعرفها فهي مدينة وادعة على ساحل المتوسط وتعتبر مقصدًا سياحيًا هامًا للأوروبيين .

سيناريوهات مابعد الحادث كانت متوقعة، على الأقل بالنسبة لنا كصحفيين، فقد انتظرنا إعلان جنسية قائد الشاحنة بفارغ الصبر ولم يكن لدينا شك بأنه فرنسي أو أوروبي على أقل تقدير، لكن ما كان الجميع ينتظر معرفته هي الأصول القادم منها والتي وضحت أنها تونسية وأن الشاب في عمر الـ31 عامًا، وأب لثلاثة أطفال. لم يتضح بعد إن كان قد قاتل في سوريا أو تواصل مع "أباعود" أو ضلع في تفجيرات بروكسل، ومع احتمالية كل ذلك يبقى المؤكد أنه لم يتربى في أي من حظائر الجمهوريات العربية التي يتعارض فيها مفهوم الله مع مفهوم "الأب القائد" وبالتالي وإن كان متطرفًا هناك فسيكون مكتومًا.

لماذا يستهدفنا في الشرق الأوسط الإرهابيون الأوروبيون في الجنسية والعرق؟

اقرأ/ي أيضًا: تصاعد التصورات المعادية للمسلمين عبر أوروبا

من الذي نفذ "نيس"؟ ومن قبلها باريس؟ وبروكسل واسطنبول وأنقرة والرقة؟ لماذا يستهدف الإرهابيون من أصول عربية أوطانهم البديلة؟ ولماذا يستهدفنا في الشرق الأوسط الإرهابيون الأوروبيون في الجنسية والعرق؟ ما هي طبيعة هذه المعادلة؟ وكم شريك يوجد في الجريمة؟ هل الدعوة الأممية للإسلام هي الأصل للمشكل؟ أم اضطهاد المهاجرين في أوروبا؟ أم الفقر والكبت الجنسي؟ أم المغريات الميتافيزيقية من الجنة إلى الحواري وسوى ذلك؟ برأيي الشخصي جدًا إنها الحرية!

ماذا يعني أن يكون الإنسان حرًا دون ضوابط؟ هذا سؤال ملح علي. أوروبا أرض الحريات التي وفرت هذا المناخ حتى للكثير من الحركات المتطرفة في العالم، ومنها الإسلامية، فبعض مساجد أوروبا كانت بؤرًا لصناعة الإرهابيين وتصديرهم والقانون لا يمنع ذلك، فهو "حرية اعتقاد"، اعتقاد يمكن أن يكون مدمرًا، بعد أن كان الرعيل القديم من الحركات السلفية يصنع لنفسه مؤيدين ويؤلف الكتب ويبيعها للمسلمين من أوروبين وغيرهم بل ويستقطب في بعض مساجد لندن مثلًا أعدادًا من المعتنقين الجدد للديانة ليبدأوا حياتهم الإسلامية بمعرفة طريق الجنة.

ستبقى الحرية مطلبًا ساميًا لنا جميعًا لكن علينا أن لانسمح للإرهاب بالاختباء خلفها

ليس هذا وحسب، بل إن أوروبا اليوم وتحت غطاء حريتها تنمو وتزدهر الحركات الأوروبية المتطرفة والتي تعود إلى الفعل العنيف من قتل واعتداء. المفارقة الكبرى اليوم هي أن الحرية التي تؤمنها أوروبا هي الغطاء، الذي تستر تحته السلفييون الهاربون من الشرق الأوسط القمعي الدكتاتوري الذي لم يكن يسمح لهم بالتنفس بل ولم يكن لديهم الحق بالحياة حتى. من الصعب جدًا اليوم أن نمثل من جديد أمام معادلة القمع مقابل الأمان، التي ستبدو أوليًا أفضل من معادلة التطرف في وجه التطرف القريبة من التطبيق مع صعود نجم ترامب وأشباهه.

إنها الحرية بكل أسف، من سيضعها هذا الإرهاب محل تساؤل، وقد يقول قائل إنها من قتلت نيس وأخواتها، الحرية التي كانت تحتفل بها فرنسا أمس وسعى لها السوريون ولا يزالون، ستبقى مطلبًا ساميًا لنا جميعًا، وسيظل سؤال الاحتفاظ بها حتى أوسع حد ومقدار في ظل كل هذا الاستغلال المسيء لها، سؤالًا أوليًّا تشوبه الكثير من النوايا الحسنة والسيئة على السواء.

اقرأ/ي أيضًا:

فرنسا..تحديد هوية منفذ هجوم "يوم الباستيل"

"صرح الخلافة".. هيكلية تنظيم الدولة المؤسساتية