ألمانيا تعيد تموضعها اقتصاديًا: الصين في الصدارة وأميركا تتراجع
22 فبراير 2026
أظهرت بيانات رسمية صادرة عن المكتب الاتحادي للإحصاء في ألمانيا أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة لتصبح الشريك التجاري الأول لبرلين في عام 2025، بحجم تبادل بلغ نحو 251 مليار يورو، مسجّلًا زيادة بنسبة 2.2% مقارنة بعام 2024.
وبحسب الأرقام، بلغت الواردات الألمانية من الصين نحو 170.6 مليار يورو، مقابل صادرات بقيمة 81.3 مليار يورو، ما يعكس اختلالًا واضحًا في الميزان التجاري لصالح بكين. وفي المقابل، تراجع حجم التبادل التجاري مع الولايات المتحدة إلى نحو 240 مليار يورو، بانخفاض نسبته 5%، في ظل تداعيات الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ولا يقتصر هذا التحوّل على ألمانيا وحدها، إذ بلغ حجم واردات الاتحاد الأوروبي من الصين عام 2025 أكثر من 560 مليار يورو، ما يعكس تنامي الحضور الصيني في السوق الأوروبية.
زيارة ميرتس إلى بكين في سياق دبلوماسي أوسع
يأتي هذا التحوّل الاقتصادي بالتزامن مع استعداد المستشار الألماني فريدريش ميرتس للقيام بأول زيارة رسمية له إلى الصين منذ توليه منصبه، حيث يلتقي رئيس الوزراء لي تشيانغ، ويجري محادثات مع الرئيس الصيني شي جين بينغ.
وتندرج الزيارة ضمن موجة دبلوماسية غربية متزايدة تجاه بكين، بعدما سبقه إليها كل من رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، ورئيس الحكومة البريطانية كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في زيارات شهدت توقيع اتفاقيات وشراكات اقتصادية مع الصين، بعد سنوات من الفتور والتوتر في العلاقات.
وفي هذا السياق، تحدث ستارمر، خلال زيارته في يناير، عن "تقدم جيد فعلًا" في مسار التعاون الثنائي، فيما أعلن كارني عن إطلاق شراكة استراتيجية جديدة، بينما شدد ماكرون على أن الصين "مرحب بها" اقتصاديًا، في إشارة إلى رغبة متزايدة لدى العواصم الغربية في إعادة بناء جسور الثقة مع بكين.
ويرافق ميرتس وفد يضم نحو 30 من كبار ممثلي قطاع الأعمال، في إشارة إلى البعد الاقتصادي المركزي للزيارة، لا سيما في ظل اعتماد شركات السيارات والصناعات الثقيلة الألمانية على السوق الصينية.
ولا يقتصر هذا التحوّل على ألمانيا وحدها، إذ بلغ حجم واردات الاتحاد الأوروبي من الصين عام 2025 أكثر من 560 مليار يورو
طموح القيادة الأوروبية وبناء القوة الألمانية
تسعى الحكومة الألمانية الحالية إلى ترسيخ دور برلين بوصفها قاطرة سياسية واقتصادية داخل أوروبا. وقد أعلن ميرتس عزمه العمل على بناء "أقوى جيش في أوروبا"، ضمن رؤية أوسع لتعزيز النفوذ الألماني في القارة.
ويرتبط هذا الطموح بمحاولة صياغة سياسة خارجية أكثر استقلالية، لا تقتصر على الاصطفاف خلف واشنطن، بل تأخذ في الاعتبار المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الأوروبية. وفي هذا السياق، تدرك برلين أن موقعها القيادي داخل الاتحاد الأوروبي يمرّ عبر إدارة متوازنة لعلاقاتها مع الصين، بوصفها قوة اقتصادية لا يمكن تجاهلها.
غير أن هذا التوجه يصطدم بغياب استراتيجية ألمانية واضحة تجاه بكين. فالوثيقة الرسمية الأخيرة تعود إلى عام 2023، وتصف الصين بأنها "شريك ومنافس وخصم نظامي" في آن واحد، دون تقديم خريطة طريق عملية لإدارة هذه العلاقة المعقّدة.
ترامب والرسوم الجمركية يدفعان أوروبا شرقًا
يُجمع محللون أوروبيون على أن السياسات الأميركية في عهد ترامب أسهمت في تسريع التوجّه الأوروبي نحو الصين. فقد أعادت الرسوم الجمركية الواسعة، والتصعيد التجاري مع الحلفاء، وتهديد كندا، والخلافات حول غرينلاند، طرح تساؤلات جدّية حول موثوقية واشنطن كشريك استراتيجي.
وفي سياق الرسوم الجمركية التي رفعها ترامب بنسبة 15%، أفادت مصادر لشبكة CNBC، اليوم، بأن الهند قررت تأجيل زيارة تجارية كانت مقررة إلى الولايات المتحدة، بسبب الاضطرابات التي أحدثتها السياسات الجمركية الأميركية.
وكانت نيودلهي قد وقّعت، في نهاية الشهر الماضي، اتفاقًا وُصف بـ"التاريخي" مع الاتحاد الأوروبي، في خطوة عكست توجهها نحو تنويع شراكاتها التجارية.
وفي ظل هذه السياسة المتقلبة، سعت بكين إلى تقديم نفسها بوصفها طرفًا أكثر استقرارًا. وقد عبّر وزير الخارجية الصيني وانغ يي عن هذا التوجّه حين تحدّث عن انتشار "قانون الغاب" في العلاقات الدولية، مؤكدًا أن الصين تمثل "قوة للاستقرار".
وبالنسبة لدول أوروبية عديدة، باتت الصين تمثل بديلًا اقتصاديًا ضروريًا، سواء من حيث السوق الاستهلاكية الضخمة أو سلاسل الإمداد الصناعية، في وقت باتت فيه العلاقات مع واشنطن أقل قابلية للتنبؤ.
معضلة الاعتماد والمخاطر المتبادلة
رغم تنامي العلاقات الاقتصادية، لا تخفي برلين قلقها من الاعتماد المفرط على الصين، خصوصًا في مجالات المعادن النادرة، والليثيوم، والتقنيات الحيوية. وتسعى الحكومة إلى تطبيق سياسة "خفض المخاطر" دون الوصول إلى "فك الارتباط"، وهو توازن دقيق يصعب تحقيقه عمليًا.
وتواجه ألمانيا ضغوطًا داخلية متباينة، بين تيار يدعو إلى التشدد تجاه بكين، وآخر يركّز على حماية مصالح الشركات الصناعية. كما يثير احتمال فرض رسوم أوروبية جديدة مخاوف من ردّ صيني قد يضرّ بصادرات السيارات والآلات الألمانية.
في المقابل، تمتلك برلين أوراق ضغط، تتمثل في تفوقها التكنولوجي في مجالات الهندسة الدقيقة والطاقة والبيئة، إضافة إلى تراجع الطلب الداخلي في الصين ومشكلاتها الاقتصادية المتفاقمة.
توازن هش في مرحلة إعادة التموضع
تعكس عودة الصين إلى صدارة الشركاء التجاريين لألمانيا تحوّلًا عميقًا في موازين الاقتصاد السياسي العالمي، وتكشف في الوقت نفسه عن مأزق أوروبي أوسع في التعامل مع قوتين عظميين متنافستين.
فبين سياسات أميركية متقلبة، وشراكة صينية متنامية، تحاول برلين رسم مسار مستقل يحافظ على مصالحها الاقتصادية، ويعزّز موقعها القيادي في أوروبا، دون الوقوع في فخ التبعية لأي طرف.
وتبقى زيارة ميرتس إلى بكين محطة مفصلية في هذا المسار، إذ ستكشف مدى قدرة ألمانيا على تحويل هذا التوازن الهش إلى استراتيجية واضحة، في عالم يتّجه بثبات نحو تعددية قطبية أكثر تعقيدًا.