ألبرتو مانغويل.. في مكتبة بإيقاعات مجنونة

ألبرتو مانغويل.. في مكتبة بإيقاعات مجنونة

مانغويل في مكتبته ليلًا (Getty)

المكتبة أسطورة، المكتبة مكانًا، المكتبة سلطة، المكتبة عقلًا، المكتبة خيالًا، المكتبة هوية، المكتبة وطنًا، المكتبة والنسيان... هذه بعض من عناوين فصول كتاب "المكتبة في الليل" للكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل، صاحب كتاب "تاريخ القراءة" و"يوميات القراءة" و"في غابة المرآة".. وهو الذي كرس حياته الفكرية والأدبية للبحث في تاريخ الكتاب وتاريخ القراءة وطقوسها عبر العصور.

كرس ألبرتو مانغويل حياته الفكرية والأدبية للبحث في تاريخ الكتاب وتاريخ القراءة وطقوسها عبر العصور

في "المكتبة في الليل" (دار الساقي 2015)، يعلن مانغويل بأنه قضى نصف قرن وهو يجمع الكتب، ففضل هذه المرة أن يتحدث عن الكتاب وطقوس القراءة من خلال وصف مكتبته الخاصة الضخمة التي شيدها فوق حضيرة للماشية تعود إلى القرن الخامس عشر في إحدى قرى الجنوب الفرنسي. ومن خلال هذه المكتبة الحميمية يتجول بنا في قارة الكتب عبر سرد طقوس المفكرين والأدباء والفلاسفة والعلماء وعلاقتهم بالكتاب والقراءة، متوقفًا من حين لآخر عند طقوسه الخاصة التي يتماهى فيها مع طقوس الآخرين "مثل ماكيافيلي أجلس غالبًا وسط كتبي في الليل، بينما أفضل أن أكتب في الصباح، في الليل أنعم بالقراءة في الصمت المطلق، حين تشطر مثلثات الضوء التي يشكلها مصباح القراءة رفوف مكتبتي إلى نصفين. فوق الصفوف العليا من الكتب تغيب في الظلمة، وتحت الكتب يبرز الجزء المفضل للعناوين المضاءة".

للقراءة إذن طقوس لكن قراءة الليل لها نكهة خاصة، فحين يجلس للقراءة يراقب صفوف الكتب وهي تغويه لإقامة اتصال بين جيرانها فيكتشف تواريخ مشتركة لها. المكتبة في النهار تعكس صدى النظام الواقعي البسيط والمعتدل للعالم، أما في الليل فهي تبدو منتشية وسعيدة بفوضى العالم. وحين تشتعل مصابيح المكتبة يختفي العالم الخارجي ولا يبقى في الوجود سوى فضاء الكتب. القراءة في الليل تقود إلى التأمل والغوص عميقًا في قضايا الحياة والموت "عندما أنظر إلى الكتب الكثيرة التي لدي في البيت، أشعر بأنني سأموت قبل أن أنهيها". القراءة في الليل تذهب بالقارىء بعيدًا إلى سبر أغوار الثقافات الإنسانية والإنصات إلى أصواتها البعيدة "في الليل يبدأ حوار آخر مع الكتب من إقامة تحالف بين ثقافات وأزمان مختلفة".

من القضايا التي تناولها مانغويل في تأملاته قضية فهرسة المكتبات، فإذا كانت المكتبة هي مرآة الكون فإن الفهرست سيكون هو مرآة المرآة. معرجًا على اهتمام العرب في العصور الوسطى بمسألة الفهارس، مستشهدًا بالعمل الكبير الذي قام به ابن النديم في كتابه "الفهرست" والذي اعتبره ابتكارًا أدبيًا فريدًا حيث يجد القارىء النصوص الدينية جنبًا إلى جنب مع النصوص التجديفية، ومؤلفات علمية اعتمدت على حجج مقنعة صنفت سوية مع كتابات تنتمي إلى ما يدعوه ابن النديم علم المنطق، بينما الدراسات الإسلامية اقترنت بدراسة أديان الأمم الأخرى، الشيء الذي جعل من هذا العمل الشامل كتابًا مدهشًا. 

وقد أنجز ابن النديم هذا العمل بعدما زار كبريات المكتبات في العصر العباسي "مقلبًا صفحات مجلد إثر مجلد آخر وقارئًا لفافة بعد أخرى". الفهرست مرتبط إذن بالتنوع الموضوعاتي داخل المكتبات العربية والإسلامية وهذا ما يحكيه الطبيب والفيلسوف ابن سينا -كما يروي مانغويل- في زيارته إحدى المكتبات في أوزبكستان "دخلت مبنى من عدة حجرات، في كل حجرة هناك خزانات ذات أبراج ملأى بالكتب، مكدسة الواحد فوق الآخر. وفي حجرة منها ثمة دواوين شعرية بالعربية، في الأخرى كتب في القانون، وهكذا دواليك، كل حجرة مكرسة لكتب في علم محدد واحد. راجعت فهرسًا لأعمال عتاق، من بينها كتب إغريقية. وسألت المكتبي، الحافظ للذاكرة الحية للكتب، عن ما أرغب فيه".

يعترض مانغويل على تحويل الكتب إلى ملفات إلكترونية، فالنص عبر الشاشة يفقد قوته ويصبح هشًا وبدون تاريخ

لكن هذا التاريخ المضيء للمكتبات يقابله تاريخ مأساوي تعرضت فيه الكتب والمكتبات للحرق والغرق والإبادة، سواء من طرف الغزاة أو من طرف الحكام الذي يتضايقون من الكتب والمؤلفين، أدباء أو فلاسفة على حد سواء. يعترض مانغويل على تحويل الكتب إلى ملفات إلكترونية، فالنص عبر الشاشة يفقد قوته ويصبح هشًا وبدون تاريخ، مبينًا أنه من الناحية التكنولوجية نجد أن العمر الافتراضي للقرص لا يتعدى سبع سنوات بينما تظل صفحات الكتاب الورقية متألقة ولو مرت عليها آلاف السنين، كما هو الأمر مع المخطوطات العالمية التي لا زالت محفوظة في كبيرات المكتبات والمتحف العالمية.

في جيمع كتابات ألبرتو مانغويل، يجد القارئ نفسه أمام أسلوب الحكي القصصي الممتع ممزوجًا بلغة التوثيق العلمي الرصين والأرقام والإحصائيات وعمق البحث التاريخي وغزارة المعلومات حول الموضوع الذي يتناوله. وكتاب "في المكتبة الليلية" لا يخرج عن هذا الخط الذي اختاره المؤلف، يقول في المقدمة: "كانت المكتبات، مكتبتي الخاصة أو تلك العامة التي أشارك فيها مجموع القراء، تبدو لي دائما أمكنة مجنونة على نحو ممتع، وبقدر ما تسعفني الذاكرة كنت مفتونًا بمنطقها الشائك، الذي يفيد بأن العقل (إن لم يكن الفن) يحكم الترتيب المتنافر للكتب. أحس بمتعة المغامرة الراسخة حين أفقد نفسي وسط الأكداس المكتظة، مؤمنًا بشكل خرافي بأن الهرمية الراسخة للحروف والأرقام ستقودني ذات يوم لغاية موعودة".

اقرأ/ي أيضًا:

في مكتبة بورخيس

ألبرتو مانغويل في عالم مسحور