25-أغسطس-2016

(Getty)

ما الذي سيحدث لو اختفت كل الهواتف "الذكية"، فجأة، ومعها، بالطبع، سماحية الوصول إلى شبكة الإنترنت في أي وقت ومن أي مكان؛ ليصبح الهاتف فقط للمحادثات الصوتية، وترجع الإنترنت إلى أجهزة الكمبيوتر مثلما كانت؟ هل سيرفع الملايين المنكفئون على شاشات هواتفهم في كل حين؛ أنظارهم ليروا مَا حولهم بعين جديدة؟ أم سيصبحون مشلولين إلى حين يتمكنون من بناء حياتهم مرة أخرى بلا هواتف؟

اليوم، في المواصلات، والأماكن العامة؛ ربما صرت من القلة التي لا تزال تتطلع إلى الحياة وتغيراتها مباشرة، بينما الغالبية تنظر إلى الوجود عبر الشاشات، أو منخرطة في محادثات صامتة بالأصابع، ألاحظ تطوراتها وأنا أتابع الابتسامات أو تعابير الضيق والقلق المنفعلة مع ما يحدث أو يقال، بينما يكبر التساؤل عندي: كيف دخل الهاتف "الذكي" إلى الحياة هكذا حتى لم يعد ممكنًا للمرء الفكاك منه؟

اقرأ/ي أيضًا: بوكيمون غو.. عصر الواقع الافتراضي قادم!

ما زلت أحمل أملًا في العثور على خيارات أخرى، لا يكون الهاتف فيها مركز حياةِ حامله؛ أول ما يفتقده، وأكثر ما يلفته

قد يقول قائل، إن تطور الحياة يستوجب هذا، وإن كل من يحاول المقاومة فهو يضع نفسه خارج التاريخ. ربما هذا صحيح إلى حدٍّ ما، لكن لا زلت أحمل أملًا في العثور على خيارات أخرى، لا يكون الهاتف فيها مركز حياةِ حامله؛ أول ما يفتقده، وأكثر ما يلفته. أو على الأقل أن يصبح الهاتف مستخدمًا -حقًا- بوصفه جزءًا من تطور الحياة، وليس حياةً موازية.

إنني أحمل هاتفًا "ذكيًا" كغيري، لكن عند مراجعة إعداداته، أجد أن القسم الأكبر من وقتي، يستهلكه موقع "فيسبوك" وتطبيق "واتس آب"، مثلي مثل أكثر المستخدمين، بعدهما في الترتيب تأتي "ويكيبيديا"، و"غوغل"، ثم القواميس العربية والإنجليزية، وقارئ الكتب الإلكترونية. لكن وبقدر رغبتي الجامحة في أن تصبح مواقع المعرفة هي الأكثر استهلاكًا لوقتي الذي أنفقه محدقًا في الشاشة الصغيرة؛ أيضًا تصعب مقاومة الانجراف في نهر الدردشة هذا.

ثمة إيجابيات لا تخفى، بالطبع، للاتصال الدائم بالعالم عبر الإنترنت، وهناك إيجابيات أيضًا في تعوُّد الناس على فعل الكتابة بدلًا من التحدث، وأظل بانتظار أن يتطور هذا الفعل ليثمر تأثيره المفترض على طريقة التفكير، وهو ما يندر الآن. لكن برغم كل هذا، لا أزال أنظر إلى هاتفي بكراهية واضحة كلما اضطررت لحمله معي إلى أي مكان، وتغذيته بالمال دوريًا ليظل مشتبكًا مع هواتف الآخرين.

السبب الجوهري في تلك الكراهية، ربما هو إسقاطي لضعفي عن مقاومة عاصفة التطور هذه؛ على الهاتف، وجعله سببًا لفشلي في العثور على معادلة تمكنني من المواكبة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على طريقة حياتي التي تشظّت بعد ظهوره. أو ربما السبب خوف دفين من المآل الذي أسير إليه، وأنا أراقب مرعوبًا تناقص الوقت الذي أقضيه في القراءة "التقليدية"، مقابل تزايد الوقت الذي أنفقه محدقًا في الشاشات؛ الهاتف، الكمبيوتر اللوحي، الكمبيوتر المحمول.

أيًا كان السبب، لا مفر أمامي من القول إنني أكره هاتفي؛ لأن هذا ما أحس به حقًا.

اقرأ/ي أيضًا:
مهندسون عباقرة:ماسيمو بانزي مهندس المصادر المفتوحة
تحذير.. السحر الأزرق يهدد الجزائريين!