أكثر من مصالحة.. أقل من دولة

أكثر من مصالحة.. أقل من دولة

غزة 2016 (Getty)

لا يستطيع أشد المتفائلين مجرد الابتسام عند استحضار القادم الفلسطيني، ولا يستطيع أي سياسي إنكار درجة عدم اليقين المرعبة والمصحوبة بحالة من الانسداد الداخلي والتعثر السياسي والرعب الإقليمي، في الشرق الأوسط يقف الجميع مرتبكًا واضعًا يديه على رأسه خوفًا من أن يطاله الطوفان.

في الشرق الأوسط يقف الجميع مرتبكًا واضعًا يديه على رأسه خوفًا من أن يطاله الطوفان

 حروب طاحنة وجيوش متداخلة وخارطة تحالفات متقلبة، لكن الأكيد أن التسوية القادمة ستكون صعبة على الجميع ولن يجني ثمارها الشرق أوسطيين، ولن يكون ما بعد الحادث في سوريا واليمن والعراق والقادم لليبيا كما قبله، فالسياسة حالة من التقلب الشديد خاصة في ظل الأزمات التي لا يخرج منها سالمًا إلا المحترفون.

اقرأ/ي أيضًا: غزة التي خذلناها مرارًا

المعطيات الفلسطينية واضحة بشكل فج، لكن الحقائق مؤلمة أحيانًا لدرجة التغاضي عنها لا لسبب إلا لعرف الصمت، لا أزال أذكر مقابلة د.حيدر عبد الشافي مع صحيفة القدم قبل أكثر من عشرين عامًا، حين طالب بالتمييز الإيجابي على مستوى السياسات الاجتماعية والسياسية لصالح القطاع كي لا تتسع الفجوة مع الضفة لتصل لحد الانفصال العملي في المعطيات الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي السياسية.

خلال عشرين عامًا لم تقدم الحكومات الفلسطينية المتعاقبة برامج اقتصادية واجتماعية تحقق "حالة" تنموية، بل عملت قبل العام 2000 على أن السلطة مؤقتة ومشروع طارئ ينتهي بانتهاء المرحلة الانتقالية، لا ضير من قليل من "الدلع" والبذخ المالي على حساب الممول "المجبر" على دفع ثمن معاناة عقود مضت، لكن الرياح جاءت بانتفاضة الأقصى بعد كامب ديفيد ليتحول الدور الحكومي الإغاثي بعد انكسار واجهة الدويلة الزجاجية أمام تقدم دبابات شارون إلى المقاطعة في رام الله. لم يمهل الانقسام الحكومات الفلسطينية للخروج من وطأة إصلاح إرث الانتفاضة الثقيل، وحدث الانقسام السياسي الفعلي لتصبح السلطة المتهاوية برأسين.

فتح أيضًا كما منظمة التحرير حملت وزر الحكومات وإثم أوسلو بما لها وما عليها، فالنخاع الشوكي للبيروقراطية الناشئة، أمنية كانت أو إدارية كان فتحاويًا، إلا أن الخط التنظيمي بقي وفيًا لمبادئ الحركة التي ترى في إسرائيل العدو الوحيد، وتقدمت الحركة الصفوف بكل قوة لإطلاق وإدارة انتفاضة الأقصى، وقدمت آلافًا من أبنائها شهداء وجرحى وأسرى، مؤمنين بمشروعية المقاومة، لكنهم وقعوا أسرى التناقض الداخلي بين مشروع مكبل ومشروع سقط بفعل الرفض الإسرائيلي.

حملت فتح وزر الحكومات وإثم أوسلو بما لها وما عليها، فالنخاع الشوكي للبيروقراطية كان فتحاويًا

اليوم تقف الحركة في الضفة الغربية أمام حكومة توصف بالفتحاوية، وجسم إداري لا يزال فتحاويًا، وأجهزة أمنية فتحاوية يصف قادتها أنفسهم اليوم بالعرفاتيين! 

أما الحكومة فتستمر بذات النهج الترقيعي، فرئيس الوزراء السابق قدم محاولة طموحة لما سمي بناء المؤسسات، لكنه كان بكل تأكيد مشوهًا وضعيفًا تحت حراب الاحتلال، فأثقل موازنة السلطة وأرسى نهج تكثيف استهداف جيب المواطن وترسيخ المبادئ الضريبية، لكن دون تقديم ثمن أكثر من توفير الرواتب للبيروقراطية التوريطية إن صح التعبير، وتستمر الحكومة الحالية بذات النهج رغم انهيار المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية وضعف القدرة التمويلية لدى المواطن، التذمر في تصاعد لمخالفة قواعد الاقتصاد الدولي بارتفاع أسعار السلع الأساسية بشكل كبير جدًا مقارنة بالمحيط، لكن الفجوة التمويلية تزداد في ظل تراجع المساعدات ولا حل لدى الحكومة كما ترى إلا هذا، المواطن يسب ويلعن ولا يفرق بين سياسات حكومة وبين فتح فهو يعتقد أنهما وجهان لعملة واحدة.

اقرأ/ي أيضًا: غزة.. دكاكين إعلامية!

لا يقف التململ والضجر والغضب من سياسات الحكومة على المواطنين في الضفة الغربية، بل يتعداه إلى قطاع غزة، القطاع الذي يرزح تحت حكم حركة حماس الغائبة عن الواقع منذ فوزها بالانتخابات التشريعية عام 2006، لم تقدم مشروعًا مختلفًا سوى تمسكها بمشروع المقاومة الذي كان أساس انطلاقتها مع تطوير أدواته، الحركة اليوم تمتلك جناحًا عسكريًا بإمكانات كبيرة، استعرض قوته في العدوانات السابقة على القطاع وقدم نماذج بطولية، لكن الفكرة هنا أن الدولة القائمة تحت الأرض تحكم على القطاع بعدم الاستقرار وعدم التخطيط لأي مستقبل، وتفترض حالة الحرب الدائمة مع العدو المحتل دون أفق سياسي، ليصبح العدوان ورقة إسرائيلية تستخدم تارة في الحسابات الداخلية بين أحزاب اليمين، وتارة في المعادلات الإقليمية والدولية، الثمن يدفعه المواطن المسحوق الذي إن نجا من الشهادة أو الإصابة في العدوان الأخير لا شيء يضمن نجاته في العداون القادم.

نحن أمام تحول بنيوي في واقع قراءة المشهد الفلسطيني، يجب أن نجيد التمعن به وسبر أغواره بحنكة وذكاء

فوق الأرض تتشبث حماس "السياسية" بإدارة القطاع بكل قوة وصلابة، فهي تعتقد أنها إن خسرت ما فوق الأرض قد تخسر ما تحتها، رسخت حكمًا هجينًا جمع الشرعية الدينية القصرية مع شرعية المقاومة، واستندت لحالة دعم من نقاط ارتكاز دولية في الشق المالي بشكل أساسي، جزء منها يأتي من الحكومات والقنوات الرسمية، والجزء الأكبر يستند للتبرعات الشعبية الهائلة التي استطاعت تلافي قنوات التضييق والخنق المالي وتمكنت من النفاذ، الخلاصة أن الحركة رسخت حكمًا "كليبتاكروسيًا" أي يقوم على الفساد الهادف والممأسس، الأدهى أن حماس تهربت من تقديم التزاماتها الخدمية وألقت بهذا الثقل على حكومة الوفاق الوطني، وصدرت الجزء الأكبر من اللعنات الشعبية على هذه الحكومة المهلهلة الموارد.

ماذا بعد؟

تتجدد كل محاولات المصالحة، فرغم كل شيء يدرك الفريقان أن المصالحة ملاذ آمن ومهم للجميع، مستشعرين حجم المسؤولية والتحديات الهائلة والتقلبات التحالفية الإقليمية، لكن المصالحة مجرد محاولات تتنكر للوقائع على الأرض، وتغفل عن الطوفان الإقليمي والدولي، ولا تدرك أننا نواجه احتمالات قاسية للغاية لا تقل عن النكبة والنكسة وحرب الخليج الثانية، إذن، نحن أمام تحول بنيوي في واقع قراءة المشهد الفلسطيني، يجب أن نجيد التمعن به وسبر أغواره بحنكة وذكاء.

الحقائق المحلية تقول أن العلاقة بين شقي الوطن ما عادت كما كانت قبل سنوات خلت، فبفعل كل ما ذكر اتسعت الفجوات إلى حد الشروخ بين الشطرين "وهو مصطلح حاضر في الأدبيات الفلسطينية منذ القدم ويدل بشكل غير مقصود على الانقسام"، فالقطاع يعاني أكثر من أي بقعة في الإقليم من الحصار والتجويع والتجهيل والبطالة، أي أنه إقليم منكوب يحتاج لخطة إنقاذ وطنية وعملية إعادة بناء اجتماعية واقتصادية وسياسية.

الحقيقة الثانية أن اللحظة حانت أمام الحكومة الفلسطينية لاختيار إما الانهيار والسقوط أو إحداث تحول كامل وشامل في البنية الاقتصادية والتنموية، وهذا ممكن بكل تأكيد وقد أعدت من أجله المئات من الدراسات والأبحاث، لكن الأهم توفر الإرادة لرفض الممول واتخاذ قرارات قاسية ومؤلمة تحاشاها الجميع خوفًا من العواقب.

الحقيقة الثالثة أن أوسلو سقط لكن شعرة معاوية باقية مع الاحتلال، هذه الشعرة ضرورية كما أن الحفاظ على أدوات المقاومة ضرورية وهامة، فإن كان المستقبل يحمل لنا أي تفاوض مع الاحتلال فليكن محميًا بدرع المقاومة.

الخروج من المأزق الحالي يجب أن يذهب بقطبي الحالة الفلسطينية إلى ما هو أبعد من المصالحة "الترقيعية"

إذن، الخروج من المأزق الحالي يجب أن يذهب بقطبي الحالة الفلسطينية إلى ما هو أبعد من المصالحة "الترقيعية"، الحديث عن برنامج وطني شامل أصبح ممجوجًا لكنه يشكل المخرج المطلوب، هذا الحل يجب أن يقوم على الخروج من عباءة ضغوط الاحتلال اليومية، بإعادة إحياء منظمة التحرير في الخارج، وتحويل السلطة الفلسطينية إلى جسم يدير الحياة اليومية ويقدم برنامجًا يعيد هيكلة الاقتصاد الفلسطينية على قاعدة التمكين والصمود وتخفيض الإنفاق، وإعادة بناء الثقافة الاستهلاكية على قاعدة الاحتياج لا وفق أسس الرأسمالية الفجة، وهذا ما يطال بشكل مباشر قطاعًا واسعًا من رجال الأعمال الذين يمكن تصنيف نسبة منهم على أنها انتهازية تفتح قنوات مباشرة مع الاحتلال وتتجاوز الحكومة والسلطة لصالح الربح المباشر، أما الأهم فهو إعطاء القطاع ثقلًا أساسيًا وكبيرًا في الجهد التنموي وتأسيس برنامج موائمة اجتماعي واقتصادي بين شقي الوطن، مع الحفاظ على مقومات المقاومة على أن تتحول إلى أداة وطنية جامعة وشاملة لا حزبية ضيقة.

لا سياسات ناجحة دون دفع أثمان صعبة، ولا يمكن الاستمرار في هذا دون قرارات شجاعة من حماس وفتح في ظل غياب طرف ثالث محلي يضغط، فاليسار تحول منذ عقدين وبتسارع إلى أحزاب ديكورية تعجز حتى عن النقد، لكن المواطن يدفع في كل يوم تستمر فيه الظروف الحالية من عمره ومستقبله وقوته وتنميته، أما تجار الأمر الواقع كما في كل مكان يقاتلون للإبقاء على امتيازاتهم.

اقرأ/ي أيضًا:

غزة.. العين على الضفة

رفح المصرية والدرس الموريسكي