ultracheck
  1. قول

أكثر من مجرّد لعبة: فلسطين وحضورها في كأس العالم

9 يونيو 2026
القضية الفلسطينية
مي عواد مي عواد

بعد أيام قليلة، ستنطلق بطولة كأس العالم لعام 2026، مستقطبة اهتمام ملايين عشاق كرة القدم حول العالم. وعلى مدار شهر كامل، سيتابع المشجعون المباريات، ويحتفلون بالانتصارات، ويأملون في رؤية منتخباتهم الوطنية ترفع الكأس.

لكن وسط الفرحة التي ستجلبها البطولة لكثيرين حول العالم، يواصل الفلسطينيون العيش في واحدة من أحلك الفترات في تاريخهم المعاصر، في ظل حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة على غزة، وتصاعد التهجير القسري والاقتحامات العسكرية المتكررة وعنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة. في هذا السياق، يبرز سؤال مهم: هل ستتمكن فلسطين مرة أخرى من فرض حضورها خلال كأس العالم هذا العام رغم عدم مشاركة منتخب فلسطيني في البطولة؟ وإذا حدث ذلك، فما الذي قد يعنيه ذلك أصلا؟

قدّمت بطولة كأس العالم 2022 في قطر إجابة مبكرة لهذا السؤال. فعلى الرغم من غياب فلسطين عن المنافسات، أصبح العلم الفلسطيني أحد أكثر رموز البطولة حضورًا وظهورًا. فقد رُفع في المدرجات، وانتشر في الشوارع، وارتسم على أكتاف المشجعات والمشجعين القادمين من مختلف أنحاء العالم. ولوّحت الجماهير بالأعلام الفلسطينية، ورددت الأغاني الداعمة لفلسطين، وعبّرت عن تضامنها معها طوال أسابيع البطولة. في المقابل، أثار هذا الحضور اللافت للعلم الفلسطيني استياءً وامتعاضًا لدى العديد من الصهاينة. فعلى سبيل المثال، وصفت صحيفة «إسرائيل هيوم» كأس العالم 2022 بأنه لحظة صعبة بالنسبة للإسرائيليين، ونشرت عنوانًا جاء فيه: «كأس العالم في قطر مرآة للإسرائيليين: إنهم لا يحبوننا ولا يريدوننا».

وسط الفرحة التي ستجلبها كأس العالم للكثيرين، يواصل الفلسطينيون العيش في واحدة من أحلك الفترات في تاريخهم المعاصر، وسط حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة على غزة، وتصاعد التهجير القسري والاقتحامات العسكرية المتكررة وعنف المستوطنين في الضفة الغربية

  وبحسب الصحيفة، وصل صحفيون وسياح إسرائيليون إلى قطر وهم يتوقعون استقبالًا أكثر دفئًا من الجماهير العربية، خاصة بعد سنوات من اتفاقيات التطبيع التي أبرمتها إسرائيل مع عدد من الحكومات العربية. إلا أن كثيرين منهم واجهوا رفضًا لإجراء مقابلات معهم، وانتقادات علنية، وتعبيرات متكررة عن التضامن مع فلسطين. وإذا كانت هذه التجارب قد كشفت عن شيء، فهي أن واقع المنطقة أكثر تعقيدًا مما توحي به اتفاقيات التطبيع. فبينما نجحت إسرائيل في توسيع علاقاتها مع عدد من الأنظمة العربية، أظهرت مشاهد كأس العالم أن التعاطف الشعبي مع فلسطين لا يزال حاضرًا بقوة، وأن ما يجري على مستوى الدول لا ينعكس بالضرورة على وجدان الشعوب ومواقفها.

اكتسبت الأعلام الفلسطينية مزيدًا من الاهتمام بفضل المسيرة التاريخية التي حققها المنتخب المغربي في البطولة وتقدّمه غير المسبوق. فبعد فوزه على إسبانيا وتأهله إلى الدور ربع النهائي، شوهد المغاربة وهم يحتفلون رافعين العلم الفلسطيني بحماس. وتكرر المشهد ذاته بعد فوز المغرب على البرتغال وبلوغه الدور نصف النهائي، ليصبح بذلك أول منتخب عربي وأفريقي يصل إلى هذا الدور من كأس العالم. وسرعان ما انتشرت صور تلك الاحتفالات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وقُدّمت كأنها لحظات تاريخية للمغرب وللدول العربية ولفلسطين نفسها. فعلى سبيل المثال، بعد فوز المغرب على إسبانيا، ظهر الكوميدي والمحامي الفلسطيني الأمريكي عامر زهر في بث مباشر على الانستغرام الخاص به، وانضم إلى آلاف الأشخاص الذين كانوا يحتفلون بالنتيجة وهو يحمل دفّا صغيرا احتفالًا بفوز المغرب، حيث قال "كان من الجميل أن كلّ منتخب عربي أحضر معه العلم الفلسطيني، وهذا يثبت أن ما تفعله الحكومات لا يهم. ولا يهم عدد اتفاقيات السلام التي تحاول إسرائيل إبرامها مع الحكومات الأخرى. العروبة لا تزال حيّة".

تذكّرنا كلمات زهر بأن كرة القدم غالبًا ما تكون أكثر من مجرد وسيلة للترفيه، إذ لم تنفصل يوما عن السياسة. ويتضح ذلك بصورة أكبر عندما ننظر إلى التاريخ الاستعماري لكرة القدم في المنطقة العربية. ففي مقالتهما «اللعبة المتمردة: قوة كرة القدم في العالم العربي وشمال أفريقيا بين المحلي والعالمي» والتي نُشرت عام 2023، يوضح جان بوسيه ورينيه فيلدانغل أن كرة القدم أُدخلت إلى الوطن العربي وشمال أفريقيا على يد القوى الاستعمارية الأوروبية خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وقد اعتقدت السلطات الاستعمارية أن الرياضة يمكن أن تسهم في تشكيل سلوك الشعوب الخاضعة للاستعمار، ونظرت إلى اللعبة باعتبارها أداة لتعزيز "الانضباط" وجلب القيم الأوروبية "المتحضّرة". وبهذا المعنى، شكّلت كرة القدم جزءًا من المشروع الاستعماري الأوسع. إلا أن اللعبة لم تبقَ خاضعة للسيطرة الإمبريالية والاستعمارية. ففي مختلف أنحاء المنطقة، تبنّت الشعوب المستعمَرة كرة القدم وحوّلتها إلى منصة للتعبير عن القومية ومقاومة الاستعمار والتعبير السياسي.

وكانت العلاقة بين كرة القدم والسياسة واضحة أيضًا في فلسطين منذ الانتداب البريطاني. ففي مقاله «تآمر ونكبة قبل النكبة: كيف مهّدت كرة القدم لاحتلال فلسطين»، يجادل يوسف حمدي بأن المنظمات الصهيونية استخدمت مؤسسات كرة القدم خلال فترة الانتداب البريطاني لبناء علاقات دولية واكتساب شرعيتها في الخارج قبل قيام دولة إسرائيل. 

في كأس العالم قطر 2022، أصبح العلم الفلسطيني أحد أكثر رموز البطولة حضورًا وظهورًا. فقد رُفع في المدرجات، وانتشر في الشوارع، وارتسم على أكتاف المشجعات والمشجعين القادمين من مختلف أنحاء العالم

وفي المقابل، ردّ الفلسطينيون بإنشاء أنديتهم ومنظماتهم الرياضية الخاصة كجزء من جهد أوسع لتنظيم أنفسهم والدفاع عن هويتهم الوطنية وبحلول عام 1947، كان قد تم تأسيس عشرات الأندية الفلسطينية رغم الاعتقالات والقيود التي فرضتها سلطات الانتداب البريطاني والمنظمات الصهيونية. وبعد النكبة، تعرضت كرة القدم الفلسطينية لمزيد من التهميش، في حين حصلت إسرائيل على الاعتراف داخل المؤسسات الرياضية الدولية مثل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ولاحقًا الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا). 

ولم تنل فلسطين اعترافًا رسميًا من الفيفا إلا بعد فترة من اتفاقيات أوسلو عام 1998. ومن هذا المنظور، لم تكن كرة القدم في فلسطين مجرد لعبة فحسب، بل أصبحت ساحة أخرى خيضت فيها الصراعات حول التمثيل والاعتراف والهوية الوطنية. ومن هنا، وعند النظر إلى الأمر من هذه الزاوية، فإن الحضور اللافت لفلسطين خلال كأس العالم 2022 لا يبدو مفاجئًا على الإطلاق بل كان متوقّعا. فمنذ عقود، وفّرت كرة القدم مساحة للمجتمعات المهمشة والخاضعة للاستعمار للتعبير عن هويتها، وإظهار تضامنها، والتعبير عن مقاومتها. ولذلك، فإن ظهور الأعلام الفلسطينية في قطر لم يكن سوى أحدث فصل في هذا التاريخ المستمر.

لقد مرّت أربع سنوات منذ استضافت دولة عربية أول بطولة لكأس العالم في التاريخ، ومع اقتراب انطلاق نسخة 2026 يبرز سؤال مهم: كيف ستجد فلسطين مكانها في قصة كأس العالم المقبلة؟ يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار حجم التحولات السياسية التي شهدها العالم منذ بطولة 2022، ولا سيما في ظل حرب الإبادة الجماعية التي تشنّها إسرائيل على غزة، وما رافقها من دمار واسع النطاق وخسائر بشرية هائلة، فضلًا عن تصاعد الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية على لبنان وإيران الأمر الذي جعل القضية الفلسطينية أكثر حضورًا في النقاشات السياسية والإعلامية العالمية مما كانت عليه خلال بطولة قطر.ويُضاف إلى ذلك أن البطولة المقبلة ستُقام على أراضي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، مع استضافة الولايات المتحدة لمعظم المباريات، وهي الصديق والحليف الدولي الأقرب لإسرائيل. 

فعلى مدى عقود، وفّرت الولايات المتحدة لإسرائيل دعمًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا واسع النطاق، كما أنها تحتضن حاليا بعضًا من أكثر جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل نفوذًا وتأثيرًا، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (آيباك). وقد برز هذا الدعم بصورة أوضح منذ اندلاع العدوان على غزة، سواء من خلال المساعدات العسكرية أو المواقف الدبلوماسية التي وفّرت حماية وغطاء سياسي لإسرائيل في المحافل الدّولية. ويأتي ذلك إلى جانب ما شهدته الولايات المتحدة من حملات استهدفت الأصوات المؤيدة لفلسطين، بما في ذلك الطلبة الدوليون وحاملو البطاقات الخضراء الذين عبّروا عن دعمهم للقضية الفلسطينية من خلال الكتابة أو التوقيع على العرائض أو المشاركة في الاحتجاجات والمخيّمات الطلابية السياسية. كما واجه عدد من الأكاديميين والصحفيين والموظفين تبعات مهنية بسبب مواقفهم العلنية بشأن فلسطين، تراوحت بين الإيقاف عن العمل والتهديد بالفصل والتضييق المؤسسي.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد تصاعدت القيود المفروضة على قضايا الهجرة واللجوء والرقابة على الحدود، بما في ذلك سياسات وإجراءات حظر استهدفت مواطني عدد من الدول من بينها دول عربية وإسلامية، ولا تزال بعض هذه السياسات محل نزاع قانوني وسياسي مستمر إلى يومنا هذا. ونتيجة لذلك، ستُقام بطولة كأس العالم 2026 في سياق سياسي يختلف جذريًا عن ذلك الذي أحاط ببطولة قطر قبل أربع سنوات.

ومع ذلك، لا يزال هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن فلسطين قد تصبح مرة أخرى جزءًا من قصة البطولة، حتى وإن غابت عن المنافسات نفسها. فكما أظهرت تجربة كأس العالم 2022، لا يقتصر حضور فلسطين على ما يحدث على أرض الملعب، بل يمكن أن يظهر في المدرجات والشوارع والفضاءات الرقمية ومن خلال أشكال التضامن الشعبي المختلفة. ويزداد هذا الاحتمال أهمية بعد تأكيد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) حديثًا أن العلم الفلسطيني سيُرفع إلى جانب أعلام الدول الأخرى، بما يضمن حضورًا فلسطينيًا مرئيًا على أكبر مسرح رياضي في العالم.

فلسطين حاضرة خارج حدود الملعب

ختامًا، يجدر بنا أن نعود إلى كلمات محمود درويش حين كتب: "أنا من هناك، ولي ذكريات. وُلدت كما يولد الناس. لي والدة، وبيت كثير النوافذ. لي إخوة، أصدقاء، وسجن بنافذة باردة. ولي موجة خطفتها النوارس، لي مشهدي الخاص".

تكتسب هذه الكلمات أهمية خاصة في سياق الحديث عن فلسطين وكأس العالم. فدرويش لا يتحدث عن فلسطين بوصفها كيانًا سياسيًا أو حدودًا جغرافية فحسب، بل بوصفها تجربة حيّة يحملها الفلسطينيون معهم أينما ذهبوا. وربما لهذا السبب لم يكن غياب المنتخب الفلسطيني عن بطولة 2022 كافيًا لغياب فلسطين عنها. فقد حضرت فلسطين في المدرجات والشوارع وعلى شاشات الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي، كما حضرت في مشاعر التضامن التي عبّر عنها مشجعون ولاعبون من مختلف أنحاء العالم.

 ومن هنا، فإن السؤال المطروح بشأن كأس العالم 2026 لا يتعلق فقط بما إذا كانت فلسطين ستظهر مرة أخرى خلال البطولة، بل بالكيفية التي سيُعاد من خلالها التعبير عن هذا الحضور. وكما أظهرت تجربة قطر، فإن فلسطين لا تحتاج دائمًا إلى أن تكون داخل الملعب لكي تصبح جزءًا من قصة البطولة. وقد يكون هذا أحد الدروس الأهم التي حملتها لنا تلك المشاهد: أن الحضور لا يُقاس دائمًا بالمشاركة الرسمية، وأن بعض القصص تنجح في فرض نفسها حتى عندما تكون خارج المنافسة.

ويبقى أن نرى ما إذا كانت فلسطين ستحتل موقعًا مشابهًا في ذاكرة كأس العالم 2026. سننتظر ونأمل.

كلمات مفتاحية
عزمي بشارة

هجوم "معاريف" على عزمي بشارة: "صناعة عدو" وتغطية للفشل في معركة الدعم الأميركي

عندما تبدأ أقدم تحالفات إسرائيل وأكثرها موثوقية في منطقة الشرق الأوسط بالتآكل بشكل واضح، يُتاح أمام المعلقين والباحثين المهتمين بالشأن الإسرائيلي عادةً مسارٌ يستحيل انتهاجه

الحوار المهيكل

إعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا بين منطق التسوية وإعادة إنتاج المرحلة الانتقالية

يقف المشهد السياسي الليبي أمام مفارقة مركّبة: من جهة، تبدو الحاجة إلى سلطة تنفيذية موحّدة شرطًا عمليًا لإنهاء الانقسام المؤسسي وتوفير بيئة انتخابية قابلة للإدارة

إيتمار بن غفير

من "العائلات الثكلى" إلى "المواطن الأمني": كيف تعيد إسرائيل توزيع العنف داخل المجتمع؟

أثار قرار وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بتعيين أفراد من "العائلات الثكلى" كمراقبين على أوضاع الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية جدلًا واسعًا

(Getty)
مجتمع

ماذا نعرف عن قانون "المساعدة على الموت" الذي أقرّه البرلمان الفرنسي؟

ينشئ القانون إطارًا قانونيًا جديدًا يسمح لبعض المرضى البالغين المصابين بمرض غير قابل للشفاء يهدد حياتهم بالحصول على مساعدة لإنهاء حياتهم

وزارة الثقافة المصرية
مجتمع

وزارة الثقافة المصرية تبحث عن وزير.. أبرز الأسماء ومعايير الاختيار

منذ أن تقدمت الدكتورة جيهان زكي باستقالتها من منصب وزيرة الثقافة، تصاعدت التكهنات داخل الأوساط الثقافية بشأن الشخصية التي يمكن أن تخلفها

كوليج دو فرانس
حقوق وحريات

القضاء الفرنسي ينتصر للحرية الأكاديمية.. إلغاء قرار منع ندوة المركز العربي في كوليج دو فرانس

ألغت المحكمة الإدارية في فرنسا قرار كوليج دو فرانس القاضي بإلغاء ندوة بعنوان "فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي والديناميات المعاصرة"

كأس العالم 2026
رياضة

"خيانة التيكي تاكا".. كيف أنقذ أطفال الشوارع المنتخب الإسباني من فخ الاستحواذ السلبي؟

قطف المنتخب الإسباني ثمار بيئته، حيث اعتمدت صناعة المواهب في إسبانيا على الساحات والأرصفة الخرسانية المنتشرة في طول البلاد وعرضها