أكبر هجوم على موسكو منذ الحرب.. ماذا استهدفت أوكرانيا وما خيارات روسيا؟
19 يونيو 2026
شهدت موسكو واحدة من أوسع الهجمات الجوية الأوكرانية منذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، بعد أن استهدفت مسيّرات أوكرانية مواقع عدة داخل العاصمة الروسية ومحيطها، في ضربة كان أبرز أهدافها مصفاة النفط الكبرى في منطقة كابوتنيا جنوب شرقي موسكو.
الهجوم، الذي وصفه بأنه الأكبر على موسكو منذ بداية الحرب، تسبب في اندلاع حريق واسع داخل المصفاة وتصاعد أعمدة كثيفة من الدخان فوق جنوب العاصمة، كما أدى إلى اضطرابات في حركة الطيران وإجراءات إخلاء وتعليق رحلات في عدد من مطارات موسكو، بينها شيريميتيفو وفنوكوفو وجوكوفسكي.
ماذا استهدف الهجوم؟
كان الهدف الأبرز للهجوم مصفاة كابوتنيا النفطية، وهي من أهم منشآت الطاقة التي تغذي العاصمة الروسية بالوقود. وتكتسب المصفاة أهمية استراتيجية لأنها تؤمن ما يصل إلى 40% من احتياجات العاصمة من البنزين، ونحو 50% من وقود الديزل، ما يجعلها هدفًا مباشرًا ضمن حملة أوكرانية أوسع لضرب قطاع الطاقة الروسي وتقليص موارده التي تموّل الحرب.
وأظهرت مقاطع مصورة متداولة أعمدة دخان تتصاعد من المصفاة، وانفجارًا في أحد خزانات الوقود أدى إلى تطاير جزء من سقفه، قبل أن تندلع النيران في الموقع. وجاء الهجوم بعد ضربة سابقة استهدفت المنشأة نفسها خلال الأسبوع ذاته، وأفادت تقارير بأن الهجوم الأول أدى إلى تعطيل عمليات في المصفاة.
ولم يقتصر الهجوم على المصفاة، إذ تحدثت تقارير روسية عن أضرار في مبانٍ سكنية ومنشآت صناعية ومنازل خاصة في محيط موسكو، إضافة إلى إصابة عدد من الأشخاص، بينهم أطفال، بحسب السلطات المحلية الروسية.
كان الهدف الأبرز للهجوم مصفاة كابوتنيا النفطية، وهي من أهم منشآت الطاقة التي تغذي العاصمة الروسية بالوقود. وتكتسب المصفاة أهمية استراتيجية لأنها تؤمن ما يصل إلى 40% من احتياجات العاصمة من البنزين، ونحو 50% من وقود الديزل
كيف نُفذ الهجوم؟
تقول موسكو إن دفاعاتها الجوية اعترضت ودمرت 555 مسيّرة أوكرانية فوق مناطق روسية متعددة خلال الليل، بينها عشرات المسيّرات فوق العاصمة ومحيطها. غير أن وصول عدد من المسيّرات إلى أهداف داخل موسكو أظهر ضغطًا على شبكة الدفاع الجوي الروسية، رغم أنها تُعد من أكثر الشبكات كثافة داخل البلاد.
وأظهرت مقاطع مصورة محاولة عنصر روسي استخدام منظومة دفاع جوي محمولة لإسقاط مسيّرة قبل لحظات من وصولها إلى محيط المصفاة.
ويمثل الهجوم مؤشرًا جديدًا على تطور قدرة أوكرانيا على تنفيذ ضربات عميقة داخل الأراضي الروسية، بعد أن كثفت خلال الأشهر الأخيرة استهداف مصافي النفط ومستودعات الوقود ومنشآت الطاقة الروسية.
لماذا ضربت أوكرانيا موسكو؟
ربط الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الهجوم بضربات روسية سابقة استهدفت كييف، بينها هجوم ألحق أضرارًا بمجمع ديني تاريخي في العاصمة الأوكرانية.
وقال زيلينسكي في رسالة صوتية للصحفيين إن أوكرانيا "لا تريد هذه الحرب ولم تردها يومًا"، لكنه أضاف: "إذا كانت أوكرانيا ستحترق، فستحترق موسكو أيضًا".
بهذا المعنى، أرادت كييف إيصال رسالتين: الأولى عسكرية، مفادها أن العمق الروسي لم يعد بمنأى عن الحرب، والثانية سياسية ونفسية، مفادها أن استمرار الضربات الروسية على المدن الأوكرانية سيقابله نقل جزء من كلفة الحرب إلى الداخل الروسي.
كما تسعى أوكرانيا، عبر استهداف منشآت النفط، إلى إضعاف قدرة روسيا الاقتصادية والعسكرية، خصوصًا أن قطاع الطاقة يمثل أحد أبرز مصادر التمويل للحرب الروسية.
كيف ردت روسيا؟
ردت موسكو بتوعّد مباشر. وأعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن روسيا ستنفذ "ضربات منسقة وواسعة على نحو منتظم" ضد أوكرانيا ردًا على الهجوم.
وقال الملياردير الروسي المتشدد كونستانتين مالوفييف في منشور على تطبيق "تلغرام": "ماذا يجب أن يحدث أيضًا قبل أن نبدأ القتال بشكل حقيقي؟ لماذا لا نستخدم الأسلحة النووية التي صنعها أسلافنا وخزنوها بجهود البلاد بأكملها خصيصًا لمثل هذه اللحظات؟".
من جانبه، دعا أندريه غوروليوف، الفريق المتقاعد والنائب في مجلس الدوما الروسي، إلى أن "تضرب روسيا العدو بلا رحمة" ردًا على الهجوم.
وجاء ذلك بالتزامن مع استمرار الهجمات الروسية على مناطق أوكرانية، بينها خاركيف وسومي، حيث تحدثت السلطات الأوكرانية عن قتلى وجرحى نتيجة ضربات روسية.
وقالت الشرطة الأوكرانية، الجمعة، إن شخصين قُتلا وأُصيب اثنان آخران إثر هجوم روسي بالقنابل والطائرات المسيّرة والصواريخ استهدف منطقة سومي شمال شرقي أوكرانيا.
وفي مدينة خاركيف، ثاني أكبر مدن أوكرانيا، قال رئيس البلدية إيهور تيريخوف، عبر تطبيق "تلغرام"، إن تسعة أشخاص، بينهم أربعة أطفال، احتاجوا إلى رعاية طبية بعد تعرض المدينة لقصف روسي بالقنابل.
الأثر الداخلي في موسكو
أحدث الهجوم وقعًا نفسيًا كبيرًا داخل العاصمة الروسية، كون موسكو، التي بقيت إلى حد بعيد بعيدة عن المشاهد اليومية للحرب، شهدت هذه المرة أعمدة دخان ضخمة، واهتزاز نوافذ في أحياء قريبة، ورسائل ذعر على مواقع التواصل المحلية، خصوصًا مع غياب صفارات إنذار واضحة أو رسائل تحذير مسبقة في بعض المناطق.
الدلالات العسكرية والسياسية
يعكس الهجوم تحولًا في ميزان الحرب الجوية بعيدة المدى، لأن روسيا، التي اعتمدت طويلًا على تفوقها في الصواريخ والمسيّرات لضرب المدن الأوكرانية والبنية التحتية للطاقة، تواجه الآن خصمًا بات قادرًا على إنتاج واستخدام مسيّرات بعيدة المدى لضرب أهداف استراتيجية داخل روسيا.
كما يأتي الهجوم في لحظة سياسية، إذ كان زيلينسكي يشارك في قمة مجموعة السبع ويضغط من أجل تسريع مسار انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي وزيادة الدعم العسكري، خصوصًا في مجال الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية.
وأكد زيلينسكي للقادة الأوروبيين أن مستقبل أمن أوروبا يُحسم في الدفاع عن أوكرانيا، مطالبًا بمزيد من الصواريخ والوقود والمساعدات استعدادًا لفصل الشتاء.
وفي بروكسل، أعلن حلفاء غربيون مساعدات جديدة لكييف، بينها تمويل بريطاني لمسيّرات أوكرانية الصنع وصواريخ دفاع جوي، في وقت تسعى فيه كييف إلى بناء قدرة هجومية ودفاعية مستدامة.
لم يكن الهجوم الأوكراني على موسكو مجرد ضربة عسكرية ضد مصفاة نفط، بل رسالة استراتيجية بأن العاصمة الروسية لم تعد محصنة من تداعيات الحرب.
تقرؤون المزيد في: دعم نووي لأوكرانيا ومفاوضات لانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.. وروسيا تردّ