أقول لكِ

أقول لكِ

ريما سلمون/ سوريا

ملاحظة: إذ كُنتَ على وشك قراءة السطور التالية، فافعل ذلك برفق وصوت خافِت، فهي لا تحتمل المُجاهرة وصاحبها كذلك.

-  كنتُ قاسيًا؟ أليس كذلك؟ مُجحِفًا في حقك بطرح الأسئلة؟ وتخبُطِك الطبيعي بين القبول والرفض. كان غروري يُخيل اليّ بأن أركان ديني قد وُضِعت ليتلقفها الجّمعُ المُتعطش إلى الخلاص، ما أشد غبائي! حين ظننت أنكِ ستذوذين عنها ببسالة كما لو كانت تخصك. كان غريمي لديكِ ضعفكِ البشري، نازلته مرات، وحُمقاً كنتُ أظن بأنني سأخمد صوته وصداه في صدركِ، حتى اختلط عليّ -في خضم ذلك- هوية عدويّ: أنتِ أم خوفك؟

في الماضي أخبرتك بأنهم سيقولون لكِ وها أنا اليوم أقول: "أقول لك".

لقد كان شتاءً قارسًا، وكأسي الذي اشتريتِ لي قد وقع وانكسر، لملمته وحاولتُ إلصاقه، لكنني فاشلٌ -كما تعلمين- في الأشغال اليدوية وما تتطلبه من مهارة ودقة، فوضعتُ حطامه في صندوق صغير كَمّن يُخبئ رماد جثة عزيز، ينقلها معه أينما ولى.

أما الكتاب الباهت في علم التنمية فبقيّ هناك على ذراع الكنبة، محاولًا لفت نظري بألوانه الزاهية، وأنا أهُمله عمدًا وانتقامًا من تقنياته الفاشلة وحشوه الفارغ.

والبُحيرة في البلاد الخضراء البعيدة لا زالت تنتظرنا أشجارها، تقول: "قد ضرب اثنان موعد هنا، وقد أخلفا الميعاد"، لم نُخلفه، لقد احتججتُ أمام القدر وبعثت للبحيرة الرسائل الطِوال راجيًا بأن تحفظ لنا حصتنا من أرضها وزقزقة عصافيرها وارتباك العاشقين أمامها، وأن جُلّ الذي يُؤخرنا طائرة الزمان التي علقت ما بين الأرض والسماء.

كان الحب يُريد أن يبيت بيننا بُرهة، وشائعة تقول "بل دهرًا"، ثم استيقظنا يومًا، تاركًا مكانه هوة.

ودفتر الرسم؟ ألا زلتِ تذكرينه؟ لقد أضعتُه في فوضايّ، ما فتأتُ أبحث عنه، طلبًا للنجاة، فأنا في اغتراب تلتفه أسئلة تُسبب لي الإرباك، إنه وقت مُبارك للرسم. لو يأتِ الله بكفّ أُمي تُربت عليّ، وتُدثرني بأغطية اللُقيا، لو تجد لي أمي دفتر رسميّ الذي خَبّأّته حِرصًا وحُبًا لي منذ سن الخامسة، لكنتُ تنفست... حفظت أمي أمانتي وضيّعتُها أنا. يا لهذا الشعث؟

ما أصعب أن تصير واحد... يُمزقك هذا التوق للرسو.

وكُل ما لديكِ مني ارتجافتي وضُعفي المكشوف، كورقة بيضاء تقرأينها بيُسر... أكون، أصير لديكِ طفلًا يُفتش عن الأمان، فارًا من الأشباح والأوهام.

وإن ديني الذي رفضتِ اعتناقه، يُحاورني أبدًا، يُقنعني بِرِدّة تُخفف عني وِزر النتائج. وإنني لستُ بكافر! كم يغيب عنه إيماني العميق المُسلم به:

أليس الحب هو المساحات والهروب؟                     

لديكِ، قبل أي شيء... قبل كل شيء.

 

ولتعلمي بأن هذا الفراغ بين السؤال والإجابة ليس خطأ وارد، بل مقصودٌ وحقيقي.

...  وإنّ قصيدتي التي عنها تسألين، لم تنتهِ، إنها تُصارع للنجاة... لأن تكتمل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ريحٌ تصفّر مثل غجريٍّ

أشياء تنزل من أماكن عالية