أقفال السحر في الجزائر.. رعب وفكاهة

أقفال السحر في الجزائر.. رعب وفكاهة

الأقفال الحقيقية هي العراقيل المبرمجة في وجه الكفاءات والمواهب(أ.ف.ب)

تكاد لا تخلو يوميات قطاع واسع من الجزائريين من عبارة "أنا مسحور" أو "أنت مسحور"، عند الإحساس بأي كسل أو فشل أو ملل أو علل، حتى بات السحر مشجبًا تُعلّق عليه دواعي كل هذا، مما أنعش سوقي الرقاة الشرعيين والمشعوذين، على حساب الأطباء والنفسانيين الذين أنفقوا شطرًا من أعمارهم في طلب العلم وتعميق التجارب.

تكاد لا تخلو يوميات قطاع واسع من الجزائريين من عبارة "أنا مسحور" أو "أنت مسحور"، عند الإحساس بأي كسل أو فشل أو ملل أو علل

سابقًا كان الإيمان بالأمر يستحوذ على المسنين، خاصة العجائز، أما اليوم فليس مستبعدًا أن تجد طالبًا جامعيًا يشكو لك كونَه مسحورًا وأنه إما يبحث عن شيخ صالح ليرقيه، وإما عن ساحر ليفك له "الرباط" حتى يعود إلى حياته الطبيعية، ولأن الظاهرة باتت تجد لها عمقًا اجتماعيًا، فإن نسبة كبيرة من الشباب والشابات باتوا يتخلصون من العتاب أو العقاب الذي يوجبه فشل معين في تجربة معينة بادعاء كونهم "مربوطين".

اقرأ/ي أيضًا: تميمةُ العاجز.. أرسلها لتصبح عميدًا في البحرية!

من الطرائف في هذا الباب أن ممثلًا اقتحم المسرح لأول مرة في حياته تدرّب على دوره شهرين كاملين، وقبل العرض الشرفي بيومين أصيب بالخوف من الفشل في أداء دوره، فما كان منه إلا أن برع في المسرحية الموازية: فقد القدرة على النطق ولم يعد يكلّم الناس إلا رمزًا، نافرًا من سماع الأذان والقرآن، وقد تأكدت المسرحية الجديدة التي كتب نصَّها بليل، حين أكد أحد الأئمة أنه "مربوط".

الرباط المقصود هنا يعود إلى الطريقة نفسها المستعملة في السحر، إذ يسأل المشتغل في الشعوذة عن اسم المقصود بالسحر وعن اسم أمه، وقد يشمل الأمر فردين، خاصة العشاق والأزواج والشركاء، ثم يربط قفلًا، يسمى في اللهجة الجزائرية المفرنسة "الكادنة" ويُجمَع على "كادنات"، في غرض من أغراضه، عادة ما تكون صورة أو بطاقة هوية، كناية عن إقفال حظه، ويأمر بدفنه في قبر من القبور.

المثير للانتباه في الظاهرة أن الخوف منها انتقل، قبل أسابيع قليلة، من الواقع المعيش إلى "الواقع" الافتراضي، إذ لم يعد لقطاع ليس بالقليل من رواد "فيسبوك" في الجزائر، من حديث سوى عن أقفال السحر أو "الكادنات"، حتى أن بعضهم سحب صوره خوفًا من استعمالها في "الربط"، فباتت صفحته باهتة مثل "مقبرة منسية" كما علق أحد الظرفاء.

اقرأ/ي أيضًا: السحر وامتلاك العالم

بدأت الشرارة من إقدام إعلاميين وناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي على نشر صور لأقفال وجدها متطوعون في تنظيف المقابر، في أكثر من مدينة. بعضها ربط على صور حديثة جدًا التقطت لأصحابها في أماكنَ عمومية أو سحبت من حساباتهم في "فيسبوك"، وبعضها ربط على صور بالأبيض والأسود مما يوحي بعودتها إلى عقود سابقة.

"أقفال السحر" حوبتها مواقع التواصل الاجتماعي إلى ظاهرة تصدرت اهتمام الشارع الجزائري

دور مواقع التواصل الاجتماعي في جعل الظاهرة تصعد إلى صدارة اهتمام الشارع الجزائري، على حساب مواضيعَ اجتماعية واقتصادية وسياسية حساسة، حرّك الآلة المسجدية في صلاة الجمعة بشجبها والتنبيه إلى خطورتها من وجهة نظر الشريعة الإسلامية، كما كان تفاعل أغنية "الراي" والنكتة سريعًا، إذ ظهرت عدة أغان ونكت في هذا الباب، في ظل صمت، لعله مربوط بالوقت، للآلة العلمية، خاصة علماء الاجتماع والنفس.

يقول عمار بن طوبال المختص في علم الاجتماع لـ"الترا صوت" إن خوف الجزائري من السحر متأصل نتيجة التربية التي تلح على التحذير من "العَطْلة" و"الرباط"، وإن الخوف كان منصبًّا على الشاب أكثر منه على البنت باعتباره المستهدفَ الأول من السحر الذي يُمارس لدواع نسائية تتعلق تحديدًا بارتفاع نسبة العنوسة. ويخلص بن طوبال إلى القول: "رغم ارتفاع المستوى التعليمي للبعض واحتكامهم للمنطق والعقل قولًا وسلوكًا، إلا أن استعداداتهم النفسية لتصديق مثل هذه الأمور والاحتراس منها تبقى عميقة ولا تحتاج كي تبرز سوى لمحفزات في شكل خبرات معاشة أو حكايات متداولة على نطاق واسع كما حدث في حكاية "الكادنات" المكتشفة".

في المقابل تفاعل كثير من الجزائريين مع الحدث بروح الفكاهة والمزاح، فَخَلَفَتْ عبارة: "واش راك" أي كيف حالك؟، عبارة: "كاش كادنة؟" أي هل من قفل؟، وذهب المخرج المسرحي شوقي بوزيد على حسابه في موقع "فيسبوك" إلى اقتراح عيد وطني للأقفال متمنيًا عيدًا سعيدًا للجزائريين، الذين بلغ عددهم قبل أيام أربعين مليون نسمة، من باب المزاح والإشارة إلى أن الأقفال الحقيقية التي عليهم الاهتمامُ بها هي تلك العراقيل المبرمجة في وجوه المواهب والكفاءات.

اقرأ/ي أيضًا:

فضائيات الوهم الاجتماعي

معتقدات يمنية تهوى قتل بعض الحيوانات