أقفالٌ صدئةٌ على بابِ مدينةٍ صامتة

أقفالٌ صدئةٌ على بابِ مدينةٍ صامتة

لوحة لـ جاكسون بولوك/ أمريكا

في الغابة الواطئة

أمرّر يدي بين لحاءات الأشجار

وحيدًا

أجمّع أوراق الصنوبر

أغرسها في التراب كمزارعِ أرز

تعبرُ في رأسي صورٌ لنساء

لا رغبةَ لي بمضاجعة إحداهن

يمرّ بائعُ الجرائد الهرم

ألمّع صوته وهو ينادي: الأخبار، النهار، نداء الوطن، الشرق...

كما ألمّع شاشة التلفون.

 

أنباءٌ مزعجةٌ في التلفون

المدينة لا زالت مغلقة

والجندي يجلس في محرسه حاملًا قرعة المتة

أشفطُ أمله بالنوم في سريره

تنطفئ شاشة التلفون تاركةً للسواد مكانه

أراها ترسمُ فوضاي الطويلة

ووجهي البارد الملتحفِ لظلال الشجرة فوقه

 

في الغابة الواطئة جسدٌ لم ينتبه أن مفتاح المدينة سقطَ من جيبه فترهّب...

*

 

أركض كمن يحملُ في جيبهِ مصروف عامٍ كامل

أقول إنّ الضحكَ وردةٌ أزرعها في رأسي

قبل أن يفقع في وجهي زجاجُ المباني العالية

وأشاهده يسقط

كذلك تتساقطُ أحلامي

كلّ حلمٍ يفلتُ قدمَ صديقه

يظنّ النجاة

وأنا الممسك بحافة الهاوية

أنتظر أن تفلتني آخر الأيادي.

 

أيّها الباب

تمهّل

قبل أن تفتح لي

أنا لا أرتدي قناعًا شفافًا

كلّ ما أفعله أنّني ألاحق الهواء البارد بخفّة

أحاولُ إبقاءهُ غافيًا في جسدي،

تمهّل

وضع وجهي وراءك وحده

أو اتركه يتسلّق ظهرك

ليرى كم من الوجوه تحاول الهرب.

*

 

ما بين قدمٍ وأخرى

تتلوّن الريح بغبار حذائي القديم

فيما يتردّد صدى خطواتي الثقيلة بين أخشاب المراكب،

أراقبُ الأولاد يتسلّقون سور الحديقة

كعريشةٍ هرمةٍ

لا عنبَ فوق بطنها،

أراقبُ الواجهات الزجاجيّة اللماعة وهي تلتقط أخيلة الفتيات

أقطف بعض تفاصيل وجوههن

راسماً بها وجهٌ ألفه رأسي،

أراقبُ باعة الفول السوداني

يتصاعد من عرباتهم الدخان

تتصاعدُ وإياه أحلامي الصغيرة بالخروج من المدينة؛

خفيفًا

أنزلقُ بين الحارات مدنّسًا حجارتها بيدَي

كامرأةٍ ريفيّة تتبرك بمقام شيخٍ مجهول،

أعاود النظر إلى وجهي

في الواجهات اللماعة

ثمّة ملامح إضافيّة تركتها الأخيلة العابرة

ربّما لا تريدها

أرسمها برأسي

لتنتهي

متجلّيةً كآخر صورةٍ لعالمٍ بقلبِ خزانةٍ واسعة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تاريخ البؤساء

موت وكراهية وخوف