أقع في حبّكَ مراراً

أقع في حبّكَ مراراً

نور بهجت/ سوريا

1
فعلنا ما علينا فعله
اجتزنا أكوام "اللانجري" الملونة المعلقة في الأسواق المسقوفة
حتى نقطع مترين من القماش الخاكي نخفي به مفاتننا بقيّة العام،
ردّدنا الشعارات صباحاً ببدلاتٍ مكويّةٍ وشعرٍ مكشوط 
ورجعنا ظهراً بشعورٍ مرخيّةٍ وخدودٍ اجتهدنا في قرصها،
دسسنا الروايات العاطفية بين كتب القومية والدين    
وعدنا إلى أمهاتنا بعلاماتٍ لا ترضيهنَّ مهما ارتفَعَت.
عَتادنا كان كاملا من حواجب كثةٍ وأظافر مفرومةٍ وبُثور.
فعلنا ما علينا فعله
كي نليق بهزائم اليوم.

2
الفتاة الصّغيرة
بأنفها الأفطس
من شدّة التصاقه بواجهة المطعم
وأنفاسها الّتي طيّرت
على زجاجه البوالين
وبخطوطٍ حمراء
خربشها البرد على يديها
لم تشتهِ الطّعام
ولا الدّفء
كانت فقط توزّعُ نظراتها حسنةً
على بعض القلوب الخاوية.

الفتاة الصّغيرةُ
هي أنا
عندما أتجوّل في شوارع وحدتي
وأراقب العالم
من وراء زجاجه المُغبَّش.

3
في الثلاثين لا تغيّرات تُلحَظ
سوى انتقال انتفاخ الخدّين إلى الوركينِ،
شيب لا يصيبُ منكِ إلاّ شعرَتين، 
وخوف من بلوغ الثّلاثين ينزَح نحو الأربعين.
لا تغيّرات تُلحَظ
سيّما عبارةُ "تبدين أصغَر"
الصّالحة دوماً.

4
أعاني انحرافاً بسيطاً في النَّظر

ورغم ذلك أمرّر لأمّي الخيط من أصغر ثقب إبرة،

حاسّة الشمّ عندي ضعيفةٌ جدّا
لكنّني أحكم على النّاس من خلال رائحتهم،

نادراً ما أخرج من غرفتي

لا أعرف كيف أميّز الجيران من أصواتهم،

أعدُّ التّلذُّذ بالطّعام من أهمّ مُتع الحياة

يقولون: أكلي قليل،

لم أستطع أن أقيّم حاسة اللمس لدي
فلا
 أملك أمثلةً محسوسةً

غير وجهك.

5
أرمي حجراً في النهر

كي أرى وجهي على حقيقته:

جذعَ شجرةٍ مقطوعاً.

أشرب قليلاً من الكحول

كي أرى العالم على حقيقته

من فتحة الدوخة الخفيفة.

أقع في حبّكَ مراراً

كي لا أرى شيئاً على حقيقته.

6
لا تفتحي فمكِ عندما تضحكين
لا تجلسي مباعدةً بين ساقيكِ 
لا تتلفّتي يميناً ويساراً في الطّريق
لا تقضمي أظافركِ
لا تتكلّمي بصوتٍ عالٍ
لا تعبسي
لا تتأخري في العودة إلى المنزل
لا.. لا.. لا
لاءاتٌ كثيرةٌ علّقوها على أذني فتاةٍ صغيرةٍ، كبُرَت وصارت تخشخش لهم بالخطايا.