أفق المواطنة.. كيف تبلور المفهوم؟

أفق المواطنة.. كيف تبلور المفهوم؟

المواطنة صفة كونية يتحلى بها الإنسان وفقًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان (Reveal)

وردت بعض المواد في الإعلان العالَمي لحُقوق الإنسان، تتحدّث عن صفةٍ كونية يتحلّى بها الإنسان، بمعنى أنّ الإنسان مواطن، أيًا كان دينهُ ومعتقدهُ والكيان الجغرافي الذي ينتمي إليه، لا يتم الاهتمام بذلك بتاتًا.

المواطنة العالميّة عند كانط جاءت في سياقٍ تاريخي شبه متوتر، لأنّه صاغها أول مرة بمناسِبة توقيع اتّفاقية بازل بين بروسيا وفرنسا

مثلًا أنا أنحدرُ من ألمانيا، وذهبتُ إلى أمريكا، فعندما تطأ قدماي الأرض الأمريكية صرتُ مواطنًا أمريكيًا، دون الالتفات للجنسية أو العرق أو اللغة، حينها صرتُ أعيش وفق قوانين المجتمع الأمريكي، وبالتالي يتوجّبُ عليّ احترام الضوابط والقوانين المنصوص عليها، وأتمتّعُ بنفس الحقوق التي يتمتَّعُ بها المواطن الأمريكي الأصيل، دون أدنى تمييز.

اقرأ/ي أيضًا: التحول من الإنسان إلى الفرد

المواطنة العالميّة عند إيمانويل كانط جاءت في سياقٍ تاريخي شبه متوتر، لأنّه صاغها في كتابه "مشروع السّلام الدائم"، بمناسِبة توقيع اتّفاقية بازل للسلام بين بروسيا وفرنسا المُنتشية بالثورة المجيدة. فبالنظر إلى عولمة سياسيّة، أصبحت رؤية "السلام الدائم بين الدول" موضع اهتمامٍ كبير.

وفي هذه الفترة، صدر كتاب كانط الذي ذكرتهُ، وقد جاء ذلك الكتاب كمرجع للأفكار والمَخاوف التي أعقبت سنواتٍ طويلة من الحرب المُدمِّرة بين بروسيا والرجعيات الأوروبية. كان الناس حينها يراودهم حلم السلام، وأنْ ينعموا بالاستقرار، وأوروبا أنهكتها رحى الحروب.

ومع أنّ المشروع الكانطي آنف الذِّكر ردًا على تلك الحرب، لكنّه شكَّل احتفاءً بانتصار الثورة الفرنسية وشِعاراتها على الملكية المُستبدّة، وذلك بإعلان القوانين التي سنّتها الثورة الفرنسيّة. لقد وجد كانط في انتصار الثورة الفرنسية، انتصارًا لأفكاره، وخطوة نوعيّة وهامّة في التاريخ البشري.

ولهذا كان كتابه تعبيرًا عن قيّم الثورة الجديدة، المُتمثِّلة في الإخاء والحُريّة والمساواة، ونقضًا للأحكام القوميّة المُسبقة. كانط يعترفُ بحقوق الإنسان اعترافًا مباشرًا يكتسي طابع الافتخار إلى حدٍّ ما. هذه الحقوق بصفتها صفة الإنسان وميزته طوال حياته، فهي الحريّة من حيث أنّه إنسان، والمساواة التي هي الحقُّ في أن يكون المرءُ مواطنًا أي حقُّ الجميع بأنْ يوجدوا في حالة إخاء مُتساوية أمام قانونٍ مشترك. كانط ظلَّ مُستميتًا في الدفاع عن هذه الحقوق.

وكما يقول الباحث المصري محمد سيد عيد في مقاله "مفهوم الضيافة الكونية عن كانط": "لم يكن كانط مواطنًا ألمانيًا، وإنما مواطن عالمي يحلم ببشرية يعمها السلام ويرعاها العقل".

عند كانط وهيغل وقبلهما أرسطو، النّظرية السياسية لا تَهتم بكلِّ فردٍ في المُجتمع، بل تَهتمُّ بفردٍ له مُؤهلات مُحدّدة، فمثلًا يجبُ أنْ يكون ذكر لا أُنثى، تقيًّا لا فاجِرًا، عاقلاً لا مضطرباً... إلخ. هذه الصفات تدخلُ في نطاقِ الأخلاق، بيد أنّ من يَتحلى بهذه الصفات يُنعتُ بـ"الشيخ" أو "السيّد"، وهو "الفرد المُؤسِّس"، وهو الذي يملِكُ أسهُمًا كثيرة في شركةٍ تُسمّى الدولة الوطنية.

نفهمُ الآن من هنا أنّ هذا المُواطن هو المواطن المُساهِم، وحقوقه هي الوجه الآخر لمؤهلاته. بمجرّد التفكير في فصل الحُقوق عن المُؤهلات، بفقد النّظريةُ تماسُكها واستماتتها. يقول عبد الله العروي في هذا الصدد: "المواطن المُساهم سيّدُ نفسه، يحكمُ نفسهُ بنفسه بواسطةِ إرادةٍ جماعية مبثوثة في قانون. هو المُشرِّع والمُتصرٍّف وهو الحَكَم".

والإنسان المُساهم في نظر جان جاك روسو، هو الإنسان الطبيعي كما وُلد قبل أن يُفسدهُ التاريخ/الحضارة. ويضيف روسو كل الصفات المنسوبة في علم الكلام إلى الله، للإنسان المساهم في تأسيس المدينة، أي المؤسسة السياسية.

تحليلاتُ جان جاك روسو تتجاوبُ إلى حدٍّ ما مع الوثائق الأمريكية والفرنسية التي تمّ تحريرُها خلال القرن الـ18، أمّا الوثائق الإنجليزية فتتضمّنُ تناقُضات عِدة، لعلّ أبرزها تناقض بين المُواطنة والولاء. 

يقول جان جاك روسو: الإنسانُ حرٌّ مُستقِل. يردُّ الخصم: ممن؟ عمن؟. يجيبُ روسو: عن أخيه الإنسان.

إذًا المواطن في نظر روسو هو في غايةِ التجريد، ولهذا السبب بالضبط نجدُ المُواطن يمكن تجسيده في أنظمةٍ مُتعدِّدة ومُختلفة، في القبيلة وفي المدينة وفي الجمهورية وفي الإمبراطورية. وعليه فإن مفهوم المواطن غير مرتبط بهيئة محددة، وإنما يصف حالة فردية.

فمواطن القبيلة (مكة) ومواطن المدينة (جنيف) ومواطن الجمهورية (فرنسا) ومواطن الإمبراطورية (روما القيصرية)، لا اختلاف بينهم، رغم الاختلاف في المنطقة والجو الذي يعيشون فيه، واختلاف الحقب الزمنية، لكن يظل المواطن حاضرًا في كل زمان ومكان.

ثم يتجسد النموذج الحديث للمواطن، مع الإنجليزي توماس هوبز، الذي قلت عنه في وقت سابق إنه سعى جاهدًا لتبرير الاستبداد. ولهوبر كتاب بعنوان "De Cive"، هو أول كتاب يفكر في مفهوم المُواطن بمعناه الحديث، حيث يدرسُ الجسد والإنسان والمجتمع المدني. وهذا المجتمع (المدني) هو في حالة تَضاد تام مع المجتمع الطبيعي الذي تأسّس على العُنف والصراع؛ صراعُ الكل ضدّ الكل. في حين أنّ المُجتمع المَدني يقوم على قوانين، مما يُفضي إلى الاستقرار وبروز مفهوم المواطن.

لا يكادُ توماس هوبز يتكلّمُ عن مفهوم المواطن إلاّ مقروناً بالواجبات (حتى يكادُ يخيل إليك ألا مجالَ للحقوق، وهذا راجعٌ إلى سببِ وجود الحرب والحِفاظ على الأمن)، ثم الطاعة، أي أن تكونَ مُواطِنًا معناهُ أن تكون مُطيعًا وألا تثور على الحاكِم.

وقسّم هوبز الجنس البشري إلى ثلاثةِ أصناف: بشر عاديون يندرجون ضمن حالة الطبيعة، وللخروج من هذه الحالة يجب التنازُل على الحق الطبيعي، وطريقةُ التنازُل هي الاعترافُ بأنّ لا شيء لك (المَلَكيّة)، ثم مواطنون مُنخرطون في مُجتمعٍ مدني يقومُ على ضوابط وقوانين متفق عليها، ثم مُؤمنون مرتبطون بالدين والسياسة.

تحدث هوبز عن الحاكم المستبد الذي يتمادى في غطرسته، ويعيش المجتمع تحت نيره، لكنه برر استبداد الحاكم بأنه مع استبداده، نحن مستفيدون لأننا نعيش في ظل السلم والاستقرار، وأن هذا هو الأهم وفقًا لهوبز، أي أن ننعم بالطمأنينة والسلام بالخضوع للحاكم، وعليه، وفقًا لهوبز، على الأفراد طاعة الحاكم ما دام قادرًا على توفير الأمن لهم.

وبعد ذكر هوبز، من الضروري الإشارة إلى جون لوك، الذي شَيَّد نظريتهُ على أسس الحريّة الشخصية والملكية الفرديّة، وساهم مشروعهُ الفكري بشكلٍ كبير في إعلان استقلال أمريكا، والتركيز على النِّظام الجمهوري ونظرية الليبراليّة.

المواطن في نظر روسو في غايةِ التجريد، لذا نجدُ المُواطن يمكن تجسيده في أنظمة مختلفة: في القبيلة والمدينة والجمهورية والإمبراطورية

كما ينبغي الإشارة إلى فكرة العقد الاجتماعي عنده، التي تجمعُ جميع أطياف المُجتمع، فهي تُنهي حالة الطبيعة، وتُؤدّي إلى خلق جماعة أو هيئة مُعيّنة تُمسكُ بزمام الأمور، هي الحكومة، لكن لابُدَّ من ثقة الشعب في هذه الجماعة/الحكومة.  ويعتقدُ جون لوك أنّ الإبقاء على حقِّ الحياة والحُصول على الحق في الحماية فقط، وانتهاكٍ العقد، إنما هو إشارةٌ لاندلاع الحرب.

 

اقرأ/ي أيضًا:

قانون "عزمي بشارة".. شرعنة الحرب على المواطنة!

عن أزمة الهوية الوطنية