أفريقيا في تمرين فني

أفريقيا في تمرين فني

عملان للفنان إبراهيم الحيسن من المعرض

يشهد المغرب اليوم توجهًا كاملًا، سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا، نحو تغيير بوصلته، أو بالأحرى إعادة ضبطها من جديد، في اتجاه القارة الأم، القارة الأفريقية بالتحديد. وعيّا منه بأهمية هذا التحول الطارئ واللازم، لإعادة طرح أسئلة جوهرية، تأتي على رأسها أسئلة من قبيل "من نحن؟"، كما سؤال الهوية وغيرها المرتبطة بالمد الجغرافي والثقافي والهوياتي واللغوي وغيره.

"تمرين أفريقيا" معرض فني جماعي في المغرب، يطرح سؤال الهوية الأفريقية من خلال اشتغالات بصرية

اتجه مجموعة من الفنانين التشكيليين -الذين لا توحد أعمالهم أية مدرسة فنية معينة، ولا أي أسلوبية في الاشتغال على القماش وغيره من الأسندة الموظفة كأساسات استتيقية للأعمال المعروضة- إلى الاشتغال على أعمال فنية تأتي باعتبارها آثارًا وتمظهرات فنية تجمع بين البعد الدلالي والسيميائي والتصويري، يجمع بينها موضوع واحد موحد لها يتمثل فيما جاء يحمله عنوان المعرض من دلالات رمزية ولِسانية: "تمرين أفريقيا... الزمن الموزون".

هذا المعرض الذي جمع أعمالًا لكل من الفنانين: لحسن عاشيق، بنيونس عميروش، نبيل باهيا، توفيق الشيشاني، عبد الهادي بنبلة، أحمد الأمين، زين العابدين الأمين، إبراهيم الحيسن، عزيزة القادري، شفيق الزكاري، نور الدين فاتحي، خديجة الليلاني، محمد المنصوري، حفيظ ماربو، المهدي مفيد.

اقرأ/ي أيضًا: سرى الخفاجي.. عراقٌ لا مرئي

أسماء يكاد لا يجمعها سوى شغف البحث عن مصادر اللون وتجريب آفاق تعبيرية لا تتشابه ولا تتناسل من خيمة واحدة. إذ لكل فنان خطابه الذي ينطلق منه ومرجعياته الصباغية والموضوعية التي يجعلها تتخلل ويتضمنها الأثر الفني لديه.

في حين أن الموضوع الموحد للمعرض مرتبط بالقارة-الأم أفريقيا، من حيث الاشتغال أو من حيث الانطلاقة والمرجعية. لهذا صبّ اشتغال مجموعة من العارضين بشكل بارز حول الموضوع سواءً بالاشتغال على الرموز الأفريقية، أو الجغرافيا الأفريقية، أو القضايا التي تهم هذه القارة من أبعاد بيئية أو هجرة أو مشاكل التنقل والمواصلات.. بالإضافة إلى الاشتغال غير المباشر، عبر جعل الموضوع "غابرًا - ظاهرًا"، عبر الاشتغال على آثار ورموز ودلالات صباغية ذات طابع أفريقي.

ملصقة المعرض
ملصقة المعرض

أما الاختيار الثالث فكان عبر عرض الأعمال الفنية لأصحابها دونما أي استدراج رمزي أو دلالي أو أيقوني أو صباغي، إذ أتت هذه الأعمال الفنية من خلفية الانتماء الجغرافي، باعتبار أصحابها أفارقة الجذر والهوية والانتماء.

"تمرين أفريقيا" إنه التمرين الذي أُقْتُرِح لهذا المعرض الفني الجماعي، الذي فتح أبوابه بقاعة العرض الفنية التابعة لمؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية بالعاصمة المغربية الرباط... طيلة الأيام الممتدة من 31 تشرين الأول/أكتوبر إلى غاية 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2017.. إنه التمرين الذي تخوض غمار أسئلته ومسائله المعقدة الإجابة عنها والبحث لها عن سبل الحل.

أما تمرين الفنانين فهو ذلك البعد الصباغي والدلالي والتوظيفي، الذي على الفنان أن يجيب عنه ويبحث له عن حل داخل سنده وطرق اشتغاله.

ولأن التمرين منوط بالنجاح والفشل، بالصواب والخطأ، ما جعل التحدي الفني ضمن هذا المعرض تحديًا إستتيقيًا صعبًا، من حيث كون كل فنان اشتغل في ورشته الخاصة، بعيدًا عن أي تداخل أو احتكاك بأعمال الفنانين العارضين إلى جانبه، هذا ما جعل في نظرنا الأعمال تأتي متباينة الاشتغال والطرح والرؤية، كأني بهم حاول الفنانون أن يجدوا "للمسألة" حلولًا متعددة، توفق فيها البعض وأبدع فيها البعض ووجد بعض أنفسهم مسجوني أعمالهم، إلا أن الحل تبدى لهم في كونها منتمية أصلًا لهذا التمرين الأفريقي الممتد في الزمن قبل وأتناء وبعد المعرض. إذ أن كل هؤلاء الفنانين العارضين منتمون إلى "الزمن الأفريقي الموزون". الذي عليه أن يثقل نفسه بالبحث والتجريب والفشل والصواب والخطأ والنجاح حد التخمة للخروج من النفق الضيق الذي ظلت أفريقيا سجينته لقرون مضت، وبالتالي كما يكتب الفنان والناقد نور الدين فاتحي: "يظل سؤال الوزن في تمرين الزمن الأفريقي يخترق النفس. امتدادًا على ماض يجري مجرى المياه، ومستقبل يسير سير السحب وحاضر يزن الذات بميزان التاريخ".

يكاد القول بأن "المعاصرة حجاب" ينطبق على المسألة الأفريقية، التي لم تلتفت إلى ماضيها وحاضرها وفنها

يكاد القول بأن "المعاصرة حجاب" ينطبق على المسألة الأفريقية، التي لم تلتفت إلى ماضيها وحاضرها وفنها الذي ظل يعاصرها ويحاصرها، ودونما أن تنتبه إليه، إلا بعدما استشرقه مجموعة من الفنانين الغربيين الحداثيين والمعاصرين ضمن أعمالهم الفنية، التي قادت ثورات فنية على المستوى المفاهيمي والأكاديمي والأسلوبي... لهذا تكاد أفريقيا بكامل مضيها الإستتيقي والإثني والتعددي والحضاري والبَدْئي والبِدائي، مجبرة على الاشتغال على إشكاليات "التمرين الأفريقي" الذي يخترق الزمن إلى "زمن موزون"، حيث لا بد من إعادة ضبط ثقالته وثقله، كما إعادة ضبط البوصلة لتشير إلى الجنوب باعتباره الأصل: أفريقيا.

اقرأ/ي أيضًا: فن الجداريات.. شوارع المغرب تتحدث

فسؤال الذات والهوية و"من نحن؟" و"إلى أين؟"، لا يمكن حله دونما الخوض فعليًا في تمرين الذات، بعيدًا عن أية تبعية عمياء. إذ من هنا لا من هناك تبدأ الإجابة عن المسألة.

الزمن الموزون اليوم هو زمن التقنية والصورة والشاشة التفاعلية والسيمولاكر الذي يغزو الفضاء واليابس والبحر، والذي يصير أن يصبح واقعًا افتراضيًا نعيشه على أنه واقع، إذ تداخلت الازمنة وتداخلت الأشكال التعبيرية، وإن كان هذا منتظرًا في هذا المعرض في الوقت الذي تخطاه جل الفنانين العرضي، إننا نعيش كهنوتًا جديدًا، وقداسًا جديدًا، ونبني معابد جديدة أساسها عصر التكنولوجيا وزمنها الميتافيزيقي الذي يتداخل وكل الأشكال الفيزيقية ليغدو أصلًا.

من هنا لا بد لأفريقيا أن تنهض للإجابة على "تمرينها" وتكتب زمنها الموزون.

اقرأ/ي أيضًا:

محمود إبراهيم: تمثال نهضة مصر أجمل من تمثال الحرية

العري في الفن.. هاجس إنساني عابر للتاريخ