أفتّشُ عن سجائر في جيوبِ القتلى

أفتّشُ عن سجائر في جيوبِ القتلى

ياسر كاظم/ العراق

عام الوحش I

في الدقيقةِ بعدِ الأخيرة
سأخطف ما ظل بأجساد الموتى من رغبات
ذلك أجدى من أن تصير أعشابًا حول قبورهم.
هو الموت يا حبيبتي: نثرة ريح مدببة   
هي الحياة: مؤخرة سمينة وعارية في المهبّ
كونٌ يذوب في فم الوحش  
أقسم أن كل ذلك يحدث الآن خلف الباب
وأقسم أنّي بريء مثل حيواناتٍ سحقتها الحرب دونَ أن تنتبه.
سأفتّشُ عن سجائر في جيوبِ قتلى تسخرُ اليرقات من سكونِهم
وفتّشي أنت عن نبضٍ يرنُّ في جسدينا
ثمة شهوة حمئة تسلُقُ رأسي
ثمة نطفة ادخرتها في ثمرةِ الجوز
فما من وقت ولا حاجة لينمو الضوء قمرًا في إنائكِ
أطفالي تخطّفَتهم الحياة إلى جهاتٍ لم يعودوا منها
فتعرّي نكاية بجدران الزجاج
ليس سوى المرض يعربِدُ في الخارج
يبحثُ عن عِرْقٍ أخضر في اللَّحمِ والأسمنت
وها نحن آخر قِردين على هذا الكون
نلوّحُ للهِ كما لو كان طائرة نجاة
ونتقاذفُ، عاريين، بالثمارِ القاسية.

عام الوحش II

يعيدني بردُ كانون الأول إلى الوقتِ.
أصحو مع الدقائق تفقسُ في ساعةِ الرّمل
أستيقظَ الموتُ ولم يجدني ميتًا
تركتهُ تُهشِّم الحجارة أنفه 
حيثُ الله والشيطان يطمران الجثث بسيئاتهم وحسناتهم
أما أنا فنجوت.. نجوتُ يا حبيبتي
أندسُّ مثل قطٍّ حَليقٍ بينَ جلدِكِ والقميص
عدتُ حيثُ ألقيتُ إلى أكوامِ الخردةِ سيرتي
وعادوا أطفالي مكتملي القبضة والذقن.
لم تسرقِ الحرب سوى نفسهِا
طالما ثمار الجوز تملأ حوضكِ بالحليب
وطالما الحياة تقفزُ من عينيكِ إلى طين الحديقة.

نحنُ في آخرِ الشهر يا حبيبتي
حيثُ كانون الأول يطلقُ النارَ على قفلِ المصحّةِ
لتفسحَ الجغرافيا حيّزا للبيانو
ليخلطَ الرقص أحذية سوداء بأخرى حمراء
تدقُّ رأسَ السنةِ بفرح هستيريّ..
فرصٌ سعيدةُ تجمعنا بمجانين يصبحون بعد منصف الليل أصدقاءنا
نصفقُ العامَ على ذيل الوحش ونضحك
نضحك/ نضحك
نتقاذفُ بالنكات
وبفلينات تهربُ مذعورة من فورة الشمبانيا.
أنا كل هذا الجبل.

في غفلةٍ من الوقت
جئتُكِ بسروالٍ وصحيفةٍ ناصِعين
زجاجات البيرة أضاميمَ من تحتِ إبطيّ
نلقي التحيةَ على سحاقيات في الطرف المقابلِ لشهوتِنا
ثم ندوخُ في شقّتنا الصغيرة تجوبُ المدينةَ على أربعِ عجلات
نجتازُ الليل كعبور النكهةِ القويةِ في المريء
يلحَقُ بنا الــ "ممنوعُ" مثلَ كلبٍ مستَفَزٍ
يجرُّ من خلفهِ عربات شيوخ وباباوات يُشمّرون عن سجعٍ مُسنّنٍ
وحينَ أبولُ إلى شجرةٍ
تغمضُ البيوتُ شبابيكها سواكِ تشربينَ نخبَ قفايَ الصّلبةِ
وترقص روحك على أجسادهنَ في مهرجان الحريم.
هكذا علّمي المدينة أنّ ثمة عاصفة بينَ جلابيبها
وعلمّيها الحبّ بالمنجنيقِ
وعلّمي أختي أن لا تحيض في مواعيد يمرضُ الشَّرفُ بها وينتظر
وعلميني كيف أسرقُ عورتي من سراويل الأجداد
فكل من مرّ على طفولتي كذبَ عليها
كلّ ما لقمونيَ إياه كان طعمه رديئًا كالحكمةِ
وها أنذا كبرتُ يا حبيبتي وسبقتُ أبي بعشرةِ أعوام
ولم تزل ركبتي مليئة بالجروح وثيابي بالشوك
والخديعة تخبئُ حيلتها في علبِ الهدايا وقمصان زوجتي
فلستُ ممن يسمعونَ الكلام ويحذرون أذى الطريق أو الليل
كبرتُ وسبقتُ أبي بعشرةِ أعوامٍ
ولم تزل أمي تأخذني على محمل البكر
وأبي يسنّ قضيبي ليصطادَ أحفادَهُ
كبرتُ ولم تزل الفريسة تأخذ لونَ الحصى.. ولم تزل المخالبُ عمياء
فتعالي نخرج عن طوع التعاسة
كأن أدعو أبناء جيلي إلى جولةِ "مورفين"
تسقطنا من قبضةِ من يمسكُ الأرض
أو كأن تكشفين لأذنيّ عن خلخالٍ ولعينيّ عن وشم يفور أسفل ظهرك
فلي حصّة من الجاهليةِ سأطالبُ القرن العشرين بها
حينئذ سأتوسَلُ إليكِ وإلى قصائد الشعر الحديث
كي تمنحوني فرصة لأستعير عباءة وأقول: أنتِ الغزالة وأنا كلّ هذا الجبل.