أغنيات الحج... من بنك مصر إلى حفلات الإذاعة
4 يونيو 2025
ارتبط موسم الحج بمجموعة من الطقوس والشعائر في الهوية الجمعية المصرية، وذلك بداية من الرسوم الجداية التي كانت تُزين بيوت الحجاج، احتفاءًا بعودتهم سالمين من أداء الفريشة وصولًا إلى الأغنيات التي يستقبلون بها عند عودتهم من الأراضي المقدسة.
الأغنيات الأولى
قامت شركة "مصر للتمثيل والسينما" التي أسسها البنك عام 1925، بتسخير إمكانياتها وجهودها لإنتاج هذه الأغنيات
حرصت المؤسسات المصرية منذ نشأتها على دعم وإنتاج العديد من الأغنيات المرتبطة بهذا الموسم. وربما لا يعرف الكثيرون أن بنك مصر الذي أسسه الاقتصادي المصري طلعت حرب باشا عام 1920، كان أول المؤسسات الوطنية التي اهتمت بهذا الأمر، بل وكرست جهودها لإنتاج أغنيات مرتبطة به. فقامت شركة "مصر للتمثيل والسينما" التي أسسها البنك عام 1925، بتسخير إمكانياتها وجهودها لإنتاج هذه الأغنيات. فقد جمعت مجموعة من الملحنين المعروفين بنشأتهم الدينية وسط عالم الإنشاد والتواشيح لإنجاز أغنيات وثيقة الصلة بموسم الحج. وهذا ما يشير إلى المؤرخ الراحل د. نبيل حنفي محمود في كتابه "هكذا غنى المصريون"، حيث يوثق للأغنيات الأولى التي أنتجتها الشركة لهذا الموسم خصيصًا. ومن بين هذه الأغنيات: "اشتياق الحجاج" (1936) لمحمد الكحلاوي. وقد بلغ اهتمام الشركة المذكورة بالأمر، تخصيصها لحفل موسيقي تحت مسمى "حفلة بنك مصر" (1937) وفيها غنت نجاة علي مجموعة نادرة من الأغنيات: "أنشودة ذهاب الحاج" – موال "سيري يا زمزم" – موال "ياللي أنت رايح البيت" – "أنشودة عودة الحجاج" وهي الأعمال التي شارك في تأليفها بديع خيري ولحنها زكريا أحمد. وقد رصدها حنفي محمود في كتابه المذكور.
وعُرفت في تلك الحقبة أيضًا أغنية المطربة حياة محمد بعنوان "عودة الحجاج" والتي تقول فيها:
الفرحة تمت يا حجاج ** طفنا وزورنا وحجينـــــا
كوثر وزمزم في الأمواج ** تحادينا وتسمي علينا
أغنية المحمل الأشهر
من بين الطقوس التي ارتبطت بموسم الحج قديمًا في الحياة المصرية، رحلة المحمل من وسط القاهرة إلى مكة. فقد كانت كسوة الكعبة تُصنع في مصر وتُقدم هدية فوق الجمال التي تقطع بها الصحاري لتوصيل هذه الأمانة. وقد ظل هذا المشهد من المشاهد الراسخة في ذاكرة عموم المصريين خلال القرن العشرين. وكانت الإذاعة الحكومية المصرية حريصة هي الأخرى على إنتاج أغنيات تبقى مرتبطة بهذا الموسم إلى فترات بعيدة. وعن طريقها كتب بديع خيري مجموعة من الأبيات أسند تلحينها في البداية إلى فريد الأطرش الذي لجنها وغناها للمرة الأولى عام 1938، قبل أن تعود شقيقته أسمهان وتنشدها بعده بعام. لتبقى هذه الأغنية واحدة من بين أشهر أغنيات موسم الحج. وقد عرفت بين عموم المستمعين بأبياتها الأولى:
عليك صلاة الله وسلامه ** شفاعة يا جد الحسنين
دا محملك رجعت أيامه ** هنيه واتهنت بيه العين
ويبقى من الصعب بما كان حصر عدد الأغنيات الضخم والذي تم إنتاجه في هذا الفترة الزمنية، فكانت جداول برامج الإذاعة تورد من حين لآخر أحد أسماء تلك الأغنيات وتواريخ إذاعتها.
أيقونة السينما الغنائية والحج
منذ أن قدمتها ليلى مراد في فيلمها "بنت الأكابر" (1953)، أصبحت من الأيقونات التي يرددها الجمهور من حين لآخر
من بين أغنيات الحج التي لا تُنسى ضمن شريط السينما الغنائية، أغنية ليلى مراد "يا رايحين للنبي الغالي" والتي كتبها أبو السعود الإبياري ولحنها رياض السنباطي ضمن أجواء روحانية تفيض بالعذوبة والصفاء. ومنذ أن قدمتها ليلى مراد في فيلمها "بنت الأكابر" (1953)، أصبحت من الأيقونات التي يرددها الجمهور من حين لآخر، وخصوصًا المقطع الذي يقول:
يا ريتني كنت وياكم ** وأروح للهادي وأزوره
وأبوس من شوقي شباكه ** وقلبي يتهدي بنوره
وأحج وأطوف ** سبع مرات
بشاير الحج
جاءت حقبة الخمسينيات وانتجت خلالها كوكبة ضخمة من الأغنيات الخاصة بموسم الحج، لعل أجملها الأنشودة التي تغنى بها سيد مصطفى "بشاير الحبيب" وهي من تلحين عبد العظيم عبد الحق وكلمات مرسي جميل عزيز وفيها يصف في رقة وعذوبة زيارة النبي وطقوس الحج، حيث يقول:
على المختار حبيب الله ** حبيب الله
يا مركب سيري واتهادي ** في حب المصطفى الهادي
وهكذا في كل عام ومع دخول موسم الحج، تنتعش ذاكرتنا من خلال هذه الأغنيات البديعة التي نفتقدها في مثل هذه الأيام بعد أن كانت أغنية الموسم من بين الركائز الأساسية للفنانين والقائمين على الأمر.