أعياد بلا قلوب..

أعياد بلا قلوب..

حلت الرسائل القصيرة محل اللقاءات المباشرة خلال الأعياد(Getty)

أصبحت كلما اقتربت إحدى المناسبات الوطنية أو العالمية أو الأعياد الدينية أسارع إلى اعتزال مواقع التواصل الاجتماعي كي لا أنخرط في ضجيج التهاني والمعايدات والتعاليق الروتينية. فاليوم وقد اتخذت العلاقات الاجتماعية بعدًا افتراضيًا، إزدادت هوة الانفصال عمقًا وتبلدت المشاعر وجمدت الأحاسيس، إذ لم يقتصر ذلك على استعمالات الحياة اليومية فقط بل طال أيضًا المناسبات التي كانت في ما مضى فرصة للتزاور.

اتخذت العلاقات الاجتماعية بعدًا افتراضيًا وازدادت هوة الانفصال عمقًا

ولعل المتأمل في واقعنا اليوم يلحظ ما لتسارع نسق الحياة، في السنوات الأخيرة، من أثر في طبيعة معاملاتنا، إذ حلت الرسائل القصيرة محل المكالمات واللقاءات المباشرة، ومع تقدم الأعوام ازداد الأمر سوءًا بظهور "القوالب الجاهزة" التي يستعملها مستخدمو الانترنت خلال كل مناسبة.

اقرأ/ي أيضًا: كل الحكاية بدأت بتعليق

فقدت التهاني بذلك رونقها وتجردت من قيمتها حتى أصبح إرسالها عبئًا ثقيلًا يجد الفرد نفسه مجبرًا على أدائه، وأبرز ما يترجم ذلك انتشار حرفي H و B (اختصارًا لعبارة Happy Birthday) على صفحات كل مشترك أعلن موقع "فيسبوك" عن تاريخ ميلاده. فبعد أن كانت أعياد الميلاد فرصة لاجتماع الأحبة وتبادل الهدايا ومشاركة التهاني والأمنيات، أضحت تقتصر على تلقي بعض الأحرف المتناثرة من أشخاص مجهولين، لتكون الغاية الأخيرة هي إرسال التهاني بالمجهود الأدنى.

ولا ننسى أيضًا دور شركات الاتصالات في تدعيم هذه الظاهرة، فمع توفير خدمة الإرساليات القصيرة المجانية في الأعياد أصبح الناس يرسلون رسالة واحدة جافة المعاني إلى قائمة الأرقام الجاهزة في هواتفهم تعبيرًا عن أداء الواجب. ألهذه الدرجة تلاشت مكانة العلاقات المباشرة في حياتنا؟ ألهذه المرتبة سمح الإنسان لنفسه أن يرزح تحت وطأة التقدم الرقمي والعالم الافتراضي فيخضع لقوانينه الجافة؟

يفترض أن تكون التهنئة ذاتية ومباشرة ليشعر المتلقي أنها مخصصة وموجهة له

يفترض أن تكون التهنئة ذاتية ومباشرة ليشعر المتلقي أنها مخصصة وموجهة له، فلا بأس إن تفرغنا لبضع دقائق لكتابة تهنئة بعباراتنا ونخص أحد الأصدقاء أو الأقارب بزيارة شخصية لمشاركته أفراحه عسى نكسر قليلًا جدار العزلة الذي أقمناه طويلاً. إن الإنسان دون وعي منه انخرط اليوم في تيار التطور التكنولوجي وتسارع نسق الحياة ليجد نفسه وحيدًا يشكو غربة وجودية واغترابًا وجدانيًا يهدد التوازن النفسي داخل الجسد المجتمعي.

ولعل ما نخشاه في المستقبل أن نتحول إلى كتلة من "المشاعر المعلبة" والقلوب الجامدة التي تتحرك في فضاء لا مادي، فننقلب إلى كائنات غريبة لا مغتربة فحسب، حينها تصبح البشرية مهددة في رصيدها الوجداني الذي يرتقي بها من مرتبة الغريزة إلى مقام الإحساس النبيل والمشاعر الراقية.

اقرأ/ي أيضًا: طبخ الحب