أعلام ملوّنة ترفرف في سماء القاهرة السوداء

أعلام ملوّنة ترفرف في سماء القاهرة السوداء

من عرض مشروع ليلى الأخير في مصر (فيسبوك)

استضافت القاهرة حفلاً موسيقيًا لثلاثة فرق تلعب أشكالاً مختلفة من الموسيقى منذ أسبوع، ولكل منهم جمهوره الخاص الذي على الأغلب يتقاسم إعجابه للفرق الثلاثة بنسب مختلفة نظرًا لتقارب شكل "الوجبة الموسيقية"، التي يقدمها كل فريق من حيث تفردها واختلافها عن المتعارف عليه أو الشعبي أو ما يُمكن أن نطلق عليه الموسيقى التجارية، وأيضًا على مستوى اختلاف الكلمات والمواضيع المتناولة، بالإضافة لاستهداف كل فرقة منهم لجمهور من الفئة العمرية نفسها.

حضور 30 ألفًا للعرض الفني يؤكد أن السلطة المصرية بإمكانها السيطرة على الأمور دون تجريم للتجمهر ويؤكد ازدواجية تصرفاتها

ثلاث فرق من ثلاث دول عربية مختلفة، "المربع" الأردنية، "مشروع ليلى" اللبنانية، و"شارموفرز" المصرية، كان تجمعهم معًا بمثابة حدث خاص قلما يحدث، وبالأخص تواجد "مشروع ليلى" الفرقة التي يُعرف مغنيها الرئيس على أنه مثلي الجنس، ولا يخجل عن إعلانه ذلك في وطن عربي لا يزال ينظر إلى اختلاف الهوية الجنسية على أنها مرض نادر أو يعطها الصبغة الدينية على أنها ابتلاء وغضب من الرحمن، تلك النظرة كانت كفيلة بجعل "حامد سنو" مغني الفرقة مناضلاً في نظر محبيه، لأنه خاض الشجار وحيدًا متقبلاً حقيقة ميوله الجنسية في مجتمع يرفضها أو يجرّمها بتهم الفجور والرذيلة في بعض الأحيان.

اقرأ/ي أيضًا: مشروع ليلى يعيد جدل المثلية في القاهرة.. لماذا يكرهون "مجتمع الميم"؟

ومن نظرة سياسية على الحفل، كان غريبًا أن توافق القاهرة على إقامة حفل للفريق في مصر، في ظل نظام مصري عسكري لا يعرف تقبل الآخر، ومصبوغ بصبغة دينية منبطحة أمام النفوذ السعودي الذي يفرض سيطرته ويمد أذرعه الدينية بنسختها السلفية الرجعية الرافضة لكل مختلف، ولكن في النهاية أقيم الحفل بحضور أعداد تُقدر بثلاثين ألفًا، وكان الحدث الأبرز أن تُرفع في الحفل أعلام "قوس قزح" المعبّرة عن اختلافات الهوية الجنسية، حدث عادي بسيط كان من الممكن أن يمر سريعًا لولا الجدل المراهق الذي حدث حوله، وغضب أشخاص يرون في الفعل جريمة تستحق العقاب والمحاكمة، وإعلام غير موضوعي يتناول الحدث من النظرة التي تُرضي عنه السلطة والجمهور وتجذب عددًا أكبر من المشاهدين بغض النظر عن صحة المحتوى المقدّم أو موضوعية التناول.

إن أبرز ما لفت اهتمامي في فعاليات الحفل لم تكن الأعلام الملونة ولكن الحضور الجماهيري الكبير، ثلاثون ألفًا مجتمعون سويًا في مكان واحد في ظل تأمين جيد في دولة تمنع حضور المشجعين لمباريات كرة القدم، وتفعّل الطوارئ وتجرّم التظاهر والتجمهر حتى بأعداد بسيطة، مثل تلك الفعاليات هي التي توضح أن بإمكان الدولة السيطرة على الأمور وحماية المواطنين والتعامل بحذر مع التجمهر، ولكنها في الوقت ذاته تعكس نوايا الدولة وازدواجيتها في التعامل مع أعداد المتجمهرين حسب هواها، فتسمح لهم في بعض الأحيان، وتمنعهم في الكثير منها.

في نظري، رفع أعلام "قوس قزح" كان عملاً شجاعًا وغبيًا في الوقت ذاته كعادة الأفعال ذي الطابع المتمرد، فقضية الاعتراف باختلاف الميول الجنسية وتقبلها بحاجة أن تُطرح بشكل علمي وموضوعي بعيدًا عن الهراءات وخطابات العنصرية والتحريض على العنف التي يتبناها تيار الإسلام السياسي من جهة كما شاهدنا في قنوات "مكملين" أو "الشرق" وغيرها، أو يتبناها إعلام النظام وأبواقه من جهة أخرى، لتكون النتيجة في النهاية، جمهورًا من العامة يتقبلون أفكارًا مغلوطة ومحرّضة من إعلاميين أو صحفيين ورجال رأي يثقون بهم.

اقرأ/ي أيضًا: حمزة نمرة.. راوٍ يتجول بالأغاني

رفع الأعلام أو حرقها قد يكون فعلاً شجاعًا ولكنه ليس عظيمًا، فإذا كان بلا عمل مؤثر يدعمه نحو خطوات جدية فلن يكون له أي أثر

ولكي نضع الأمور في نصابها الصحيح ونعطِ كل أمر حجمه الحقيقي، فيجب أن نفرق بين الفعل الشجاع والعمل المؤثر، فليس كل فعل شجاع هو مؤثر بالتبعية أو يصب في صالح القضية، أرى أن رفع الأعلام الملونة في سماء القاهرة فعل مهم للإعلان عن وجود أصحاب ميول مختلفة بكل شجاعة حتى لو لم يتقبلهم المجتمع، وبوابة جيدة لدخول الصدام المجتمعي والفكري، ولكن ما أخشاه هو كالعادة ظهور أشخاص غير مؤهلين للحديث عن القضية، أو الصعود على الأكتاف من بعض المتنطعين والمدّعين لتبني القضية من أجل أهواء شخصية بحتة، وهو ما يُفسد كل أمر مؤثر.

كذلك يجب العلم أن رفع الأعلام ليس انتصارًا، فالتهويل من عظمة الحدث ليس في صالح القضية، فلو كان رفع العلم انتصارًا وإثباتًا للحقوق، لكان حرق أعلام إسرائيل في كل تظاهرة أرجع لنا الأقصى منذ سنوات طويلة، وهذا بالتحديد ما أقصده بالفرق بين الفعل الشجاع والعمل المؤثر، فرفع الأعلام أو حرقها قد يكون فعلاً شجاعًا ولكنه ليس عظيمًا، وهذا الفعل الشجاع بلا عمل مؤثر يدعمه ويأخذ بيديه نحو خطوات جدية فلن يكون له أي أثر أو تغيير على أرض الواقع وربما يكون المردود أسوأ مما كان.

 

اقرأ/ي أيضًا:

آرب أيدول.. موسم التجارة بـ"الأندرغراوند" العربي

الموسيقى المستقلة.. تذاكر تنتمي إلى اقتصاد السوق