أطلقوا سراح هاجر!

أطلقوا سراح هاجر!

وقفة احتجاجية على اعتقال هاجر الريسوني (TelQuel)

قضت المحكمة الابتدائية بالرباط، في جلسة يوم الإثنين 30 أيلول/سبتمبر الماضي، بالحكم على الصحفية المغربية هاجر الريسوني، وخطيبها الحقوقي السوداني رفعت الأمين، بالسجن سنة، وعلى طبيبها محمد جمال بلقزيز بالسجن سنتين وغرامة مالية قدرها 500 درهم، مع منعه من مزاولة مهنة الطب لمدة سنتين ابتداء من يوم الإفراج عنه، أما مساعدته وطبيب التخدير بالعيادة، فقد حكم عليهما بالحبس مع وقف التنفيذ سنة وثمانية أشهر لكل منهما.

قضية هاجر الريسوني غامضة ومحاكمتها لا تستند إلى أدلة ملموسة، وتسلط الضوء على التعسف في حقوق الإنسان بالمغرب

نتيجة لذلك، انفجرت مدامع الحاضرين من عائلات المتهمين وزملائهم بالبكاء، فقد جاء هذا الحكم لهدم جدار توقعات هيئة دفاع هاجر التي كانت تنتظر براءة الصحفية، نظرًا لأن جميع المعطيات كانت تؤكد براءتها، خاصة التقارير الطبية التي تنفي وجود حمل أصلًا. 

اقرأ/ي أيضًا: "الحرية في المغرب نكتة".. تضامن محلي ودولي مع الصحفية هاجر الريسوني

وقد شدد دفاع هاجر في تصريحاته الإعلامية، على أنه، لو افترضنا وقوع حمل، فإن مدونة الأسرة تنزل الخطبة منزلة الزواج. وكان قد رُفض، في جلسة سابقة، إطلاق السراح المؤقت للريسوني رغم كل الضمانات التي قُدمت.

قال لي عثمان جمعون، زميل هاجر وأحد أصدقائها المقربين: "كنا ننخرط في معانقة الخيال لنصنع بهجة مفقودة. حضرنا الجلسة الأخيرة؛ كنا مضطربين كثيرًا. كان يتخللنا طمع الإفراج، فمن حضر الجلسة السابقة لابد أن يخرج بخلاصة وحيدة وهي أن الحكم سيكون بالبراءة".

وصف لي عثمان الأجواء في قاعة المحكمة بعد صدور الحكم بحق هاجر: "انتهى كل شيء، ورفعت الأعين وهي تبكي، إلى لافتة موضوعة إلى جانب رأس القاضي، مكتوب فيها الآية القرآنية: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون). وتعالت صيحات البكاء، وفي الحافلة كانت هاجر تضع يدها على عينها وتلوح يمينًا وشمالًا، أي بمعنى لا تبكوا. لكن ذلك كان مثل إلقاء مزحة ثقيلة في ميتم ما".

قضية هاجر قضية غامضة، ومحاكمتها لا تستند إلى أدلة ملموسة، وتسلط الضوء على التعسف والظلم الذي يطال حقوق الإنسان في المغرب والعالم العربي عمومًا، بعد التشهير الذي تعرضت له. 

كما تعيد قضيتها النقاش والجدل لمسألة الحريات الفردية، وبخاصة موضوع الإجهاض والعلاقات الرضائية، التي في مناطق أخرى من العالم، هي أمور خاصة بالفرد لا يحق لأي كان التدخل فيها. وقد علقت منظمة هيومن رايتس ووتش على قضية الريسوني بقولها، إن "السلطات انتهكت حق هاجر بالخصوصية وسعت للتشهير بها، وذلك بنشر مزاعم مفصلة عن حياتها الجنسية والإنجابية".

ووصف البعض القضية السياسية، وبأنها عمل انتقامي لقلم هاجر الحر، وللسياسة التحريرية للمؤسسة الإعلامية المستقلة التي تعمل بها، والتي تسعى السلطة لإقبارها، خاصة أن هاجر تنتمي لأسرة "قالت لا في زمن الهرولة لقول نعم"، كما قالت هاجر نفسها، مضيفةً في رسالة لها من داخل محبسها: "وها أنا أمشي إلى قدري بقلب مفجوع ورأس مرفوع".

وها قد مضى شهر تقريبًا منذ أن تم اعتقال هاجر بتهمتي "الفساد والإجهاض"، بعد أن تم نقلها وهي تشكو من المرض إلى طبيب آخر لفحصها دون أمر قضائي، وبلا إرادتها، وهذا في حد ذاته تعذيب، لذلك تقدمت هاجر بشكوى من التعرض للتعذيب، وهذا ما نقله عنها قريبها الصحفي سليمان الريسوني.

ليلة الحكم تلك، أفصحت مدامعنا، عما عجزت أفواهنا عن البوح به، خاصة بعد أن صادفتُ تعليقًا لهاجر على صفحة بفيسبوك قائلة: "اخترت الصحافة لأعمل على إيصال صوت من لا صوت له، وللدفاع عن مبادئ الحرية وحقوق الإنسان من موقعي، بالإضافة إلى أنها شغفي. أشعر أني أحيا بالصحافة". ها قد غادرت هاجر حريتها إلى الحبس، رافعة علامة السلام، قبل أن تدخل الحافلة التي أقلتها إلى سجن العرجات بضواحي العاصمة الرباط، بابتسامة عريضة، تحدت بها الظلم الذي سلبها شغفها.

أثارت هذه القضية الرأي العام، وأسالت حبر المدونين والصحفيين من مختلف المنابر الإعلامية، خاصة وأن هذه القصة تفجرت بعد مضي قرابة سنة ونصف على اعتقال توفيق بوعشرين مؤسس صحيفة "أخبار اليوم" نفسها التي تعمل بها هاجر، ما خلف ردود أفعال واسعة في الشارع الصحفي والحقوقي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، ممن أساءهم "التشهير" ببعض المنابر والأقلام الصحفية. 

ووصف المركز الوطني للإعلام وحقوق الإنسان، اعتقال هاجر الريسوني بـ"الغامض الهيتشكوكي". وجاء في بيان صادر عن المركز أن متابعة هاجر بتهمتي الفساد والإجهاض "رسالة واضحة للأقلام الحرة والنزيهة الرافضة للخضوع"، قائلًا إن الأمر "يتعلق بتصفية حسابات مع هاجر ومحيطها والسياسة التحريرية للجريدة التي تعمل بها".

 وصف البعض قضية الريسوني بالسياسية، وبأن محاكمتها عمل انتقامي لقلم هاجر الحر وللسياسة التحريرية للصحيفة التي تعمل بها

وهكذا تفتح قضية هاجر الريسوني جرحًا آخرَ في جسد الحقوق والحريات في المغرب، وجرحًا غائرًا في جسد حرية الصحافة المتعب مغربيًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ما بعد إدانة الريسوني.. جدل متصاعد حول "حدود" الحريات الفردية في المغرب

الصحافة الإلكترونية في المغرب.. ضحية جديدة لتقنين قمع الحريات