أطفال سوريا اللاجئين إلى دول الشمال.. إنه الألم

أطفال سوريا اللاجئين إلى دول الشمال.. إنه الألم

يتعرض معظم الأطفال اللاجئين إلى رضوض جسدية ونفسية (سبنسر بلات/Getty)

لم تكن المسافة التي اجتازها الفلسطينيون إلى دول اللجوء بعد نكبة عام 1948 بعيدة كما هي الحال بالنسبة للاجئين السوريين و"الفلسطينيين السوريين"، الذين يفرون يوميًا إلى بلاد الشمال الأوروبي بسبب الحرب المدمرة التي تحصل في بلادهم منذ أكثر من خمس سنوات. لقد أبكت تلك الهجرة الفلسطينية الفنان المرحوم خالد تاجا بحرقة حقيقية وهو في مشهد تمثيلي كان يؤديه لتلك التغريبة، حينما تحدث في لقاء له، عن دوره في مسلسل "التغريبة الفلسطينية"، الذي عرض على الفضائيات قبل حوالي 10 سنوات.

يرافق اللاجئين الكثير من الأطفال دون عوائلهم، بسبب عدم قدرة الأهل على دفع تكاليف الرحلة الباهظة

يعبر السوريون هذه الأيام ومعهم "الفلسطينيون السوريون" في طريق لجوئهم القارات لكي يصلوا إلى بر الأمان، وقد يستغرق ذلك عدة أشهر أحيانًا، يتعرضون خلالها لأبشع أنواع القهر والعذاب الإنساني وخصوصًا الأطفال منهم، يركبون خلال ذلك البحر من خلال قوارب قديمة يكون عمرها الزمني للاستخدام قد انتهى، وقد تكون أحيانًا مطاطية لا تتسع لأكثر من 20 شخصًا، لكن طمع المهربين وجشعهم يجعلهم يضعون فيها أكثر من 40 شخصًا، الأمر الذي يجعلها آيلة للغرق في أي وقت، وهذا ما حصل كثيرًا وأدى إلى غرق المئات منهم، وحين يمضون في الجبال لإكمال طريقهم يقوم المهربون بابتزازهم والتنكيل بهم، بالإضافة إلى الجوع والبرد والتعب المضني الناجم عن عدم النوم لأيام كثيرة في الطرقات والغابات.

اقرأ/ي أيضًا: اللاجئون السوريون في أوروبا.. إلى تركيا

يرافق المهاجرين الكثير من الأطفال دون عوائلهم، بسبب عدم قدرة الأهل على دفع تكاليف الرحلة الباهظة أحيانًا، حيث يقوم الأطفال بلم شمل عائلاتهم بعد استقرارهم في دول اللجوء بحسب قانون اللجوء الأوروبي، كما يضطر الأهالي إلى إرسال أبنائهم الذين هم دون سن الثامنة عشرة خوفًا عليهم من الاعتقال، أو سوقهم للخدمة العسكرية في جيش النظام السوري، أو تجنيدهم من قبل التنظيمات التكفيرية، مما يعرضهم إلى الضرب والاغتصاب من المهربين.

وقد وصف لنا أحد العاملين في مركز استقبال اللاجئين في مالمو، بالسويد، الذي يتكفل برعاية الأطفال الذين يصلون إلى السويد بلا عائل خلال الأيام الأولى: "يصل بعض الأطفال مصابين بجروح في الرأس أو كسر في العظام، وقد يحدث لهم ذلك عندما يسقطون من الشاحنات التي يحاولون الاختباء فيها، وقد يعاني البعض من فقد حاسة السمع نتيجة صفعهم على الأذن من قبل المهربين"، وفي ذات السياق، صرحت مديرة المركز: "استقبلنا الكثيرين ممن جاؤوا عن طريق ليبيا ومنهم من كانوا على مراكب انقلبت بهم وهناك طفل وصل إلى المركز بلا عائل، وقد شاهد شقيقه وهو يغرق في البحر".

يتعرض معظم الأطفال اللاجئين إلى إصابات جسدية وحتى إلى رضوض نفسية عنيفة 

أدت هذه الحوادث إلى إصابة معظم أولئك الأطفال برضوض نفسية عنيفة، التي هي حالات أشد من الصدمات النفسية التي يتعرض لها الأطفال بسبب اجتماعي ما كالطلاق أو الفراق، أما الأولى فتحدث بسبب الكوارث والحروب والأزمات الخانقة، ولهذا فهم بحاجة إلى رعاية نفسية من نوع خاص على خلاف تلك الأمراض النفسية الاعتيادية. وبحسب تقارير المراكز الإحصائية للجوء في دول أوروبا، فإنه يتضاعف عدد الأطفال اللاجئين الذين يصلون إلى أوروبا يوميًا دون عائل لهم، وقد وصل في نهاية عام 2015 إلى أكثر من 15 ألف طفل.

اقرأ/ي أيضًا: السوريون وقصص الحنين.. سنرجع يومًا إلى حيّنا

يحتاج معظمهم إلى علاج نفسي خاص ورعاية اجتماعية نموذجية، وإذا لم يتم ذلك ولم تعالج تلك الحالات فقد تتفاقم مشاكلهم النفسية وتستعصي وتؤدي بالتالي إلى تدهور حياتهم المستقبلية، التي سوف تؤثر سلبًا عليهم وعلى المحيط الاجتماعي الذي يتعايشون معه، فلابد من تهيئة ميزانية خاصة لذلك من قبل الجهات المختصة، وقد صدر، بهذا الصدد، بيان عن وكالة الهجرة السويدية، جاء فيه أن "أغلب المهاجرين الذين وصلوا إليها في هذا العام والعام الماضي من السوريين معظمهم من الصبيان، و29% منهم من القصر ودون عائل، وطلبوا اللجوء في الاتحاد الأوروبي وقدرت كلفة رعايتهم بمبلغ 9 مليار كرون، ولهذا نضطر لإبقائهم في مركز "مالمو" المؤقت بضعة أيام فقط قبل أن ينتقلوا إلى مراكز أخرى في مختلف أنحاء السويد، أو للإقامة مع أسر تتبناهم إذا كانوا من صغار السن".

ويستمر "مركز مالمو" في رعاية المراهقين عن طريق خلق جو البيت فيه بدلًا من المؤسسة، وإقامتهم في غرف يمارسون فيها ألعاب الكمبيوتر ويتصفحون مواقع التواصل الاجتماعي، ويتابعهم أثناء ذلك المرشدون النفسيون، ويقومون بتوجيه النصح والإرشاد لهم عن طريق مترجمين. كما أنه من المهم أن يتوجه أصحاب الخبرات من المقيمين العرب في أوروبا منذ زمن والجدد، وخصوصًا السوريين والفلسطينيين منهم، إلى هؤلاء الشباب عن طريق وسائل الإعلام المتاحة، وتأسيس مراكز بحثية تخصصية تعنى بهذا الأمر.

اقرأ/ي أيضًا:

اللاجئون السوريون ضحايا أساطير المجاهدين

اللاجئون السوريون في البازار اللبناني