أطباء شباب جزائريون.. هاجس العيادة الخاصة

أطباء شباب جزائريون.. هاجس العيادة الخاصة

وزير الصحة يتوسط أطباء جزائريين (فيسبوك)

يُعدّ قطاع الصّحّة في الجزائر، من المجالات التي يُمكننا أن نرصد الفرق من خلالها، بين فترتي الاحتلال والاستقلال، فقد غادرت فرنسا عام 1962، ولم تخلّف إلا 300 طبيبًا لساكنة تقترب من عشرة ملايين، وما إن حلّ عام 1979 حتى قفز العدد إلى 6061 طبيبًا، أي بمعدّل طبيب لكل 2960 مواطنًا، بفضل جملة القرارات المتخذة حينها في مجال الصّحة العمومية.

يشتكي الأطباء الشبان في الجزائر من واقع يصفونه بالمتعفن في المستشفيات الحكومية وأجور شهرية متدنية مقارنة سنوات دراستهم

من ذلك إنشاء "المعهد الوطني للصّحة العمومية" عام 1964، وبعث الحملات الوطنية للتلقيح ضدّ الأمراض والأوبئة عام 1969، وإنشاء العيادات متعدّدة الخدمات عام 1974، وإقرار حقّ العلاج المجّاني ضمن المادة 67 من دستور عام 1976، وهو ما رفع متوسّط العمر، وخفّض من نسبة الوفيات.

اقرأ/ي أيضًا: لقاحات الأطفال القاتلة تهز قطاع الصحة في الجزائر

في عام 2014، بات الفضاء الجزائري يتوفّر على 220 عيادة طبية جراحية، و132 مركزًا لتصفية الدم، و18 مركزًا للإنجاب المدعّم طبّيًا، و7742 عيادة فحص متخصّصة و6654 عيادة فحص عامّة، و5928 عيادة لجراحة الأسنان، و9794 صيدلية.

ورغم هذا التطوّر الملحوظ، إلا أنّ سخط الجزائريين على القطاع الصحّي العمومي، ظلّ يرتفع يومًا بعد آخر، خاصّة من زاوية المعاملات القائمة على الإهمال والارتجال، ومن زاوية البيروقراطية التي تتعامل بها المؤسسات الاستشفائية مع قاصديها من المرضى، وقلّة الإمكانيات وتأخّر العتاد الصّحي، بالمقارنة مع المؤسسات الخاصّة.

انتقلت نبرة السّخط والتذمّر إلى الطواقم الطبية نفسها، فبات الإضراب سلوكها الدّائم. يقول لـ"الترا صوت" الطبيب ياسين عبد الجبّار إنّ السلطات تعطي مثالًا سيّئًا للكفاءات التي تتخرج من الجامعة في قطاع الطب، فهي تصاب بالصّدمة من الواقع المتعفّن للمستشفيات الحكومية، وبالأجور المتدنّية بعد 12 عامًا من الدراسة والمكابدات. ويسأل: "هل يُعقل أن يتقاضى طبيب قضى سبع سنوات في دراسة الطبّ العام، وخمس سنوات في دراسة التخصّص مبلغًا شهريًا لا يتجاوز 500 دولار أمريكي؟".

ويكشف عبد الجبّار عن وجود 5000 طبيب يشتغلون ضمن عقود ما قبل التشغيل، براتب لا يتجاوز 70 دولارًا أمريكيًا، وعن ظاهرة وصفها بالخطيرة تتمثل في ضعف مستوى التكوين في كليات الطبّ والمستشفيات، "هناك رؤساء مصالح طبية حكومية وأطباء استشفائيون يحرمون طلبة الطب من إجراء عمليات جراحية لتحويلها إلى عياداتهم الخاصّة، ممّا يجعلهم في حالة جهل دائم بذلك".

اقرأ/ي أيضًا: من جنوب الجزائر إلى شماله.. سفر في أحضان المرض

هذا الواقع المشمول بوصاية وزارة الصّحة، التي أضيفت لها عبارة "إصلاح المستشفيات" منذ عام 1994، يقول المتحدّث نفسه، "دفع الأطبّاء المتخرّجين حديثًا إلى اعتناق أحد الخيارين، إمّا الهجرة إلى الخارج، خاصّة إلى فرنسا، حيث كشف مجلس عمادة الأطباء فيها العام الماضي أنّ الأطباء الجزائريين يشكلون نسبة 25 في المئة من مجموع الأطباء الموجودين في فرنسا، وإمّا الإقدام على فتح عيادات خاصّة". يعترف: "أنا نفسي سأعتنق أحد هذين الخيارين قريبًا".

يتجه الأطباء الشبان في الجزائر فور تخرجهم إلى الهجرة نحو فرنسا أو فتح عيادات خاصة في ظل الوضع المتردي للصحة العمومية الجزائرية

تشترط وزارة الصّحة على الرّاغبين في فتح عيادات خاصّة، أن يعملوا سنواتٍ تتفاوت من اختصاص إلى آخر في القطاع الحكومي لاكتساب الخبرة، وهو ما تراه الطبيبة دليلة مومني تعسّفًا فتقول: "عن أية خبرة يتحدّثون؟ إن عتادهم مهترئ، وما هو متطوّر منه يتمّ إفساده حتى يلجأ المرضى إلى العيادات الخاصّة التي يديرونها، فهل يعقل أن يمكث طبيب جرّاح عامًا كاملًا من غير أن يتمكن من إجراء عملية جراحية واحدة؟".

في مدينة سيق، 450 كيلومترًا غرب الجزائر العاصمة، سيفتتح يوم 20 أيّار/ مايو الجاري، طبيب الأسنان أمين زيان شريف عيادته الخاصّة، التي قال إنها شكّلت واحدًا من أهمّ أحلامه، وإنّه بقي عامًا كاملًا في انتظار الحصول على الاعتماد من الحكومة. "لقد درست طبّ الأسنان في الجامعة الجزائرية، وقمت بتكوين معمّق في الخارج، وتدربت مدّة عند أطبّاء متخصّصين في مدينة وهران".

"إيماني بهذا الحلم جعلني أمارس التجارة الحرّة، بالموازاة مع الدّراسة، حتى أحصل على المال الذي يؤهلني لأن أبني عيادتي بالطريقة والذّوق اللذين أريدهما، أمّا العتاد فقد منحتني "وكالة تشغيل الشّباب" قرضًا لشرائه". يضيف: "أدرك كوني طبيبًا من الجيل الجديد، وسأبذل كلّ الجهود لأن تكون عيادتي معاصرة ومواكبة للتطورات التي عرفها طبّ الأسنان في العالم".

هذه الرغبة لدى أمين زيان هي ما جعلته لا يراهن على المستشفيات العمومية فقال لنا: "إن طبّ الأسنان الممارس فيها يقوم على فكرة أنّه انتزاع الأسنان والأضراس لتخليص المريض من الألم، وهي فلسفة أقرب إلى الطبّ الشّعبي منها إلى الطبّ الحديث. لا أستطيع أن أكون في مستوى لقب الطبيب إذا لم أكن قادرًا على استعمال آخر ما توصل إليه الطب من أدوية وعتاد ونظريات". يختم: "لم أفتح عيادة خاصّة لأحصل على المال، بل لأمارس إنسانيتي وخبرتي في الطب".

 

اقرأ/ي أيضًا:

حملة تلقيح تثير الرعب في المدارس الجزائرية

في الجزائر.. أطباء يفطرون على طاولة العمليات