أصول الدولة في قبضة كيان جديد.. ماذا يعني صعود جهاز "مستقبل مصر"؟
8 يوليو 2026
كشفت وكالة "رويترز" عن توجه حكومي مصري لإعادة هيكلة جهاز "مستقبل مصر" للتنمية المستدامة، بما ينقله من كيان مرتبط بالمؤسسة العسكرية إلى هيئة اقتصادية واسعة الصلاحيات، تخضع مباشرة لإشراف رئيس الجمهورية، وذلك وفق مسودة مشروع قانون اطلعت عليها الوكالة.
وتشير المسودة إلى إنشاء صندوق سيادي جديد تحت اسم "صندوق مستقبل مصر للثروة السيادية – أهرامات النيل"، بما يعكس تحولًا لافتًا في طبيعة الدور الاقتصادي للجهاز وموقعه داخل بنية الدولة.
وبحسب المسودة، فإن المشروع يمنح الجهاز، الذي يركز على ملفات الزراعة والتنمية الصناعية واستيراد السلع، صلاحيات واسعة لضم أراضٍ وشركات مملوكة للدولة، وإدارة مناطق تنمية مستدامة تتمتع بإعفاءات ضريبية، فضلًا عن إنشاء صندوقين جديدين؛ أحدهما سيادي باسم "أهرامات النيل"، والآخر اجتماعي باسم "داعم".
وتشير "رويترز" إلى أن المؤشرات البرلمانية للتحرك التشريعي بدأت بالفعل، إذ أفادت تقارير محلية بأن لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب ستناقش مشروع القانون المقدم في هذا الملف، خلال اجتماع مشترك يضم عددًا واسعًا من اللجان النوعية، من بينها لجان الخطة والموازنة، والشؤون الاقتصادية، والدفاع والأمن القومي، والصناعة، والزراعة، والطاقة، والإسكان، والقوى العاملة، والصحة.
وتثير مثل هذه المشروعات حساسية واسعة في الشارع المصري، بالنظر إلى ما تعكسه من اتجاه نحو إعادة هندسة العلاقة بين الدولة والاقتصاد عبر كيان مركزي واسع الصلاحيات، أقرب إلى ذراع اقتصادية كبرى تحت الإشراف الرئاسي المباشر، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات متعددة حول طبيعة هذا الصندوق الجديد، وحدود صلاحياته، ودلالات إنشائه، والمخاوف المرتبطة بتوسيع دوره في إدارة أصول وأراضٍ وشركات مملوكة للدولة.
تشير مسودة مشروع القانون إلى جملة من الدلالات العميقة التي تتصل بطبيعة العلاقة بين الدولة والاقتصاد، وبين الاقتصاد والأصول الاستراتيجية، وبين هذه الأصول وحق الشعب في ملكيتها والرقابة عليها
جهاز مستقبل مصر.. صعود سريع
تعود البدايات الأولى لـ"مستقبل مصر" إلى عام 2017، حين ظهر كجزء من مبادرة "المليون ونصف فدان" التي أُطلقت عام 2015 بإشراف شركة "تنمية الريف المصري الجديد"، وتوزعت أراضيها على عدد من المحافظات في إطار خطة الدولة للتوسع في الرقعة الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي.
وفي عام 2021، شهد الجهاز توسعًا كبيرًا في نطاق نشاطه، إذ اتسعت مسؤولياته لتشمل إدارة أكثر من مليون فدان ضمن مشروع "الدلتا الجديدة" في الصحراء الغربية، وقد مثّل هذا التوسع نقطة تحول مهمة في طبيعة المشروع، بعدما انتقل من مجرد مبادرة زراعية محدودة إلى كيان ذي حضور متنامٍ في ملف استصلاح الأراضي وإدارة المشروعات الزراعية الكبرى.
أما النقلة الأبرز فجاءت في عام 2022، حين أُعلن عن تحويل الجهاز رسميًا إلى كيان إداري موسع تحت اسم "جهاز مستقبل مصر"، تابع للقوات الجوية بموجب قرار جمهوري، وهو ما منحه صفة رسمية وغطاءً قانونيًا أقوى، بقيادة العقيد الطيار بهاء الغنام.
ومع هذا التحول، بدأ الجهاز في تبني خطة توسعية طموحة تستهدف استصلاح نحو 4.5 مليون فدان بحلول عام 2027، بما يمثل قرابة نصف الرقعة الزراعية في البلاد، إلى جانب توفير ما يقرب من مليوني فرصة عمل خلال الفترة نفسها، كما أعلن الجهاز أن هدفه الرئيسي يتمثل في تقليص الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستيراد، رغم وجود جهات حكومية أخرى مختصة بالقطاع الزراعي، وعلى رأسها وزارة الزراعة.
وفي مطلع حزيران/يونيو 2025، دخل الجهاز محطة جديدة في مساره الاقتصادي، بعدما أُعلن عن توقيعه، ممثلًا عن الدولة، عقود المشاركة في تطوير مشروع "مدينة جريان" العقاري الضخم، بتكلفة تقترب من 1.5 تريليون جنيه مصري، وقد عكس هذا التطور اتساع نطاق عمل الجهاز إلى قطاعات تتجاوز الزراعة واستصلاح الأراضي والسلع الاستراتيجية، ليشمل المجال العقاري والتنمية العمرانية واسعة النطاق.
وتكمن دلالة هذه الخطوة في أنها أضافت مساحة جديدة من الاقتصاد إلى نطاق عمل الجهاز، تحت مظلة ذات طابع أمني وسيادي، وبعيدًا نسبيًا عن الأطر الحكومية التقليدية التي اعتادت إدارة مثل هذه المشروعات عبر الوزارات والهيئات المدنية المختصة.
وعامًا تلو الأخر، اتسعت دائرة نشاط الجهاز على مساحات شاسعة من الأراضي المصرية، سواء في الصحراء الغربية أو الشرقية، شمالًا وجنوبًا، وتركز هذا التوسع بصورة أساسية في منطقة "الدلتا الجديدة" قرب الضبعة، قبل أن يمتد جنوبًا ليشمل أراضي في الصحراء الغربية والمنيا وبني سويف وأسوان والداخلة والعوينات، وشرقًا إلى شمال ووسط سيناء.
نموذج المركز الاقتصادي الجامع
تشير مسودة مشروع القانون إلى جملة من الدلالات العميقة التي تتصل بطبيعة العلاقة بين الدولة والاقتصاد، وبين الاقتصاد والأصول الاستراتيجية، وبين هذه الأصول وحق الشعب في ملكيتها والرقابة عليها.
وتتمثل أولى هذه الدلالات في أن جهاز "مستقبل مصر" قد ينتقل من كونه جهة اقتصادية ذات ارتباط بالمؤسسة العسكرية إلى كيان سيادي تابع مباشرة لمؤسسة الرئاسة، بما يمنحه موقعًا أكثر مركزية في إدارة جزء معتبر من الأصول والأنشطة الاقتصادية داخل الدولة.
وبدلًا من اقتصار دوره على ملفات الزراعة والتنمية الصناعية واستيراد السلع، كما عُرف منذ نشأته، يبدو أن المشروع يتجه إلى توسيع اختصاصاته ليصبح سلطة اقتصادية أشمل، قادرة على استيعاب أراضٍ وشركات مملوكة للدولة، وإدارة مناطق تنمية مستدامة، والدخول في قطاعات اقتصادية متعددة تتجاوز نطاقه التقليدي.
ويكرس هذا التحول نموذج "المركز الاقتصادي الجامع"، أي نقل إدارة قطاعات وأصول استراتيجية إلى كيان واحد يتمتع بمرونة قانونية وإدارية واسعة، ويتبع مباشرة رئاسة الجمهورية، وهو ما يعني عمليًا أن الجهاز سيكون خارج كثير من الأطر البيروقراطية والرقابية التقليدية، وأن السلطة الأعلى عليه ستكون مؤسسة الرئاسة.
التخارج الاقتصادي.. عكس الاتجاه
في الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة المصرية أنها ماضية في سياسة التخارج من بعض الأنشطة الاقتصادية، وفتح المجال أمام القطاع الخاص لتعزيز المنافسة ودعم النمو، استجابةً لمتطلبات البرنامج الإصلاحي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، يأتي هذا المشروع ليطرح تناقضًا جوهريًا مع هذا التوجه المعلن.
فبدلًا من تقليص حضور الدولة في السوق، يمنح المشروع كيانًا سياديًا تابعًا لرئاسة الجمهورية قدرة واسعة على التغلغل في قطاعات اقتصادية متعددة، والحصول على قدر وازن من الأصول الاستراتيجية المملوكة للدولة، وهو ما قد يمنح هذا الكيان أفضلية مؤسسية وقانونية مقارنة بباقي الفاعلين الاقتصاديين، ويؤدي عمليًا إلى تعزيز هيمنة الدولة على الاقتصاد بدلًا من تقليصها.
ومن هنا يبرز التناقض الأساسي بين خطاب توسيع مساحة القطاع الخاص من جهة، وإعادة تجميع أصول وصلاحيات اقتصادية واسعة داخل كيان يتمتع بامتيازات خاصة من جهة أخرى، فالمسألة لا تتعلق فقط بإعادة تنظيم إداري لجهاز قائم، بل بإعادة تمركز جزء مهم من الاقتصاد داخل بنية سيادية ذات صلاحيات واسعة، بما يفتح الباب أمام تساؤلات حول جدية التخارج، وعدالة المنافسة، وحدود الدور الاقتصادي للدولة.
تكافؤ الفرص والمنافسة.. أبرز المخاوف
بحسب ما نشرته وكالة "رويترز"، تتضمن مسودة مشروع القانون إعفاءات واسعة للمشروعات التي يتولاها جهاز "مستقبل مصر" من عدد من القواعد المنظمة لعمل الدولة والقطاع العام، من بينها قوانين الخدمة المدنية والمشتريات الحكومية وقواعد الشركات العامة، وهو ما يعني منح الجهاز أفضلية نسبية مقارنة بغيره من الشركات والجهات الاقتصادية، بما قد يخل بمبدأ تكافؤ الفرص ويمنحه وضعًا استثنائيًا داخل السوق.
وعلى جانب آخر، تشير المسودة إلى تحصين عقود الجهاز من معظم الطعون القانونية، وهو ما يثير إشكالية أكثر حساسية، فمثل هذا التحصين قد يعني الحد من قدرة الأطراف المتضررة أو الجهات الرقابية على الطعن في العقود، حتى في الحالات التي قد تثار فيها تساؤلات بشأن شروط التعاقد أو مدى عدالتها أو توافقها مع قواعد حماية المال العام.
وتكمن خطورة هذا الأمر في أن أصول الدولة، بطبيعتها، ليست مجرد موارد إدارية قابلة للنقل أو التخصيص، بل هي ملكية عامة يفترض أن تخضع لأعلى درجات الرقابة والشفافية، ومن ثم، فإن تحصين العقود، إذا لم تصاحبه ضمانات واضحة للمراجعة والمساءلة، قد يفتح الباب أمام مخاوف جدية من إبرام تعاقدات بشروط غير متوازنة، أو تمرير ترتيبات اقتصادية لا تحقق أفضل عائد ممكن للدولة، لذلك يمثل هذا البند أحد أكثر جوانب المشروع إثارة للجدل، لما يحمله من تأثير مباشر على حماية الأصول العامة وثقة المجتمع في إدارة المال العام.
الرقابة البرلمانية.. علامة استفهام
من بين المسائل الأكثر إثارة للجدل في مسودة مشروع القانون، ما تضمنته من السماح بنقل أصول مملوكة للدولة أو حصصها إلى جهاز "مستقبل مصر" عبر قرارات تنفيذية مباشرة، دون الحاجة إلى موافقات برلمانية مستقلة في كل حالة، وهو ما يعني أن قرارات نقل الأصول، حال تمرير المشروع بصيغته المتداولة، قد تتم من خلال مسار إداري وتنفيذي، حتى وإن جرى تقديمها باعتبارها قرارات مدروسة، لكنها تبقى بعيدة عن الرقابة البرلمانية المباشرة.
وتفتح هذه النقطة نقاشًا واسعًا حول حدود سلطة الحكومة في التصرف في المال العام، وحجم الدور الذي ينبغي أن يمارسه البرلمان في مراقبة نقل أصول الدولة أو إعادة تخصيصها، فالأمر لا يتعلق بمجرد تنظيم إداري أو نقل تبعية مؤسسية، بل يمس جوهر ملكية عامة يفترض أن تخضع لأعلى درجات الشفافية والمساءلة.
وتزداد حساسية هذا الملف لدى الشارع المصري بالنظر إلى التخوف التقليدي من القرارات الفردية التي تُتخذ بعيدًا عن رقابة البرلمان، حتى مع وجود انتقادات واسعة لأداء المؤسسة التشريعية نفسها واتهامها بغلبة الموالاة وتمرير معظم مشروعات القوانين الحكومية، غير أن المسألة هذه المرة تبدو أكثر حساسية، لأنها تتعلق بالمال العام وأصول الدولة، لا بمجرد ترتيبات إدارية عابرة، وهو ما يجعل أي تقليص للدور الرقابي البرلماني مثار قلق وتساؤل.
أصول الدولة.. أي مصير محتمل؟
شهدت الساحة المصرية خلال السنوات الأخيرة موجة واسعة من بيع أو طرح أصول مملوكة للدولة أمام مستثمرين مصريين وأجانب، شملت بعضها أصولًا ذات أهمية استراتيجية ومحورية، وجاء هذا التوجه في سياق محاولات الحكومة سد فجوات التمويل، وتوفير العملة الصعبة، والتعامل مع الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد.
وبالتوازي مع هذه الموجة، تصاعدت مخاوف قطاعات واسعة من المصريين والخبراء من تداعيات هذه السياسة على ثروات الدولة ومقدراتها، خاصة في ظل التخوف من أن يؤدي التوسع غير المنضبط في التصرف بالأصول العامة إلى إضعاف قدرة الدولة مستقبلًا على امتلاك أدوات اقتصادية استراتيجية، ومن هنا برزت مطالب بضرورة ضبط هذا المسار، ووضع ضوابط أكثر صرامة تضمن حماية المال العام، بدلًا من الانفتاح الواسع على بيع الأصول أو إعادة تخصيصها دون رقابة كافية.
واليوم، وبحسب مسودة مشروع القانون المتعلق بتحويل جهاز "مستقبل مصر" إلى صندوق سيادي تابع للرئاسة، يتمتع بصلاحيات واسعة في إدارة أصول الدولة واستثمارها، مع مرونة قانونية وإدارية وتحركات محصنة نسبيًا في عقودها، تتجدد المخاوف بشأن مستقبل الأصول العامة.
فالقضية لم تعد مرتبطة فقط ببيع أصول قائمة، بل بإعادة هيكلة طريقة إدارتها ونقلها واستثمارها داخل كيان واسع الصلاحيات، وهو ما يثير قلقًا متزايدًا من احتمالات استنزاف مقدرات الدولة عامًا بعد آخر إذا لم تصاحب هذا التحول ضمانات واضحة للشفافية والرقابة والمساءلة.
أداة فعالة لتجاوز البيروقراطية
في مقابل هذه المخاوف، يرى البعض أن الصندوق السيادي المزمع تدشينه يمكن أن يمثل أداة فعالة لتسريع تنفيذ المشروعات الكبرى، وإدارة أصول الدولة بصورة أكثر عملية وكفاءة، بعيدًا عن البيروقراطية التي كثيرًا ما تُتهم بتعطيل المشروعات وإبطاء دورة اتخاذ القرار.
ويذهب أنصار هذا الرأي إلى أن إنشاء الصندوق الجديد، مع تبعيته المباشرة لرئاسة الجمهورية، قد يساعد في تحسين إدارة الأراضي والأصول غير المستغلة، وتحويلها إلى موارد اقتصادية منتجة تحقق عوائد أكبر للدولة.
كما يرون أن تجميع هذه الأصول داخل كيان مركزي واسع الصلاحيات يمكن أن يعزز قدرة الحكومة على تنفيذ خطط التنمية، وتعظيم الاستفادة من ممتلكات الدولة، بما يخدم أهدافها الاقتصادية والاستثمارية المعلنة.
في المحصلة، لا يزال المشروع قيد الدراسة والعرض على البرلمان، ورغم أنه قد يمثل تحولًا نوعيًا في علاقة الدولة بالاقتصاد، من خلال تقليص البيروقراطية وتعظيم الاستثمار في أصول الدولة غير المستغلة، فإنه في المقابل ينطوي على مخاوف شعبية مشروعة وتساؤلات واسعة بشأن مستقبل الأصول العامة، واحتمالات الاحتكار، ومعايير النزاهة والشفافية، وعدالة المنافسة، وضمانات حماية ثروات الوطن.
ومن هنا، تبدو مناقشة المشروع داخل البرلمان اختبارًا مهمًا لمدى قدرة المؤسسة التشريعية على التعامل بجدية مع هذه الهواجس، لا باعتبارها اعتراضات سياسية فقط، بل بوصفها أسئلة جوهرية تتعلق بالمال العام وحقوق الأجيال القادمة. ويبقى السؤال الأهم: هل يراعي البرلمان هذه المخاوف عند مناقشة المشروع، أم يمرره بصيغته الحالية دون ضمانات رقابية كافية؟