08-مايو-2022
راكضة في المملكة المتحدة (Getty)

راكضة في المملكة المتحدة (Getty)

هؤلاء الذين يركضون يوميًا للمحافظة على رشاقة أجسامهم، هم دعاة متحمسون، وحملة رسالة للاجتماع والمحيط. يريدون القول دائمًا وفي كل لحظة، إنهم يملكون وقتًا للعناية بأجسامهم وإخراجها من خانة الترهل واحتمال المرض.

ثمة صناعة أجسام منتشرة في أرجاء العالم، ويشرف عليها جهاز طبي لا يكف عن التطلب. ولو حصل أن السنين أصرت على إظهار آثارها على أجسام من يهتمون بسلامة دواخلهم وأحشائهم، يتدخل الجهاز الطبي لإجراء جراحات تعيد ملاسة الجلد، وتخفي تجاعيده

هذا الخطاب الحاد ليس خطابًا متعلقًا دائمًا برغبتهم في إثارة إعجاب الآخرين بما آلت إليه أجسامهم. إنه أيضًا، وأساسًا، إعلان انتماء إلى فئة من الناس تصنع بينها وبين الفئات الأخرى المستسلمة لصروف الحياة وتدابير العيش حدودًا لا يمكن تجاوزها. هؤلاء لا يغوون بأجسامهم، بل يعرضون ملكيتهم لها. هذه الأجسام التي تُنحت كل يوم بالعرق والجهد واللهاث، هي رأسمال اجتماعي يمكّن أصحابها من الدخول في طبقة من يفترضون أنهم نجوا من عوادي اليوميات ويبذلون جهودهم المضنية للنجاة من الزمن أيضًا. في حين أن أولئك المستسلمين إلى صروف الأيام ونوائبها ومشاغلها، هم الذين ارتضوا أن يبقوا معرضين للوقت وفوضاه. وتاليًا ليس لديهم أي نوع من السلطة التي يملكها الأولون على دواخل أجسامهم. يكتفون من العلاقة بأجسامهم بإشباع البطون والجفون والأعضاء التناسلية. في حين أن الأولين مجدّون في مراقبة قلوبهم ورئاتهم وأمعائهم وعضلاتهم وكل ثنيات أجسامهم. والفارق الموحي بين الفئتين هو حجم الجسم الطبي -الجمالي الذي يهتم بمراقبة أنفاس الأولين وتنظيم دقائقهم وساعاتهم ويومياتهم، ويهمل الأخيرين بصفتهم لا يملكون ترف إنفاق اوقاتهم الضيقة على مراقبة أحشائهم.

لكن هذا التقسيم الطبقي الجديد لا يفترض أن يلهينا عن تقرير حقيقة أن الطبقة الناجية، إذا صحت التسمية، تقبل في عدادها الشباب والفتوة. فالأجسام الفتية هي أجسام ناجية إلى أمد، وعليه يمكنها الدخول في عداد هذه الطبقة من دون أن تبذل جهدا أو تنفق مالا لأجل هذا الأمر. إنما وعلى نحو ما فإن هذه الفئة الفتية تعرف جيدًا أن خروجها من هذه الطبقة محتوم وأكيد ما أن تتجاوز الأجسام عمر فتوتها، وتدخل في الكهولة على أي وجه. سواء كان الدخول بسبب تقدم في السن أم بسبب ترهل في الجسم نتيجة الإفراط في معاقرة الحياة ومتعها السهلة التناول.

ثمة صناعة أجسام منتشرة في أرجاء العالم، ويشرف عليها جهاز طبي لا يكف عن التطلب. ولو حصل أن السنين أصرت على إظهار آثارها على أجسام من يهتمون بسلامة دواخلهم وأحشائهم، يتدخل الجهاز الطبي لإجراء جراحات تعيد ملاسة الجلد، وتخفي تجاعيده، وتعيد تكوير المنحنيات وتدوير الخصور وتضميرها. على هذا لا يخرج الكهل الخاضع لسلطة الجهاز الطبي من الطبقة الناجية، فالجراحات التجميلية قادرة على تصنيم جسمه ووقف تحولاته لفترة من الزمن، تكاد تعادل في طولها فترة الشباب.

هذا السعي المفرط في تطلبه مكلف على الصعد كافة. فهو يشترط حميات غذائية بالغة التعقيد والرفاه، ووقتًا طويلًا لإنفاقه في العناية بالجسم وجلده، وأموالًا طائلة يتم إنفاقها لقاء خدمات الجهاز الطبي والتجميلي. وهذا كله بلا شك ليس في إمكان كل الناس، فالكثرة الكاثرة من الناس تضطر للعمل ساعات طوال يوميًا، ولا تجد وقتا لإنفاقه في التفتيش على المواد الغذائية التي ينصح بها الجهاز الطبي، وهي غالبًا لن تستطيع إنفاق مداخيلها الضئيلة على جراحات تجميلية تبدو لها بلا هدف. وتاليًا فإن هؤلاء يسلمون أمر مستقبلهم ومصائرهم إلى طبيعة أجسامهم وقدرتها على مقاومة الوقت، وإن حدث أن هزمت باكرًا في معركتها مع الوقت فإن ذلك يعني خروج أصحابها من السباق برمته.

هذا من جهة الكثرة الكاثرة، أما القلة التي تستطيع العناية بأجسامها فإنها تفترض أن قدرتها على السيطرة على الزمن متاحة وممكنة. لكنها في معركتها مع الزمن تنفق أزمانًا كثيرة متفرقة لمحاربة الزمن نفسه. كما لو أن كل ما تفعله لا يتعدى الرغبة بإشهار نجاتها، ودفع الطبقة الأدنى إلى الشعور بالخسارة وتنمية الحسد.

ينقسم العالم إلى طبقتين واضحتي الحدود، طبقة الأصحاء الذين يملكون تصاريح طبية تفيد بخلوهم من أمراض المستقبل، وطبقة الذين يمكن دعوتهم بمرضى المستقبل

العالم اليوم ينقسم إلى طبقتين واضحتي الحدود، طبقة الأصحاء الذين يملكون تصاريح طبية تفيد بخلوهم من أمراض المستقبل، وتظهر سلامتهم على أجسامهم الرشيقة. وطبقة الذين يمكن دعوتهم بمرضى المستقبل، أي أولئك الذين سيقعون فرائس الأمراض والأوبئة في المقبل من الأيام، ويمكن التعرف إلى هؤلاء المرضى المستقبليين من معاينة أجسامهم المترهلة ومراقبتهم وهم يلتهمون وجباتهم على عجل ليتسنى لهم سد خلة الجوع قبل عودتهم إلى أعمالهم المتراكمة.

يمكننا اليوم معاينة طبقتي العالم الكبيرتين في شوارع المدن. وفي هذه الشوارع تحديدا يمكننا الحدس بأن صراعًا خفيًا يدور بين الجانبين، والأرجح أن هذا الصراع هو أحد أسباب العدوانية التي تتفشى في مدن العالم اليوم.