أشرف مروان.. كيف تجاهلت إسرائيل جاسوسها الأثمن؟

أشرف مروان.. كيف تجاهلت إسرائيل جاسوسها الأثمن؟

اعتبر الموساد "أشرف مروان" أفضل مصادره على الإطلاق، حيث كان رئيس الجهاز تسفي زامير عادةً ما يلتقيه وجهًا لوجه لاستخلاص المعلومات منه

لقد كان أفضل جاسوس جنده الموساد على الإطلاق، من السيئ بالنسبة للإسرائيليين أنهم لم يستمعوا إليه. علاوةً على ذلك، سبّب نزاعًا داخل إسرائيل حول سبب تجاهله إلى وفاته. لكن الإسرائيليين لم يكونوا عملاءه الوحيدين؛ باع ذلك المصدر خدماته أيضًا إلى السعودية.

اعتبر الموساد "أشرف مروان" أفضل مصادره على الإطلاق، حيث كان رئيس الجهاز تسفي زامير عادةً ما يلتقيه وجهًا لوجه لاستخلاص المعلومات منه

كان أشرف مروان زوج ابنة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وأصبح بعد ذلك مستشارًا هامًا لخليفة عبد الناصر أنور السادات. في عام 1970 اتصل مروان بالسفارة الإسرائيلية في لندن وعرض العمل لصالح المخابرات الإسرائيلية. اعتبره الموساد أفضل مصادره على الإطلاق، حيث كان رئيس الجهاز تسفي زامير عادةً ما يلتقيه وجهًا لوجه لاستخلاص المعلومات منه.

اقرأ/ي أيضًا: ما الذي سيحدث إذا انسحبت كلينتون من الانتخابات؟

يسلط كتابٌ جديد لخبير الاستخبارات الإسرائيلي أوري بار-جوزيف الضوء على قصة "الملاك"، وهو الاسم الكودي لمروان، بكل تفاصيلها. إنها قصة تجسس على أعلى مستوى. أمد "الملاك" إسرائيل بالتنظيم القتالي للقوات المسلحة المصرية بالكامل وخطط مصر الحربية لمهاجمة إسرائيل عبر قناة السويس. كما كان يبلغ باستمرار بتفاصيل لقاءات السادات مع القادة السوفيت ويرسل لحظة بلحظة تقارير عن شحنات الأسلحة السوفيتية إلى القاهرة.

لكن خبراء الاستخبارات العسكرية الإسرائيليين في شعبة الاستخبارات العسكرية، والتي كانت مسؤولة حصرًا عن وضع التقديرات الاستخباراتية حول ما إذا كانت مصر سوف تدخل الحرب، كانوا مقتنعين أن السادات لن يخاطر. كان لدى الاستخبارات العسكرية مفهومًا للتخطيط الحربي. في ذلك المفهوم، لا يمكن لمصر هزيمة إسرائيل بسبب تفوق إسرائيل الجوي الساحق، والذي كان القادة المصريون يدركون أنه يجعل الحرب انتحارية، وبالتالي فإن السادات لن يهاجم.

لكن "الملاك" أبلغ إسرائيل عام 1972 أن السادات يعتقد أنه ليس لديه خيار سوى الدخول في حرب لأن إسرائيل تغلق كل سبل الدبلوماسية. علاوةً على ذلك، كان السادات يخطط لحربٍ محدودة لكسر الجمود، لا لصراعٍ واسع النطاق. كان المفهوم غير ذي صلة.

حينذاك، في آب/أغسطس 1973، أبلغ مروان زامير أن السادات قد سافر إلى السعودية للقاء الملك فيصل. أبلغ السادات فيصل، في لقاءٍ لم يحضره سوى السادات وفيصل ومروان، أنه سوف يهاجم إسرائيل مع سوريا في خريف ذلك العام. وعد فيصل السادات بأن المملكة سوف تفرض حظرًا للنفط على الولايات المتحدة إذا أعادت إمداد إسرائيل. كان حظر النفط هو سلاح العرب الأقوى على الإطلاق.

كما كان أيضًا كابوس الولايات المتحدة. حسب تلك الرواية، شارك الإسرائيليون فحوى تقارير "الملاك" مع إدارة نيكسون. على ما يبدو فإن وزير الخارجية هنري كيسنجر تجاهل التحذير بأن سلاح النفط كان يتم إعداده للاستخدام. أظهرت تقارير أخرى أن ذلك لم يكن التحذير الوحيد الذي تجاهله كيسنجر.

اقرأ/ي أيضًا: السودان وإسرائيل.. المصالح المشتركة للأعداء

في تلك الأثناء، رفض الجنرالات الإسرائيليون التخلي عن مفهومهم. عندما كانت سحب الحرب تتجمع في أكتوبر 1973، أصرت شعبة الاستخبارات العسكرية على أنه ليس هناك ما يدعو للقلق. أقنعت الشعبة وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان أن الحرب ليست على وشك الاندلاع. حتى عندما بدأ الروس إجلاءً طارئًا ضخمًا لمستشاريهم المدنيين من مصر وسوريا، قال رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية إيلي زعيرا إنه لا يوجد سبب لتوقع اندلاع الحرب.

قبل يومٍ من هجوم السادات، استدعى "الملاك" زامير على نحوٍ طارئ إلى لندن، ليخبره أن الهجوم قادم في السادس من أكتوبر 1973، الموافق ليوم كيبور في إسرائيل. فقط في صباح اليوم التالي بدأت إسرائيل الحشد. وإذا استمع الجيش لمروان في الأشهر التي سبقت أكتوبر، كان ليكون أكثر استعدادًا بكثير. كونه في اللحظة الأخيرة، ربما يكون التحذير الآتي من لندن قد أنقذ إسرائيل من خسارة هضبة الجولان وفاجعةٍ أسوأ مما حدث بالفعل.

لماذا فعل ذلك؟ لماذا يخون مصري يبلغ من العمر 29 عامًا عام 1973 ومتزوج من ابنة أعظم بطل في بلادِه بلادَه لصالح غريمها الأكبر؟ كانت الأموال جزءًا من الأمر. دفع الموساد لمروان ما يفوق المليون دولار، ما ساعده على أن يصبح رجلًا شديد الثراء. كانت الأنا جزءًا أيضًا. بصفته "الملاك"، كان مروان اللاعب الرئيسي في أخطر صراعات العالم، وقد استمتع بالإثارة التي حملها ذلك الدور.

توضح رواية بار-جوزيف الآسرة أن الموساد لم يكن الجهاز الوحيد الذي يدفع لمروان، حيث رأته المخابرات السعودية كعامل نفوذ مفيد في القاهرة. ربما دفع رئيس مخابرات فيصل وزوج ابنته، كمال أدهم، لمروان مبلغًا يفوق حتى ما دفعه الموساد في عقودٍ مغرية وصفقاتٍ أخرى. كان وجود مروان بقمة أغسطس المحورية انعكاسًا لثقة السعودية به. السعوديون، بالطبع، لم يكن لديهم أي فكرة عن كونه عميلًا إسرائيليًا. لكن الإسرائيليين كان لديهم مصدرٌ على علاقةٍ بالعائلة المالكة، وهو انقلابٌ كبير.

بعد الحرب، انخرطت وكالات الاستخبارات الإسرائيلية في حربٍ أخرى حول من ينبغي أن يتحمل مسؤولية الكارثة التي سببها تجاهل التحذير في أكتوبر 1973. إذا كانت الحروب بين الجواسيس مميتة، فإن الحروب بين الجواسيس السابقين على تحمل المسؤولية هي أكثر فتكًا. حاول زعيرا بكل جهده تشويه "الملاك" كعميلٍ مزدوج ذكي بعد تقاعده، لتبرئة شعبة الاستخبارات العسكرية من إهمالها الخطير. بالتدريج، نشر زعيرا تفاصيل بشأن أكبر عملاء الموساد إلى الإعلام، والتي كانت تشير إلى أشرف مروان، حتى إن زامير حاول منعه من اللجوء إلى المحكمة.

بحلول عام 2007 كان الوقت قد تأخر للغاية. سقط مروان، أو تم دفعه، ليلقى حتفه من شرفة منزله بلندن. كان التحقيق الذي أجرته سكوتلاند يارد لا مباليًا، حيث استنتجوا أن الأمر كان انتحارًا أو قتلًا من قِبل مصادر مجهولة.

بالنسبة للموساد، كان كشف أفضل مصادر الجهاز على الإطلاق من قِبل ضابط استخبارات إسرائيلي زميل كارثةً لن تمحى. سوف يكون على أي متعاون مستقبلي أن يفكر طويلًا وبعمق بشأن ما إذا كان الموساد يستطيع الحفاظ على سر.

نشر المقال السابق على موقع ذا ناشونال انترست في الخامس من سبتمبر، عن كتاب الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل الصادر عن دار نشر هاربر كولنز في أغسطس من العام الجاري.

اقرأ/ي أيضًا: 

هل بدأت إسرائيل بتحضير بديل للسلطة الفلسطينية؟

ترامب يلحق بكلينتون في استطلاعات الرأي