"أسوَد" يوسف عبدلكي.. الرسم لعبة شطرنج

يوسف عبدلكي في هامبورغ (ألترا صوت)

تخوض لوحة الفنان السوري يوسف عبدلكي صراعًا مع الفيزياء، انطلاقًا من عدم قبولها لقوانينه أو شروطه، فليس الأسود بالضرورة حصيلة اجتماع كلّ الألوان، كما أن الأبيض ليس حصيلة غيابها، إنما من هذين اللونين، وما يمثّلانه من غياب الألوان وحضورها، يمكن الرهان على أنّ عيون المتلقي سوف تمدّ اللوحات بالألوان كلها، دون أن يشعر أنه وقّع عقد شراكته مع هذه الأعمال لا بعيونه وحسب، بل بخيالهما.

لوحات يوسف عبدلكي مرثيّات بصرية، تتصل بمعاناة الأحياء مع الموت، بمن كُتِب عليهم الانشغال بآثار الموت أكثر مما كُتِب عليهم الموت نفسه

مع ذلك، اللون الوحيد في أغلب الأحيان هو الأسود. سواده قادم من أقلام الفحم المستعملة في الرسم، أما البياض فآتٍ من عمل الممحاة التي تعمل بدأب لا يقل عما تفعله الأقلام، فحيث تبدو أنها تفتح ثغرات في بياض الورق، غير أنها في الحقيقة تعيد رسم الفحم مرّةً ثانيةً، لا رسم ما يرسمه فقط.

اقرأ/ي أيضًا: كهف تمّام عزّام

في معرض غاليري "صفير – زملر" في هامبورغ الألمانية، الذي يحمل عنوان "أسود"؛ اللوحات الجديدة المشغولة بأناة متصوّف تكاد تنطق، لا تخرج عن الأجواء التي باشرها هذا الفنان منذ تسعينات القرن الفائت في تعاطيه مع الطبيعة الصامتة، لكنّ الجديد فيها هو الموت، أو ظلاله، لا سيما في اللوحات التي تتصل بالحدث السوريّ.

يمكن القول إننا في خضم تجربة، سارت في رسم الطبيعة الصامتة من رسم حياة صامتة في لقطة ما، إلى رسم موت صامت. بحيث يمكن القول إنها طبيعة ميتةٌ. هذا ما نراه في موت الكائنات: الأسماك الميتة، والطير المذبوح، والحشرات التي تعرضت إلى التعذيب، وصولًا إلى موت البشر.

في ديوانه "أوراق الغرفة 8"، أعطانا الشاعر أمل دنقل حلًّا ذهبيًّا لارتباط الأسود في وعينا بالحداد، حين اعتبره "لون النجاة من الموت"، أي اللون الذي يخصّ الأحياء الذين يثقلهم عبء الموت، فيما لون الموت نفسه هو الأبيض: شراشف المستشفيات، وأردية الأطباء والممرضات، وأقراص الدواء، والأكفان.

أم السجين

ضمن هذا المسار، لوحات المعرض مرثيّات بصرية، تتصل بمعاناة الأحياء مع الموت، بمن كُتِب عليهم الانشغال بآثار الموت أكثر مما كُتِب عليهم الموت نفسه. ففي لوحة "أم الشهيد"، وهي لوحة تقف فيها امرأة متشحة بالسواد أمام قبر كتب على شاهدته: "الفاتحة. هنا ضريح المرحوم الشاب محمد سعيد عبد الرحمن الشهبندر. توفي ظهر الجمعة 10 جمادى الآخرة 1433، الموافق 13 أيار 2011". رسالة اللوحة الأولى في المرأة نفسها، من حيث كونها أمًّا ثكلى، تقاسي غياب ابنها الذي سقط شهيدًا في أحداث الثورة السورية. لكنّ الرسالة الأخرى تأتي من شاهدة القبر التي تشير إلى اسمين، الأول هو الشهيد محمد الذي سقط في إحدى جُمع الثورة كما يقول تاريخ وفاته، والثاني هو الجدّ عبد الرحمن الشهبندر، السياسي السوري الذي قضى اغتيالًا خلال نضاله لأجل انتزاع الاستقلال السوري بلا شروط من الفرنسيين، وترك لنا واحدة من أهم المذكرات عن حقبة العشرينات.

اقرأ/ي أيضًا: منذر جوابرة.. عودة إلى دفتر الانتفاضة

على هذا النحو، سنحمل نحن المشاهدين عبء الموتين معًا، فكلاهما سقط شهيدًا. كما سنرى الزمن السوري زمن موتٍ يدور في دائرة ترسمها الحرية. وعلى هذا النحو، لا الموت جديد ولا الحرية، الجديد هو الأسى المشتعل في أعماق من سيحملون شقاء هذا الفقدان.

تلوح في البعيد وشائج بين لوحة عبدلكي والشطرنج. يأتي ذلك من الألوان والأفكار. وحين تعرف أن اللعبة تمثّل للفنان علاقة شخصية ستغدو اللوحات تشكيلًا للحياة على مثال المربعات، التي لا نعرف هل كانت خلفيتها سوداء رسمت فوقها مربعات بيضاء، أم العكس، بذات الطريقة التي لا نعود نعرف فيها هل رَسَمَ بالفحم الأسود على ورقة بيضاء، أم رسم بالممحاة على أوراق مطلية بالفحم الأسود!

الشطرنج برنامج كامل، تقنية وفكرة في رسم يوسف عبدلكي، ولطالما احتوت أعماله القديمة على رقع شطرنج

الشطرنج برنامج كامل، تقنية وفكرة في رسم عبدلكي، ولطالما احتوت أعماله القديمة على رقع شطرنج. كذلك احتوت لوحات الفحم على الورق العديد من الإدخالات لرقعة اللعبة في العديد من مشاهدها. هناك لوحة قديمة لطائر ميت فوقها، وهناك لوحة لمزهرية فوق رقعة شطرنج، وسواها الكثير.

 

أم الشهيد

في مسار اللوحات العام إعادة تشكيل لتلك المربعات مزجًا وخلطًا، أو إنشاءً جديدًا. ولكون اللعبة تقوم على منطق الربح والخسارة، فالانحياز صارم إلى جانب الخاسر، بل إنه يمكن النظر إلى ما تقدمه أعمال عبدلكي بوصفه خسارات، لا تتجلّى في منح بطولة المشهد ليس للخاسرين وحسب، بل لخساراتهم التي نراها ماثلةً أمامنا، في أشكال كثيرة، أكثرها وضوحًا أمهات مثكولات أمام قبور الأبناء، أو منكسرات أمام سجونٍ لا تنبي عن أية أخبار إلا الفقدان.

الخسارة تمحو كل ما عداها حينما تصبح حاملة لمعنى الوجود بالكامل. هكذا سيتوقف زمن الأمهات السوريات عند قبور الأبناء، أو أمام السجون، وسيعود السواد إلى معناه الأنثروبولوجي الأشد قسوة: الحداد، الذي يأتي كأقصى تمثيل لما تعنيه الخسارة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ديانا حلبي.. عيون في جنازات جماعية

فهد الحلبي.. فنان على الحافة