أسواق الكتب القديمة.. حياة في مكان آخر

أسواق الكتب القديمة.. حياة في مكان آخر

سوق الأزبكية (ألترا صوت)

الكتب القديمة البالية ذات الأوراق المهترئة لها مذاق خاص، ربما يكون السبب في ذلك أنها جزءٌ من ماض صارت هي أكبر شاهد عليه، وحاضر نأمل أن تشاركنا لحظاته، فتصبح كمنطقة مرنة نتحرك فيها وعليها متأرجحين بين وضوح الماضى وغموض المستقبل، فتحاول بها أن تجمع شوارد العمر لتربط السابق باللاحق، والإنسان إذا اعتاد شيئًا واعتاده شيء استكمالًا للمعادلة صارا أليفين، يتمنى كل منهما أن يشارك الثاني حياته وأن يصير كل منهما جزءًا من حياة الآخر، هكذا هي الكتب وأسواقها بالنسبة لعاشقيها، وأخص بذلك الكتب القديمة.

الكتب هي الصخرة التي تتحطم عليها فوارق الطبقات، حيث يزورها الغني والفقير

كثيرًا ما نتردد على أسواق الكتب الرابضة فى المناطق العتيقة والقديمة قدم المدن التي تقع فيها، والتي تتمتع دائمًا بالبساطة على عظيم ما تحتويه وتقتنيه من كتب، أو إن شئت فقل على كنوز من شتّى المعارف، كأنها بذلك أرادت أن توصل رسالة مفادها أن الكتب هي الصخرة التي تتحطم عليها فوارق الطبقات، فيزورها الغني والفقير والمعدم، لكن على اختلاف أشكالهم وألوانهم وأحوالهم جمعهم هذا العالم البسيط.

اقرأ/ي أيضًا: أكذوبة إحصاءات القراءة

ما إن تدخلها حتّى تجد الأكوام من تلك الكتب مرصوصة بجوار بعضها كما البنيان، فأضحت لكثرتها أعمدة تسد الأفق، تكوّن سحبًا رمادية كلون الورق ما إن تثقل بحملها حتّى تسقط عليك ما يفيض عنها تخفيفًا لثقلها ومساعدة منها إليك، فتمطر سماؤها مرة أدبًا ومرة فلسفة وتاريخ وعلوم طبيعية، ما تتخيله وما لا تتخيله، يترك لك المكان مساحة صغيرة تقف فيها بحسب ذلك الحيز الذى تشغله من رأسك فتقتطع منه حيزًا ما لوجودك، يمرّ الهواء فيها حاملًا معه رائحة تلك الورق، فتتسلل إلى جسدك لتملأ بها ثنايا روحك، مع درجة حرارة ثابتة صيفًا وشتاءً، ففي الصيف ينبعث منها هواء لطيف ترطب به حرارة الجو لزائريها، وفي الشتاء تتاشبك الكتب مع بعضها محاولة تخفيف برودة الجو، فتكون بمثابة غطاء تلقي به على عاتق كل من يدخل إليها.

بعدما تخطو خطواتك الأولى متجهًا إلى أول مكتبة تقابلك، ستشعر مع كل خطوة تخطوها نحو الأمام بأنك ترجع إلى الخلف حيث الماضي، فهذه الكتب الكثيرة الموجودة أمامك قطعة من ماضي بعيد تحمله بين يديك، كرضيع تحاول أن تهدهده بعد رحيل أمه عنه، ما إن تلمسه حتّي يرتد بك سريعًا إلى عصره الذي رأى النور فيه، يطلعك على سيرة حياته، كيف كان نبتة فى رأس صاحبه، ثم تحوّل إلى كلام منثور على الأوراق، جمعت تلك الأوراق وتعهدت إحدى دور النشر برعايته والتي تتراوح فى الأغلب ما بين "الهيئة العامة للكتاب" أو "قصور الثقافة"، ليخرج في شكله النهائي الذي تحمله بين يديك الآن، سيصف لك المحاولات المستميتة من دور النشر الكبرى في تحديثه واستغلاله والعبث به، أو إن شئت فقل ابتذال محتواه، واستخدامه كأداة لكسب الأموال غير عابئين بقيمته، ورغم كل ذلك لا يزال صامدًا يتحداهم، بدليل أن جمهوره لا يزال موجودًا، يأتون إلى تلك الأماكن باحثين عنه بين أكوام الكتب المكدسة، حتى إذا ما ظفروا به شعروا كأنهم حازوا كنزًا ثمينًا، لذا فهو مرتاح هنا، ولابد أن تكون أنت مرتاح أيضًا.

حينها تؤمن على مقولة نجيب محفوظ عندما قال: يباغتنا الحرمان فنهرع إلى الماضي، يقسو علينا الحاضر بمشاكله وآلامه وعندما يضيق بنا، يجرفنا الحنين إلى تلك الأماكن التي لا زالت تعبق بجمال الماضي، نذهب إليها نحاول أن نسكب فى أرواحنا بعضًا من جمالها. والكتب ذات الأوراق الصفراء البالية هي بضعة من هذا الجمال الذي نبحث عنه.

في تلك الكتب القديمة تجد قصصًا كاملة من حيوات الطبقات المختلفة التي يعج بها المجتمع 

الكتب القديمة هى كتب تبادلتها أياد كثيرة لا تدري كيف وصلت إلى هناك، ربما لو حاولت أن تبحث عن السبب لوجدت الكثير من الاحتمالات تتسارع وتتسابق إلى رأسك، أيمكن أن يكون صاحبها قد تخلى عنها لضائقة أو عوز؟ أم أنها أصبحت زائدة عن حاجته فأراد التخلص منها ليفسح مكانها لنزلاء جدد؟ أم يكون لا هذا ولا ذاك، ويكون السبب هو رغبة صاحبها أن يقاسمه غيره متعة وجدها بين دفتيه، فيخلد بذلك ذكره وذلك بعد أن يطبع اسمه على الصفحة الأولى من الكتاب مرفقة بتعليق أو توصية منه على الكتاب.

اقرأ/ي أيضًا: القارئ في اللانهاية

في تلك الكتب قصص كاملة من حيوات الطبقات المختلفة التي يعج بها المجتمع، تستطيع من خلالها أن تعرف طبيعة الأيادي التي تلمستها، أهي أيدٍ غليظة قاسية أو مهملة كانت تتعامل مع الكتاب بقسوة كقسوة الأيام، وهذا ما سينعكس سريعًا على الكتاب عندما ترى بقايا الطعام العالق بصفحاته، أم أنها أيادٍ تتعامل معها كما لو كانت شيئًا ثمينًا وغاليًا إن لم تكن كذلك بالفعل، فيقلب صفحاته برفق، فلا تجد صفحة مطوية طيًّا يفقدها جمالها، بل سترى كتابًا صفحاته ناصعة كما لم تمس من قبل.

بجانب معرفة نوعية الطبقات ستعرف نوعية العقليات التي تناولته أيضًا، أهي من أولئك الذين يحرصون على أن يذيلو الصفحات بملاحظات على ما قرأوه؟ أم من أولئك الذين لا يعبؤون بتلك الأمور؟ وسيوقعك القدر أيضًا بين براثن الأسماء التي حرص أصحابها أن يطبعوا بها كل صفحة، ربما كان السبب هو لحظة تجلّي ودروشة عاشها صاحب الكتاب بين صفحاته.

ستجد كتبًا حفلت صفحاتها بالعذابات التي تعرض لها الذين تداولوها، ستحمل كل صفحة لوحة تروي تفاصيل هذا المجتمع، لكنها لم تكن لوحة فنية لأن الفن بطبيعته جميل، وتتحول عذابات الكثيرين الذين عاشوا بين صفحاته إلى دموع جفت مع الأيام ولا يزال أثر الدمع موجودًا عليها، وعندما تنهي رحلتك وتقفل راجعًا ليس بالكتب فحسب، بل ترجع وأنت تحمل مأساة مجتمع بأكلمه استطاعت أن تنقله إليك مجموعة من الأوراق البالية.

فى حضرتها ستجد جيوشًا من الأرواح لتؤنسك، لتكتشف أنك حين تقرأ لا تقرأ سطورًا، بل تقرأ أرواحًا، وأن السطور تظل جافة مجدبة حتى تكاد أن تتفطر لقلة الناظرين إليها، وبتنقلك بين صفحاتها ممعنًا النظر فيها تعيد إليها الحياة، لتلتئم تلك التشققات وتجعل منها نهرًا جارفًا من المعاني والكلمات والأحداث والوقائع، لتنهل من معينها الصافي تروي به ظمأك وظمأها.

صارت الكتب بمثابة آلة الزمن التي تستطيع أن تنتقل بها بين الماضي والحاضر متى شئت

فتضطرها مع المران وإجبار العقل على الخضوع لحدود عالمها فتستحيل إلى أرواح، أقصد هنا روح كاتبها، سيخرج لك كاتبها من بين ثناياها ليجلس فى حضرتك، تحاوره وتناقشه فيما قرأت، عابرًا بذلك مواضى سحيقة، فصارت الكتب بمثابة آلة الزمن التي تستطيع أن تنتقل بها بين الماضي والحاضر متى شئت.

اقرأ/ي أيضًا: المكتبات في خلفيّة الصورة

تعود محملًا بتلك المآسي المتمثلة في شكل صفحات وكتب، والتي رغم خروجها من مكانها الذي ظلت فيه عشرات السنين يعبث به المارة، منهم من يكون لطيفًا معها أحيانًا، ومنهم من يشتد معها أكثر الأحيان ويكون السبب في الأغلب هي تلك المشاجرات الصغيرة التي تحدث بين صاحب المكتبة والمشتري للاختلاف على السعر، فتحمل هي غضب المشتري على البائع، بالإضافة إلى عمليات التنقل المستمر التي تخضع لها يوميًا بأمر من صاحب المكتبة، وبشرائك إياها ستجعلها تعيش حياة أكثر راحة واستقرارًا، فمعك ستوضع فى مكان ثابت لن تتحرك منه إلا في أوقات قليلة تتطلبها الظروف.

يقول أيمن العتوم: للكتب مذاق الخلود ونكهة من أمل، ولمسة من شجن، ورفة من عشق، نجوع فنقرأ، يباغتنا الحرمان فنهرع إلى القراءة، ويأكل الندم أصابعنا فنعيد ترميمها بتقليب صفحات كتاب استبقيناه فى ذاكرة حلوة لم تطل المكوث.

فقاوم شقاء حياتك، وألم نفسك، وعذابات روحك بالنظر إلى الكتب وبالأخص تلك الكتب المهترئة البالية، ستعيدك إلى ماضٍ حلو تتسلح بها ضد كآبتك، تبعث فيك تلك السطور المتناثرة طمأنينة لا تقاوم فتضحى مع الوقت صخرة صلبة تتحطم عليها كل آلامك، لا لشيء إلا لأن الكتب وأسواقها هي حياة في مكان وعالم آخر.

اقرأ/ي أيضًا:

عن دور النشر وكتبها المترجمة

هل نقرأ التاريخ؟