أسواق العصافير في الجزائر.. حكايات محلقة

أسواق العصافير في الجزائر.. حكايات محلقة

أسواق العصافير في الجزائر(الترا صوت)

بات من النادر أن نجد مدينة جزائرية لا تتوفر على سوق لبيع وشراء العصافير، تحظى باهتمام وإقبال الكبار والصغار، المتعلمين والمتسربين مدرسيًا، المتدينين وغير المتدينين، الأثرياء والفقراء، مما جعل من العصافير على اختلاف أصنافها هي الأخرى سوقًا وطنية تدرّ الملايين وتتحكم فيها جهات غير معروفة/ مرصودة، لكنها استطاعت أن تجعل منها حقيقة اجتماعية واقتصادية مكرّسة.

بات من النادر أن نجد مدينة جزائرية لا تتوفر على سوق لبيع وشراء العصافير

تجدر الإشارة إلى أنه ليس لحماة البيئة في الجزائر نفوذ كبير، لا في مؤسسات الدولة مثل البرلمان، حيث نلحظ قلة القوانين التي تحمي الحيوانات، منها العصافير، وإن وجدت مثل القانون الناظم لمواسم الصيد، فهي غير ناجعة ومعرضة للانتهاك يوميًا، ولا تهتم بها جمعيات المجتمع المدني حيث تتواجد خاصة في الأوراق والصالونات أكثر من عملها في الميدان.

اقرأ/ي أيضًا: "بوسعادة" الجزائرية.. كرم حار جدًا

في ظل هذا الواقع تتعرض أصناف معينة من العصافير للانقراض بسبب حرائق الغابات والصيد الوحشي، يأتي في مقدمتها الحسون البري المعروف جزائريًا بالـ"مقنين"، والذي يحظى بشعبية مدهشة حتى أننا نجد أكثر من أثر فني تناول جمالَه والتعلقَ به، من ذلك أغنية "يا المقنين الزين" للراحل محمد الباجي.

يعرف الشاب المقيم في الجزائر العاصمة الطريق إلى سوقي العصافير في "العقيبة" و"الحراش" أكثر مما يعرف الطريق إلى المسرح الوطني في "ساحة بور سعيد"، ويعرف الشاب المقيم في عنابة، 600 كيلومتر شرقًا، أبواب سوق "سطنبولي" للعصافير أكثر مما يعرف أبواب "سينما أفريقيا" وأبواب قصر الثقافة اللذين لا يبعدان عنه أكثر من مائة متر.

مساحة مفتوحة تتوسط المدينة وتحتضن عشاق العصافير باعة وزبائنَ في النهار، وتأوي صعاليك الليل بعد حلول الظلام. التقينا الشابين زين الدين ومحفوظ عند السلالم المؤدية إليها، واللذين يعكفان على إعداد مذكرة جامعية للتخرج من كلية علم النفس، تعمل على رصد السياقات التي أدت إلى هذا الارتباط العميق للجزائري بالعصفور، أو "الزاوش" كما يسمى شعبيًا.

يقول زين الدين: إن "أبرز معطىً توصلت إليه الدراسة، خارج البعد التجاري للظاهرة، هو الخواء الروحي الذي بات ينخر الجزائريين بعد مرحلة الإرهاب والعنف في تسعينيات القرن العشرين وجملة من السياسات والتحولات المتعسفة، مما برمج الإنسان الجزائري على الحاجة إلى الدفء والحنان، فتوجه أصحاب النزعة الرومانسية إلى تربية العصافير وأصحاب النزعة العنيفة إلى تربية الكلاب الشرسة".

اقرأ/ي أيضًا: "البليدة" الجزائرية.. مدينة الورود الساحرة

سوق العصافير هي مساحة مفتوحة تتوسط المدينة وتحتضن عشاق العصافير باعة وزبائنَ في النهار، وتأوي صعاليك الليل بعد حلول الظلام

تزامن دخول "الترا صوت" إلى سوق سطنبولي مع منتصف النهار، وهو الموعد الذي ينسحب فيه عدد كبير من الباعة إلى تناول الغداء في البيوت والعودة ما بعد العصر. عشرات الأطفال والشباب والكهول والمسنين يحملون أقفاصًا عادة ما تضم عصفورًا واحدًا. ولعلها من الفضاءات القليلة التي يمكننا أن نلحظ فيها تواجد الشرائح كلها دفعة واحدة بالإضافة إلى فضاء المسجد. علق الفتى شمسو، الذي يستفيد الكثيرون من خبرته في تربية العصافير خاصة في مرحلة التكاثر بالقول: "وحدهما المسجد والزاوش يوحدان الجزائريين، علينا أن ننظر إلى العصفور على أنه مخلوق محظوظ".

 

سمى لنا شمسو، الذي قال إنه يعرف السجن أكثر مما يعرف بيته، وقد دخله مرتين بسبب العصافير نفسها الأصنافَ المهيمنة على السوق والمجلوبة من المغرب والجزائر وإسبانيا والموزمبيق ومنها: "كوبلا بينقالا وحسون بوسعادة والكناري الإسباني والبيروش والموزاييك الأصفر والشردون الشرقي والمغني الأفريقي"، كما أطلعنا على الأسعار المتراوحة ما بين عشرة دولارات ومائة دولار.

وتفرض تجارة العصافير تجارة موازية تتعلق بأكلها وأدواتها وأدويتها، ويعد الشاب كريم بلدي، عضو "جمعية الإحسان للأشخاص بدون مأوى" الأبرز في هذه التجارة بسوق سطنبولي. يقول: "لدي أكل خاص بالببغاء وآخر خاصًا بالحسون وآخر خاصًا بالكناري، كما أبيع الأعشاش للتكاثر والأدوية الخاصة بالبطن والهواء والصدمة. إن العصافير كائنات حساسة مثلنا. أتمنى أن يحظى الأشخاص الذين لا يجدون مأوى بالعطف نفسه الذي تحظى به العصافير في الجزائر".

بعض الباعة في السوق يمارسون هذه التجارة تفرغًا وبعضهم هواية لملء الفراغ، لكنهم جميعًا يشتركون في حب العصافير، حتى أنهم يوصون الزبون عليها ويزوّدونه بالنصائح الواجبة في العناية بها كما يفعل أب مع صهره وهو يصحب ابنته إلى بيتها الجديد. يقول لنا عمي معمّر: "تدخل علاقتي بالعصافير عقدها الرابع، لا أذكر أنني بت ليلة واحدة من غير أن يكون عصفور في غرفتي، ولا تستغرب حين أخبرك أنني لازلت أذكر كل العصافير التي ربّيتها خلال هذه العقود الأربعة، أذكر ألوانها وأصواتها وأنسابها وأثمانها. لطالما سألت ربي أن يحشرني مع العصافير".

 

اقرأ/ي أيضًا:

أشياء تسكن الجزائريين.. "القديم لا نفرط فيه"

قصر الرومية بالجزائر.. قصة حب ملك أمازيغي