أسعار الغذاء العالمية عند أعلى مستوى منذ 2022.. الطقس والحروب يهددان الإمدادات
5 سبتمبر 2026
ارتفعت أسعار الغذاء العالمية في شهر آب/أغسطس إلى أعلى مستوياتها منذ أواخر عام 2022، في مؤشر جديد على عودة الضغوط إلى أسواق السلع الزراعية، وسط تزامن عوامل مناخية وجيوسياسية واضطرابات في حركة التجارة العالمية، وفق منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "فاو".
وبحسب مؤشر "فاو" لأسعار الغذاء، الذي يقيس التغيرات الشهرية في أسعار سلة من السلع الغذائية الأكثر تداولًا عالميًا، بلغ المؤشر 133.3 نقطة في آب/أغسطس، مرتفعًا من 130.8 نقطة في تموز/يوليو، ويُعد هذا أعلى مستوى للمؤشر منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2022.
الاتجاه الصاعد في الأسعار يحمل أهمية كبيرة، خصوصًا إذا استمرت العوامل التي تدفعه في الوقت نفسه، كالطقس المتطرف، واضطرابات الشحن، والحروب، كذلك ارتفاع مخاطر الإمدادات
ورغم الارتفاع، لا تزال الأسعار العالمية أقل بنحو 16.8%، أو قرابة 17%، من ذروتها القياسية المسجلة في آذار/مارس 2022، عندما أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى صدمة واسعة في أسواق الغذاء والطاقة والأسمدة والشحن.
الطقس يضغط على الإنتاج
جاء ارتفاع الأسعار في وقت تواجه فيه الزراعة العالمية ضغوطًا متزايدة بسبب الظروف المناخية القاسية. وأشارت "فاو" إلى أن موجات الحر والجفاف في أوروبا أثرت في توقعات إنتاج الذرة وبنجر السكر، إضافة إلى تأثيرها في إنتاج الثروة الحيوانية. كما أدى القلق من احتمال حدوث ظاهرة "إل نينيو" قوية إلى زيادة المخاوف بشأن إنتاج زيت النخيل والسكر في أجزاء من آسيا.
وتكتسب مخاطر "إل نينيو" أهمية خاصة بالنسبة للأسواق الزراعية، إذ يمكن أن تؤدي التغيرات في أنماط الأمطار ودرجات الحرارة إلى الإضرار بالمحاصيل في مناطق إنتاج رئيسية، ما يضغط على المعروض العالمي ويرفع احتمالات تقلب الأسعار.
وفي الهند، على سبيل المثال، تزامن ضعف الأمطار الموسمية مع اشتداد مخاوف "إل نينيو"، فيما أصبحت محاصيل رئيسية مثل القطن وفول الصويا والذرة والأرز في مراحل نمو تحتاج إلى كميات كافية من المياه. وقد يؤدي استمرار نقص الأمطار إلى انخفاض الإنتاج وزيادة الحاجة إلى الواردات، مع انعكاسات محتملة على تضخم أسعار الغذاء.
الحبوب في أعلى مستوى منذ أكثر من عامين
كان قطاع الحبوب أحد أبرز محركات الارتفاع في آب/أغسطس، إذ صعد مؤشر "فاو" لأسعار الحبوب 2.2% على أساس شهري، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ أيار/مايو 2024.
وتتزامن هذه الزيادة مع اضطرابات في تجارة الحبوب القادمة من منطقة البحر الأسود، التي تعد من أهم مناطق التصدير العالمية للقمح والذرة وغيرها من المحاصيل.
وقالت "فاو" إن تصاعد الهجمات في البحر الأسود أدى إلى تقليص شحنات الحبوب من روسيا وأوكرانيا، في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، الأمر الذي يزيد المخاوف بشأن انتظام الإمدادات العالمية. لكن ارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة أن العالم يواجه نقصًا فوريًا في الغذاء، إذ لا تزال تقديرات الإنتاج العالمي عند مستويات تاريخية مرتفعة نسبيًا.
خفض توقعات الإنتاج العالمي
في تقرير منفصل، خفضت "فاو" توقعاتها لإنتاج الحبوب العالمي في عام 2026 بمقدار 3.4 ملايين طن مقارنة بتقديرات تموز/يوليو، لتصل إلى 2.980 مليار طن. وبذلك أصبح الإنتاج المتوقع أقل بنحو 2% من مستوى عام 2025، وهو أكبر انخفاض سنوي منذ عام 2018. ومع ذلك، سيظل الإنتاج المتوقع ثاني أكبر إنتاج للحبوب على الإطلاق.
كما خفضت المنظمة توقعاتها لمخزونات الحبوب العالمية في نهاية موسم 2026-2027 بنسبة 1.1% إلى نحو 947.2 مليون طن، لتصبح أعلى هامشيًا فقط من مستويات الموسم السابق. وجاء خفض المخزونات أساسًا نتيجة تراجع تقديرات مخزونات الحبوب الخشنة، في حين رفعت "فاو" توقعاتها لمخزونات القمح، متوقعة تراكم كميات أكبر في روسيا وأوكرانيا نتيجة اضطرابات الشحن التي تحد من قدرة البلدين على تصدير إنتاجهما.
السكر يسجل قفزة حادة
لم يقتصر ارتفاع الأسعار على الحبوب، فقد سجل مؤشر السكر قفزة بلغت 11.9% خلال أغسطس/آب، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ حزيران/يونيو 2025. وعزت "فاو" الارتفاع إلى مخاوف تتعلق بالإنتاج في عدد من المناطق الرئيسية، وعلى رأسها البرازيل، إلى جانب تأثير الظروف الجوية في أوروبا وآسيا.
وتكتسب البرازيل أهمية كبيرة في سوق السكر العالمي، ولذلك فإن أي تراجع في إنتاجها يمكن أن ينعكس سريعًا على الأسعار الدولية، خصوصًا عندما يتزامن مع مشكلات إنتاجية في مناطق أخرى.
الزيوت واللحوم والألبان أيضًا
شهدت جميع فئات الغذاء الرئيسية التي يرصدها مؤشر "فاو" ارتفاعًا في آب/أغسطس، بما في ذلك الحبوب والزيوت النباتية والسكر واللحوم ومنتجات الألبان. وارتفع مؤشر الزيوت النباتية 0.6% خلال الشهر، ليبلغ أعلى مستوى له منذ حزيران/يونيو 2022، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن تأثير الظروف المناخية على إنتاج زيت النخيل في آسيا.
ويعكس اتساع الارتفاع عبر مختلف مجموعات السلع أن الضغوط لا ترتبط بمحصول واحد، وإنما بمجموعة متشابكة من العوامل التي تؤثر في الإنتاج والنقل والتجارة.
الحروب تعيد "علاوة المخاطر" إلى الأسواق
وقال كبير الاقتصاديين في "فاو"، ماكسيمو توريرو، إن ارتفاع أسعار الغذاء العالمية في أغسطس/آب يمثل تحذيرًا من عودة "علاوة المخاطر" إلى أسواق الغذاء. وأوضح أن الصدمات المناخية والتوترات الجيوسياسية واضطرابات الخدمات اللوجستية التجارية تتقاطع معًا لتشديد توقعات الإمدادات.
ولا تقتصر المخاطر الجيوسياسية على الحرب الروسية الأوكرانية، إذ أشارت "فاو" أيضًا إلى أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تضغط على تدفقات الأسمدة اللازمة للإنتاج الزراعي.
وتعد الأسمدة عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على إنتاجية المحاصيل، ولذلك فإن اضطراب تجارتها أو ارتفاع تكاليفها يمكن أن ينتقل تدريجيًا من الأسواق العالمية إلى تكاليف الإنتاج الزراعي ثم إلى أسعار الغذاء النهائية.
هل تعود أزمة الغذاء العالمية؟
لا تشير أرقام "فاو" الحالية إلى تكرار مباشر لأزمة 2022، فمؤشر الأسعار لا يزال دون ذروته التاريخية بفارق كبير، كما أن توقعات إنتاج الحبوب العالمي لا تزال تشير إلى ثاني أعلى إنتاج مسجل.
لكن الاتجاه الصاعد في الأسعار يحمل أهمية كبيرة، خصوصًا إذا استمرت العوامل التي تدفعه في الوقت نفسه، كالطقس المتطرف، واضطرابات الشحن، والحروب، كذلك ارتفاع مخاطر الإمدادات.