"أسد البصرة".. نمذجة الشخصية العراقية

الروائي العراقي ضياء جبيلي

يرصد الروائي والقاص ضياء جبيلي التفاصيل فيما حوله بفطنة وحذق، يدقق كثيرًا في أصغرها، حتى تكاد لا تفوته السرية منها. يتابع بعين خفية وأذن صاغية ليستكشف الخفايا، وخصوصًا المحرّم منها. لا يتردّد في فضحها في كتاباته، بالإضافة إلى أنه قارئ نهم وشديد الفضول في قراءة التاريخ؛ له موقف لا يأخذ الأمور على علاتها ويضعها جاهزة أمام القارئ، بل يسجّل قراءته وردود فعله إزاء الشخوص وسلوكياتها والأحداث ومسبباتها.

تبدو البصرة خلاصة وطن بكامل تفاصيله، من لقاء النهرين، إلى تنوع سكّانها

ضياء ابن البصرة الملتحم بها عن كره، كمن حملت طفلها وهنًا على وهن، لا يستطيع الفكاك منها، هي خلاصة وطن بتفاصيله، من شط العرب حصيلة لقاء النهرين، ومينائها، وصولًا إلى البشر فيها من كل عرق ولون من الشمال إلى الجنوب، ومن دول شتى وأعراق وأديان كانت حصيلة حضارة وتاريخ ممزوج بقصص وخرافات وأساطير ووقائع، التبس فيها الكثير من الحقيقة.

اقرأ/ي أيضًا: كازو إيشيجورو.. وصلُ ثقافتين بصوت

جمع كل هذا ووضعه في روايته "أسد البصرة" (منشورات الجمل، 2016) هذا التمثال الذي يحاكي تمثال أسد بابل، وهو رمز من رموز الحضارة البابلية التي شكلت فترة تاريخية مهمة من تاريخ العراق، وتعتبر الأبرز كواجهة للعراق يعرفها العالم باسم "بابليون"، المدينة التي تشكّل مركزًا مهمًا للعالم القديم الذي يتطلع إليه العالم الحديث. 

انطلق من كل ذلك ليشكل شخصية البطل الرئيسي للرواية "أمل"، لكن بنظرة مختلفة عما هو متداول عن رمزية هذا التمثال، ما يشكّل موقفًا جديدًا من التاريخ عبر تعاطي الشخصية مع هذا التمثال، فهو يعيش معه بخيالاته الطفولية والمراهقة ليتحول هاجسًا ضمن تركيبته النفسية، حتى وهو يتخطى الثلاثين من عمره، وينعكس على علاقته بأخته بالرضاعة، ليتحول إلى سلوك غير سوي، لكنه غير مكشوف أيضًا. 

أمل رمز للشخصية العراقية التي تعيش في البصرة بأبعادها النفسية القلقة، فهو مزيج من أم وأب من ديانتين مختلفتين، تربى بين أحضان شخصيتين من ديانة ثالثة تحت وطأة نظام سياسي دكتاتوري يهوى الحروب. 

الفترة الأبرز في عمر أمل هي الفترة الأكثر اضطرابًا في تكوين الشخصية العراقية في التاريخ الحديث، فهي الحصيلة لكل ما عاشه ضياء جبيلي وما عرفه ورصده. لم يكن القصد تناول موضوع الصراع الطائفي بمعناه التقليدي على طريقة السياسيين، بل أثره في التركيبة السكانية وانعكاسه على تركيبة الشخصية العراقية.

جبيلي يضعنا أمام واقع حقيقي ويكشفه لنا، ليعلن موقفه صراحة من كل العوامل التي خلقت هذه الشخصية بكل تفاصيلها. شخصية تفقد إرادتها ولا تقوى على فعل ما تريد وترغب وتحب، بل هو في داخل دائرة تتحكم فيها قوى خارجية استطاع حبكها بشبكة خيوط.

اقرأ/ي أيضًا:

أدولفوي بوي كساريس.. قصة عاشق

مها حسن.. في "مترو حلب"