أسبوع الدخول الاجتماعي.. عودة الزخم إلى الشارع الفرنسي

أسبوع الدخول الاجتماعي.. عودة الزخم إلى الشارع الفرنسي

عادت السترات الصفراء إلى الشارع الفرنسي (Getty)

وهي تقترب من إطفاء شمعتها الثانية، وبعد غيابٍ قسري دام أكثر من سبعة أشهر بفعل اجتياح الوباء، عادت حركة السترات الصفراء للاحتجاج من داخل الشارع الفرنسي، وكعادتها كلّ سبت كان 12 أيلول/سبتمبر، موعدها. كما عادت النقابات العمالية، التي خلقت الحدث بمعركتها ضد قانون التقاعد الجديد أول السنة، هي الأخرى إلى الشارع، يوم الخميس الماضي، الـ 17 أيلول/ سبتمبر. وبين الاحتجاجين يتوقع الفرنسيون هذا الأسبوع دخولًا اجتماعيًا جديدًا، يطبعه الثقل الاقتصادي والصحي لتداعيات جائحة كورونا، كما التغيير السياسي الذي عرفته البلاد بإجراء تعديل حكومي، تجدُ الحكومة الجديدة نفسها لأول مرة وجهًا لوجه مع الشارع المنتفض. 

وهي تقترب من إطفاء شمعتها الثانية، وبعد غيابٍ قسري دام أكثر من سبعة أشهر بفعل اجتياح الوباء، عادت حركة السترات الصفراء للاحتجاج من داخل الشارع الفرنسي

دعوات للاحتجاج

تبدت معالم الدخول الاجتماعي في فرنسا  منذ تنصيب الحكومة الجديدة، فبالنسبة لفيليب مارتينيز، زعيم الكونفدرالية العامة للشغل الفرنسية، كان الموقف واضحًا من أول لقاء جمعه برئيس وزرائها، جان كاستيكس، ذات الـ 10 تموز/ يوليو الماضي: " ابتزاز في الشغل، إطالة لساعات العمل، تقليص الرواتب.. هذه هي ترسانة حكومة كاستيكس للإجهاز على حقوق العمال ومكتسباتهم الاجتماعية"، يصرح زعيم النقابة الفرنسية بعد اجتماعه ذاك.

اقرأ/ي أيضًا: انتفاضة "السترات الصفراء".. الهامش في مواجهة فرنسا المعولمة

و"بعد فرض نظام التقاعد بالتنقيط وتدمير تأمين فقدان الشغل، يستعر سعيهم إلى تأبيد واقع رجعي تلبية لمصالح رأس المال على حساب مصالح الشغيلة والمتقاعدين والمحرومين من العمل" يضيف مارتينيز. متخذًا ذلك كمنطلق لتوجيه دعوته إلى إضراب عام ومسيرات عمالية حدد لها تاريخ الـ 17 أيلول/ سبتمبر، معلنًا أنه "لا حلّ فعلي عند الحكومة لحل مشاكل الشغل والرواتب. إذن يجب المرور إلى النضال، ولنجعل يوم الـ 17 أيلول/ سبتمبر يوما وطنيًا للتحرك القوي، للمظاهرات والإضرابات".

من جانب حركة السترات الصفراء، افتتح جيروم رودريغيز، الناطق الإعلامي للحركة  دعوته للخروج إلى الشارع سبتَ الـ 12 أيلول/ سبتمبر الجاري، قائلًا: "على مدى سنتين مضت ونحن الشعب الغاضب معتمرًا سترته الصفراء نندد باللاعدالة الاجتماعية والضريبية التي ما فتئت تنغص المعيش للمواطن الفرنسي. هذه السياسات التي تسود البلاد منذ 40 سنة هي المسؤولة عن آلام المواطنين، تمّ تسريعها مع اعتلاء ماكرون وحكومته سدة الحكم".

في عودة تنتفض على "القمع الذي لا زالت تنتهجه حكومة ماكرون ضدّ الفرنسيين، سواء اقتصاديًا أو ماديًا إذا هم خرجوا إلى الشارع، بعصي قوات الشرطة وقنابلهم"، يضيف جيروم الذي هو الآخر فاقدٌ لعينه اليمنى بعد أن ضربتها شظية قنبلة مطاطية مصوبة من أحد رجال مكافحة الشغب. أما المتغيرُ فيها هو "واقعُ الوباء الذي صعّدَ إلى السطح الدور الأساسي لمهن كانت إلى أمد غير بعيدٍ تحسبُ صغيرة، وأظهرَ كم الهشاشة التي يعاني منها العاملون فيها. هو ذات الدور وذات الهشاشة التي ندافع عنها في السترات الصفراء".

ومن هذا الواقع، دعى المتحدثُ جمهوره إلى التظاهر، لأسبابَ حددها في "المطالبة بديمقراطية فرنسية مباشرة، واسترداد السياسة إلى يد الشعب لا يد طغمة السياسيين المترفين، ولإسماع صوت الجماهير لرئيس دولة أصم، ورد الحق لكل ضحايا القمع البوليسي". وبه يختم جروم رودريغيز دعوته. 

النقابات والسترات في الشارع

على الأرض، تعدت احتجاجات النقابات  رقم الـ 10 آلاف متظاهر، حسب الكونفدرالية العامة للشغل. سارت بشكلٍ سلمي تجوب شوارع البلاد، تحملُ شعارات مطالبة بوقف القمع باستعمال الشغل، وتحسين ظروف العمل ورفع الأجور.

فيما الإضرابات تمت فقط من قبل الفرق النقابية المعتادة على قلتها، مما دفع موقع Révolution permanente، المعروف بدعم خطه التحريري لنضالات العمال للتعبير عن خيبة أملٍ، معتبرًا ما حصل يوم الخميس "أمرٌ روتيني" ومتأسفًا على غياب الكم المتوقع لعمال القطاعات المتضررة من وجودها في الخط الأمامي لمكافحة الوباء. بالمقابل دافعَ مارتينيز عن دعوته قائلًا إن "المسيرة كانت ضرورية، هم يجهزون على حق الشغل ويطردون العمال، هل نبقى بلا حراك أمام هذا الواقع؟ نحن اخترنا التحرك وهي المسيرة الأولى هذه السنة وفي القادم من الأيام سنعلن أشكال نضالية أخرى". هذا وأعادت النقابة الفرنسية في ختام بيانها حول المظاهرة إدانة الردة التي حصلت في ملف إصلاح التقاعد وتعويضات فقدان الشغل، وجددت مطالبتها بإسقاط قانون التقاعد الجديد.

لم يكن لمظاهرة السترات الصفراء نفس الزخم الذي رافق سابقَ خراجاتها. وهذا يظهرُ مع أولى المقاطع التي غطت المسيرات في كافة مناطق فرنسا، حيث يتوضحُ جليًا النقص العددي للمشاركين فيها. نقصٌ تؤكده حصيلة آخر اليوم، على لسان وزير الداخلية جيرالد دارمانين، الذي حدد رقم المتظاهرين بـ 6000 عبر كلّ التراب الوطني، 2500 منهم في باريس التي كان مئات الآلاف من المحتجين يجتاحون شوارعها كلّ سبت من السنة الماضية.

هذا النقص في العدد لم يمنع من تجدد مشاهد القمع الدموية، والصدامات بين الشرطة الفرنسية والمتظاهرين. كما تجددت الاعتقالات، والتي بلغت حسب وزير الداخلية حوالي الـ 300، منهم عدد من الصحفيين واثنين من نشطاء حزب NPA المعادي للرأسمالية.  فيما كانت الخسائرُ إحراقَ بعض مكبات النفاية وسيارتين.

من جهته، جيروم رودريغيز، الناطق الإعلامي للحركة، جادل خلال تصريح صحفي في كون مظاهرة السبت "عودة السترات الصفراء"، قائلًا "إن العودة هي أسطورة إعلامية، فالسترات الصفراء لم تترك الاحتجاج لتعود له، والترويج لهذا هو مدفوع من الحكومة ومعادٍ للحركة". فما حصل، حسب تعبيره، أن "الحكومة اعتقدت أنها وضعت ملف السترات الصفراء في الخزانة. وتخلصت منه بقمعها وسياساتها، لكننا دائمًا هنا مستمرون في النضال لما يقارب السنتين، مادام الغضب حاضرًا في كل بيت وكل مقر عمل مهما كانت تلاوينها".

كورونا.. المظاهرات والواقع الاجتماعي

جائحة كوفيد احتلت النقطة المركزية في احتجاجات الدخول الاجتماعي بفرنسا، كيف لا وهي الباراميتر المستجد والقوي الذي قلب موازين السنة الجارية، وكبح جماح التصعيد النضالي الذي عرفته أشهرها الأولى: الإضراب النقابي العام واحتجاجات السترات الصفراء. مع عودة النقابات إلى الشارع طرحت المخاطر الصحية إشكالًا حقيقيًا، هو ذاك الذي يعبر عنه فيليب مارتينيز قائلًا: "كانت هناك صعوبة في التظاهر مع احترام إجراءات الاحتراز الصحية، كما أن عددًا كبيرًا من المتقاعدين لم يشاركوا في المسيرة مخافة العدوى". مع ذلك مرّت المسيرات في احترام تام لقواعد السلامة الصحية، هذا ما ينقله روبورتاج موقع 20minutes، بأن "لبس الكمامات والأقنعة الواقية بلغ نسبة الـ 99 في المئة من المتظاهرين".

لكن، وفي نفس الوقت، تساهم الجائحة  في تأجيج الزخم النضالي لهذا الدخول، بتداعياتها التي أثرت بشكل مباشرٍ على حياة المواطنين، كما هي الحالة بالنسبة لأصحاب "البلوزة البيضاء"، عاملي قطاع الصحة الذين قادوا مرحلة مكافحة الوباء، والذين انضموا لمظاهرة السترات الصفراء، مستغلين الظرفين فرصة للتنديد بالتدهور الذي يعرفه قطاع الصحة. تقول متظاهرة منهم في تصريح صحفي، بأن "نقطة التقاء الحركتين هي الحكومة الفاشلة!"، وتضيف بعد تعرضها لدفعة من الشرطي القابع خلفها، إن "الدولة فشلت في حمايتنا من المرض، لم توفر لنا أدوات العمل، وألقت علينا مسؤولية قطاع متدهور، لهذا نحن هنا لنطالب بحق الصحة لكل المواطنين".

أيضًا كما هي الحالة بالنسبة لـ 200 ألف عاملٍ تمّ تسريحهم من العمل بسبب تداعيات الوباء، ينضاف إليهم 863 عامل بإغلاق الفرع الفرنسي لمعمل Bridgestone، بالتزامن مع إعلان الحكومة عن غلاف مالي يقدر بـ 100 مليار يورو كخطة للإقلاع الاقتصادي. "خطة الإقلاع الاقتصادي، المقصود منها مساعدات كما التي تحصلت عليها Bridgestone لتصل إلى هذه الحال؟ أين هي شروط هذا الدعم، أين هو فرض التزام الشركات بالمحافظة على مناصب الشغل وتطوير العمل والاستثمار؟"، يتساءل فيليب مارتينيز، فيما يقول عامل في معمل TUI الفرنسي، الذي ينشط في نفس مجال Bridgestone، ويتطلع هو الآخر لتسريح 600 عامل: "لو منحت الحكومة هذه الملايين للعمال، لأظهرنا أننا قادرون على الإنتاج وخلق سوق في فرنسا وأوروبا، دون الحاجة إلى أرباب عمل، عندنا القدرة الكافية لتحقيق ذلك!".

بالمقابل فإن اصطفاف الحكومة الفرنسية إلى جانب أرباب العمل واضح، ولا تحاول هي الأخرى حجبه، هذا ما يبرزه قرارها الأخير بـ "عدم إلزامية المشغل بدفع تعويضات للعمال المسرّحين، إذا ما لم يستطع الالتزام بالحفاظ على مناصب الشغل في الشركة التي يملكها"، وبالتالي تسهيل عملية تسريح العمال وجعلها الحل الأول للمشغل بدل أن كانت الحل الأخير، لما يتبعها من مترتبات مادية ثقيلة أعفته منها حكومة كاستيكس الجديدة.

قمع المظاهرات.. دارمانين مواجهًا السترات الصفراء

هذه أولُ مرة يقابل فيها جيرالد دارمانين، وزير الداخلية بعد التعديل الحكومي الأخير، وجهًا لوجه مع حركة السترات الصفراء، وخلال هذه اللحظات بالذات، والتي كانت منتظرة، يطرح السؤال: أي سياسة سيدير بها الوزير الجديد الملف الذي أرّق سابقه في الحقيبة كريستوف كاستانير؟ هذا ما لا أحد يملكُ إجابة واضحة عليه، لكن من خلال المؤشرات الطارئة يستشف المحللون منها معالم خطة الرجل.

ذات المؤشرات التي استوضحناها بداية من على الميدان، حيث حضر العنف البوليسي بكثافة مقارنة بعدد المتظاهرين وبالتظاهرات السابقة للحركة، كما يظهرُ ذلك في عدد الاعتقالات الـ 300 مقابلَ 6000 متظاهر، الذي فاق اعتقالات سبت الفاتح تشرين الثاني/ ديسمبر 2018 الأعنف والأكثر حضورًا على الإطلاق، والتي لم تتعدى آنذاك الـ 412.

اقرأ/ي أيضًا: "السترات الصفراء".. مستمرة في فرنسا مستعدة في أوروبا

مؤشرٌ آخرَ في هذا السياق، هو إعلان دارمانين عن تسليح جديد لقوات مكافحة الشغب يومًا واحدًا قبل مظاهرة السبت، بقنابلَ صوتية جديدة "وفقًا لتوصيات الإدارة العامة للشرطة الوطنية".  فيمَا استعمالُ القنابل لفض الاعتصامات  خلّف حصيلة جرحى تفوق الـ 4400 جريح، أغلبهم بعاهات دائمة، إضافة إلى 11 قتيل. كما أعلن عن قانون سيسنه، الذي يلزم وسائل الإعلام التي تصور أطوار الاحتجاجات بحجب وجوه رجال الشرطة، وتعتيم هوياتهم أثناء القيام بأعمالهم. 

هذه أولُ مرة يقابل فيها جيرالد دارمانين، وزير الداخلية بعد التعديل الحكومي الأخير، وجهًا لوجه مع حركة السترات الصفراء

فيما المتابعات القضائية لقيادات الحركة، خطوة هي الأخرى مستجدة في التعامل معها. يقودها وزير الداخلية الذي أقرّ بنفسه رفع قضية على جيروم رودريغيز، بسبب تغريدة يصف فيها هذا الأخير القمع البوليسي بـ "العصبات النازية". هذا ويذكرُ أن قيادي آخر للحركة، إيريك دروي، أدين بتهم تنظيم مظاهرات غير مرخصة وحيازة عصى أثناء التظاهر، حكم عليه من أجلها بغرامة 2000 يورو، في إطار ملاحقات قضائية تستهدف الوجوه البارزة للسترات الصفراء.