أسباب فشل منظمات المجتمع المدني عربيًا

أسباب فشل منظمات المجتمع المدني عربيًا

تسيطر الدولة العربية على المجال العام (أ.ف.ب)

من الملاحظ في الفترة الأخيرة، وفي ظل تقدم العالم الاقتصادي والصناعي والحراك السياسي والاجتماعي والهجرات البشرية التي نتجت عن ذلك، وتمدد حقول المعرفة العلمية ومناهجها؛ برزت عدد من المفاهيم المتداولة في المجال الإعلامي والعلمي و"الميديائي" مثل مفاهيم حقوق الإنسان، والعون الإنساني والمجتمع المدني وغير ذلك. 

يرى المفكر العربي عزمي بشارة، أن المجتمع المدني موجود في المجتمعات العربية منذ تكوينها، متمثل في المؤسسات الأهلية والبر والإحسان

ويعد مفهوم المجتمع المدني أو منظمات المجتمع المدني، أحد هذه المفاهيم، باعتباره جِسم مُستّقل عن منّظومة الدولة والسلطة، عبر مؤسسات وجمعيات خيرية، ومنظمات تنشأ طوعية، مدنية، اختيارية، لتحقيق أهداف عامة، ويكون المنّشئ منها غير ناجم عن مصلحتها الذّاتية.

اقرأ/ي أيضًا: المجتمع المدني في مصر.. صراع الدولة والمواطنين

وهذه المنظمات تختلف على حسب كل دولة والوضع الاقتصادي والسياسي والحقوق والحريات على سبيل المثال في دول الرفاه الاقتصادي تتجاوز أهداف منظمات المجتمع المدني الأعمال الخيرية لتقديم المؤنة عكس دول العالم الثالث التي تقع كثيرٍ من دول العالم العربي فيها.

المفهوم عربيًا

لا بد من التنبيه هنا بأن هنالك جَدل ثلاثي، إن صح القول، حول مفهوم المجتمع المدني نفسه في السياق العربي، بحجة أنه لم ينبُت في التُربة العربية، وافدًا إليها من الغرب، ووصل إليها جاهزًا، ويُعد غير صالح لتطبيقهِ عليها من جهة، ومن أخرى أن المفهوم آتٍ من الغرب، لكنه قابل للتطبيقِ على المجتمعات الأخرى، منها المجتمعات العربية، ويمثل مخرجًا للحالة العربية من سلطة الأنظمة الاستبدادية العربية من جهة أخرى. 

وكنموذج لهذا الاتجاه الأخير، هناك عالم الاجتماع العربي السوري حليم بركات، الذي اعتبر المجتمع المدني من آليات الاندماج السياسي والاجتماعي في المجتمعات العربية، وأنه يعيش في أزمة لا بد من تنشيط دَورهِ لتجاوز حالة الاغتراب التي يعيشها الفرد العربي بينه وبين الدولة.

وثمة اتجاه ثالث يدّعي بأن المجتمع المدني موجود في المجتمعات العربية منذ تكوينها، متمثل في مؤسسات المجتمع الأهلي والبر والإحسان وما إلى ذلك، وله خصوصياته عن المؤسسات الأخرى العالمية. ونموذج لهذا الاتجاه المفكر العربي عزمي بشارة، في مؤلفه ذائع الصيت "المجتمع المدني: دراسة نقدية".

وبالرغم من الآراء المتباينة سالفة الذكر عن وضعية المجتمع المدني في العالم العربي، ووجود منظمات ومؤسسات للمجتمع المدني في العالم العربي، وسماح الدولة لمواطنيها بإنشاء منظمات وجمعيات، تسعى هذه المنظمات جاهدة لتحقيق أهدافها ولخدمة الإنسان العربي. لكن هل تلامس هذه المنظمات هموم الإنسان العربي ونكباته؟ هل المجتمع المدني في الدول العربية اليوم قادر على التأثير واتخاذ القرارات؟ وهل قادر على محاسبة الحكومة وعلى تقديم مطالب تصب في مصلحة المواطن؟ وهل هذه المؤسسات قادرة على تمويل ذاتها في ظل الراهن الاقتصادي للدول العربية اليوم؟

هذه التساؤلات يمكن من خلالها مقاربة منظمات المجتمع المدني وفشلها. وعليه، لا يمكن تعليق تدهور الأوضاع العامة في كثيرٍ من الدول العربية لعدم فعالية منظمات المجتمع المدني، كما لا يمكن اعتبار جميع منظمات المجتمع المدني في العالم العربي فاشلة.

أسباب فشل منظمات المجتمع المدني عربيًا

  • الدعم والتمويل: 

وعليه يتحدد نقاط ضعف هذه المنظمات وقوتها من حيث العملية التموِيلية الداعمة لممارسة نشاط عملها. هذه المنظمات أو مؤسسات المجتمع المدني، تحصل على دعمها عبر ثلاثة طُرق:

  1. الدعم الذاتي من الذين ينشئونها من رجال الأعمال أو عن طريق العضوية المساهمة.
  2. الدعم الخارجي من دول أو منظمات دولية.
  3. الدعم من السلطة الحاكمة.

وهذا ما يجعلها في موضعة إشكالية، تبدو أداتية لخدمة أغراض من يمولها. ومن هنا تحدث عملية السيطرة والهيمنة. وغالبًا ما تكون أيديولوجية براغماتية لخدمة الغايات التي نشأت من أجلها مما يجعلها بعيدة كل البعد عن المصلحة العامة التي ادعت بأنها جاءت من أجلها.

  • سيطرة الدولة على المجال العام: 

في كثيرٍ من البلدان العربية، السلطة السياسية الحاكمة لا تؤطر لمناخ مناسب للحريات، لنشأة مجتمع مدني يخرج من سيطرتها، لأنها تعتبره بمثابة نِدّ لها، وكرة ضغط للتدخل في شؤونها وسياساتها، وتموضعه بين سياقين: إمّا أن يكون تحت سيطرتِها، أو خارج عنها. كما تمارس عليهِ القهر، وتضع العراقيل أمام تمدده.

  • بروز البنى الوشائجية في كثير من الدول العربية:

من أسباب فشل المنظمات المدنية عربيًا، بروز البنى الوشائجية في كثير من الدول العربية في ظل الحراك السياسي الأخير المنادي بالتغير والديمقراطية، والذي أدى إلى عودة وتشرذم البنى الوشائجية والقرائبية القبليّة للظهور، وظهور هويات إثنية وطائفية، تحد من قوة المجتمع المدني وتمدده، وتزيد من سيطرة الدولة عليه والتدخل في شئونه. 

وهذا ما يجعل المجتمع المدني غير قادر على التأثير في الحيز العام العربي، وفي اتخاذ الراي العام. وهنا تتضح علاقة الدولة مع المجتمع المدني في الوطن العربي بأنها سلطوية مهيمنة.

في كثيرٍ من الدول العربية، السلطة السياسية الحاكمة لا تؤطر لمناخ مناسب للحريات لنشأة مجتمع مدني يخرج من سيطرتها، لأنها تعتبره بمثابة نِدّ لها

  • تناقض توجهات منظمات المجتمع المدني: 

هناك أيضًا تناقض توجهات منظمات المجتمع المدني في بعض الأحيان مع ثقافة المجتمع العربي، إضافةً إلى اختلاف القضايا التي تطرحها وتناقشها مع منظومة المجتمعات العربية وعقائدها، خصوصًا القضايا الحقوقية، مثل: حقوق المرأة، الأقليات، المثلية، وغير ذلك. وهذا ما يشكل جدل وتضاد بينها وبين المجتمع، بحجة خصوصية وثقافة وعادات وتقاليد المجتمعات العربية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أفق المواطنة.. كيف تبلور المفهوم؟

النضال من أجهل "التفاهة"