أسباب تجعل منتخب المغرب بطلًا لكأس أمم أفريقيا 2025
23 ديسمبر 2025
منذ أن رفع القائد المغربي أحمد فرس لقب كأس أمم أفريقيا في أديس أبابا عام 1976، ظل هذا اللقب مستعصيًا على الأجيال الذهبية المتعاقبة للكرة المغربية، نصف قرن من الانتظار، جعلت من الفوز بلقب 2025 ضرورة وطنية ملحة، فما هي الحجج والبراهين والأسباب المختلفة التي تجعل من المنتخب المغربي، أسود الأطلس، المرشح الأوفر حظًا لنيل اللقب القاري الثاني في تاريخه؟ ولماذا هذه المرة مختلفة فعلًا؟
أفضلية الأرض
تعتبر استضافة المغرب لهذه النسخة بمثابة اختبار حي لقدرات المملكة التنظيمية، استعدادًا لتنظيم كأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال، هذا البعد سيضع ضغطًا إيجابيًا على المنظومة بأكملها لتقديم نسخة مثالية، ليس على مستوى التنظيمي فقط بل على المستوى الفني أيضًا.
ولذلك فالنجاح في هذه البطولة بأي شكل، هو الرسالة التي تريد المغرب إرسالها للعالم كقوة ناعمة رائدة في العالم بأسره، ولذلك كان اختيار التوقيت أمرًا في غاية الأهمية أيضًا بالنسبة لأحلام المنتخب، حيث يتكون العمود الفقري للمنتخب المغربي بنسبة تفوق 95% من لاعبين ينشطون في الدوريات الخمس الكبرى.
لهذه الأسباب، منتخب المغرب هو الأوفر حظًّا للتتويج بكأس أمم أفريقيا 2025
وإقامة البطولة في الصيف بين حزيران/يونيو وتموز/يوليو يعني وصول اللاعبين منهكين بعد موسم شاق، أما موعد 21 كانون الأول/ديسمبر، في منتصف الموسم، فيعني أن اللاعبين سيأتون في قمة جاهزيتهم البدنية، ثانيًا، وهو الأهم، على عكس البطولات التي تقام في أدغال إفريقيا حيث الرطوبة العالية والحرارة المرتفعة، والتي تستنزف طاقة اللاعبين المعتادين على الطقس الأوروبي، ستجرى المباريات هذه المرة في طقس شتوي معتدل.
وقطعا، هذا هو المناخ المثالي لتطبيق أسلوب الضغط العالي واللعب السريع الذي يعتمده مدرب المغرب وليد الركراكي، مما يمنح المغرب أفضلية فسيولوجية على المنتخبات التي تعتمد على البطء أو التأقلم مع الحرارة، وهذا ليس كل ما في الأمر، إذ لا يمكن فهم ترشيح المغرب لهذا اللقب بمعزل عن المشروع الملكي الذي أعاد صياغة مفهوم الرياضة في المغرب كليةً.
ذلك المشروع الذي بدأ في عام 2008 بعد نكسات متتالية فشلت فيها المغرب بين عامي 1998 و2018 في الصعود لكأس العالم في 4 نسخ، كما غابت عن 4 نسخ من كأس الأمم الإفريقية، ما أجبر الملك محمد السادس على التدخل شخصيًا، معلنًا عن خارطة طريق لإصلاح القطاع الرياضي، تتمحور حول اعتبار الرياضة رافعةً هامةً للتنمية البشرية ومجالًا استراتيجيًا وحيويًا.
أولى الخطوات كانت تدشين أكاديمية محمد السادس لكرة القدم عام 2009 بمدينة سلا القريبة من الرباط، والتي يعدها الكثيرون القلب النابض لهذا المشروع والسر وراء الطفرة الحالية للمنتخبات والفرق المغربية بكل فئاتها السنية.
تمتد الأكاديمية على مساحة 2.5 مليون متر مربع، بتكلفة أولية بلغت 140 مليون درهم، وصممت وفق أرقى المعايير العالمية، كما احتوت على فضاءٍ مخصص للدراسة يضم 10 قاعات تدريس، وقسم للطب الرياضي، وقد أدت الأكاديمية ما عليها فعلًا، حيث يشكل خريجو الأكاديمية العمود الفقري للمنتخب مثل نايف أكرد، وعز الدين أوناحي، ويوسف النصيري.
أما ثاني الخطوات فجاءت مع إعلان تولي السيد فوزي لقجع لرئاسة الجامعة الملكية المغربية، والاتحاد المغربي لكرة القدم منذ عام 2017، وقد تميزت حقبته بالاستقرار المالي والإداري، وتوفير كل سبل الراحة للمنتخبات الوطنية والاتحاد، حيث ألزم الأندية بإنشاء مدارس للمساعدة في الكشف عن المواهب.
كما طور مشروع الأكاديمية الملكية الذي لم يتوقف عند أكاديمية سلا فقط، بل استنسخ عشرات النماذج، وأنشأ مراكز شبيهة في السعيدية، وأكادير، وطنجة، لضمان المسح الشامل للمواهب في كل ركن من أركان المملكة، ما يضمن استدامة الرافد البشري للمنتخبات لسنوات طويلة، وربما لعقود قادمة.
رأس الأفوكادو
لهذه الأسباب يدخل المنتخب المغربي البطولة وهو يمتلك ربما أقوى جيل في تاريخه، جيل يجمع بين خبرة نصف نهائي المونديال وحيوية الميدالية البرونزية الأولمبية، والثبات على الأرض بعد حصوله على بطولة كأس العرب في قطر، والأهم من ذلك، يمتلكون المدرب الكبير وليد الركراكي.
الذي أحدث، منذ توليه المهمة في آب/أغسطس 2022، ثورة ذهنية وتكتيكية مذهلة، حيث تحول شعار "ديرو النية" إلى منهجية عمل، لكن الركراكي 2025 يختلف عن ركراكي 2022، خاصة مع تحول الفريق من رد الفعل إلى الفعل.
في مونديال قطر، اعتمد المغرب خطة 4-1-4-1 بكتلة دفاعية منخفضة (Low Block) والاعتماد على المرتدات، وهو ما كان مناسبًا لمواجهة قوى عظمى كإسبانيا والبرتغال.
لكن في إفريقيا، الخصوم يتكتلون في الخلف، وقد أدرك الركراكي ذلك، وعمل طوال 2024 على تطوير أسلوب الاستحواذ والهجوم المنظم، وأظهرت المباريات الأخيرة، خاصة تصفيات المونديال والمباريات الودية، قدرة الفريق على التحول إلى 4-3-3 هجومية أو 4-2-3-1، مع تفعيل دور الأظهرة كصناع لعب (Inverted Fullbacks)، وقد ساعده على هذا التطور وجود لاعبين أقوياء للغاية، وأغلبهم، بالمناسبة، من خريجي الأكاديمية.
مثل من؟ مثل ياسين بونو المصنف ضمن أفضل حراس العالم، وأيضًا وجود أفضل ظهيرين في العالم، أشرف حكيمي، المصنف كصانع ألعاب، ونصير مزراوي، جوكر الفريق، قدرته على اللعب كظهير أيمن، وأيسر، أو حتى في وسط الميدان، تمنح الركراكي حلولًا لا نهائية.
وفي عمق الدفاع، يوجد نايف أكرد ورومان سايس كعناصر خبرة، مع صعود النجم الشاب عبد الحميد آيت بودلال، وهو دليل كافٍ على الصلابة في الخط الخلفي.
وفي وسط الميدان، يوجد المحرك والمبدع سفيان أمرابط، دوره في تكسير هجمات الخصم وتغطية تقدم الأظهرة هو شيء لا غنى عنه، وعز الدين أوناحي، وقدرته الجيدة جدًا على الخروج بالكرة تحت الضغط، وحيويته في معارك الوسط والالتحامات البدنية.
إضافة إلى ابراهيم دياز، لاعب ريال مدريد، القطعة الناقصة التي وجدها الركراكي، فانضمام دياز للمنتخب المغربي أضاف بعدًا تقنيًا مهولًا، قدرته على المراوغة في المساحات الضيقة، وقدرته على اللعب بالقدمين، والتسديد من بعيد، حلت مشكلة العقم الهجومي أمام الفرق المتكتلة، نعم؛ دياز هو الورقة الرابحة التي لم يمتلكها المغرب في النسخ السابقة.
بناءً على ذلك، يدخل المغرب البطولة وفي جعبته رقم قياسي مرعب، إذ تشير البيانات إلى سلسلة انتصارات متتالية بلغت 18 مباراة، شاملة الرسميات والوديات، ومتجاوزة الرقم القياسي السابق لإسبانيا بـ 15 مباراة، خلال هذه السلسلة، استقبلت شباك المغرب 4 أهداف فقط وسجل الفريق 50 هدفًا.
أضف إلى ذلك القرار الاستراتيجي بدمج عناصر المنتخب الأولمبي، المتوج ببرونزية باريس، مع المنتخب الأول خلق عمقًا في التشكيلة لا يمتلكه أي منتخب آخر، وعندما يغيب لاعب أساسي، البديل يكون جاهزًا وبنفس الجودة، فمثلًا لو افترضنا غياب بوفال، سيعوضه رحيمي أو الزلزولي أو بن صغير، هذا العمق هو ما يحسم البطولات الطويلة عادةً.
موعد مع التاريخ
لتلك الأسباب السابقة، تشير نماذج الذكاء الاصطناعي والإحصائيات المتقدمة من "Opta" إلى أن المغرب هو المرشح الأول للفوز باللقب بنسبة 19.1%، متفوقًا بفارق مريح على مصر (12.4%) والسنغال (12.3%)، هذه التوقعات ليست وليدة الفراغ، بل هي نتيجة منطقية لتحليل الأداء، وجودة العناصر، وعامل الأرض.
إذ تجتمع في نسخة كان 2025 كل الظروف التي تجعل من تتويج المغرب مسألة منطقية للغاية، وليست مجرد أمنيات، حيث أن المشروع الملكي الذي انطلق قبل عقد ونصف قد وصل اليوم إلى مرحلة النضج الكامل، والبنية التحتية هي الأفضل في إفريقيا وربما تضاهي أوروبا، والأكاديمية تخرج أبطالًا عالميين، والجامعة توفر استقرارًا ماليًا وإداريًا، والمدرب يمتلك الأدوات التكتيكية والقيادية اللازمة، وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال واقع المنافسين الذي يصب، لأول مرة منذ سنوات، في مصلحة المغرب.
حيث تعاني الفرق الأخرى، مثل غانا ومصر ونيجيريا من التخبط الإداري والفني، وتعاني من الأزمات الإدارية، وتغيير المدربين المستمر، وغياب المشروع الجماعي، والترهل العام، إضافة إلى أزمات الاتحادات المحلية وضعف الإعداد، كما أن بعضهم يعاني من مرحلة الشيخوخة مثل منتخب السنغال، وبعضهم لايزال في مرحلة الإحلال والتجديد مثل تونس والجزائر، الأمر الذي يخلق فجوة فنية واضحة لصالح المغرب.
المغرب الذي يقف الآن على أرض صلبة، مدعومًا بسلسلة انتصارات تاريخية، وجيل ذهبي وجماهير متعطشة لإنهاء صيام دام 50 عامًا، ولذلك فكل الدلائل الفنية، والإحصائية، واللوجستية، تشير إلى أن ليلة 18 كانون الثاني/يناير 2026 في الرباط ستشهد رفع أسود الأطلس للكأس الإفريقية الثانية، معلنة بداية حقبة هيمنة مغربية، ربما تكون طويلة الأمد، على الكرة الإفريقية.