أساطير الحرب والسلاح و

أساطير الحرب والسلاح و"الأيادي الخفية" في دارفور

تحكم الأساطير، الصراع في دارفور (لينزي أداريو/ Getty)

من المفارقات العجيبة، أن إقليم دارفور غرب السودان، ذاع صيته في العالم تقريبًا أكثر من الدولة التي تضمه. وقد اكتسبت الحرب فيه شهرة عالمية، لم تكتسبها حرب جنوب السودان الذي قاتل 50 عامًا ضد الشمال، وانشطر إلى دولة قائمة بذاتها في عام 2011.

رغم أن العمليات العسكرية في دارفور هدأت نسبيًا على مدار الأعوام القليلة الماضية، إلا أن الأوضاع هناك قابلة للانفجار في أي وقت

ورغم أن العمليات العكسرية في دارفور هدأت نسبيًا خلال الأعوام القليلة الماضية، إلا أنها قابلة للانفجار في أي وقت، بسبب الأساطير والنعرات العصبية وضعف التنمية، وانتشار السلاح وسط المواطنين، لحد أن يباع على مرأى ومسمع الجميع.

اقرأ/ي أيضًا: عن صورة دارفور الباهتة

ولسوء حظ الخرطوم فإن فرحتها لم تكتمل بسقوط العقيد معمر القذافي الذي كان يعاديها بلا سبب مُعلن، فحصلت الحركات المسلحة الدارفورية التي كانت تحارب إلى جانبه على النصيب الأوفر من عتاده العكسري، ووظفت تلك الترسانة في حربها المستعرة ضد النظام السوداني، بل وجد التمرد ملاذًا آخر تمثل في الجنرال خليفة حفتر، عدو الإسلاميين اللدود، والمدعوم من دولة الإمارات العربية المتحدة والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي. لقد وجد حفتر وجد في تلك الحركات ضالته لإدارة معركة مفتوحة في الداخل والخارج.

قالها مصور أمريكي وهو يرصد مشهدًا كارثيًا: "كيف تريدوننا أن نضبط العدسة وعيوننا مليئة بالدموع؟!". كانت تلك العبارة تحاصر طائفة من الذين تابعوا الفيلم الأمريكي "الهجوم على دارفور"، وهو فيلم سينمائي أفرزته موجه التصعيد الإعلامي للأزمة في العام 2009، ويمثل واحدًا من سلسلة الأفلام الموجهة لإدانة النظام الحاكم في السودان، كونه يدعم القبائل العربية في دارفور، وذلك بحشد الرأي العام العالمي والمنظمات الكنسية ضدها، وهو ما أثار حنق الحكومة باعتباره يفضح النوايا العدائية ضدها.

تتجول الكاميرا في إحدى قرى دارفور المشيدة بالقش، وتنقل صورة حية للنشاط اليومي مقرونة بقصاصات الخوف من المجهول والفوضى المرتقبة، ولكنها حياة فيما يبدو غير طبيعية وليست نتيجة مصادفات، بحيث أنك تستطيع أن تتوقع نهايتها. الموت كائن يتربص بك، والأعراض مستباحة والأرض مسقية بالدم حد الارتواء.

واعتبر كثيرون أن هذا الفيلم تحديدًا، يُعد واحدًا من أخطر الأفلام التى أنتجتها هوليوود لتسويق قضية دارفور، وانفتحت على إثرها المأساة بشكل فشلت كل محاولات السيطرة عليها. وهنا يبرز سؤال مُلح: هل نجحت تلك الأفلام في صناعة رأي عام ساخط على النظام وقادر على التأثير على حكومات بلدانها لتطوير موقف قاطع منه؟ أم أن تلك القضية لا تعدو كونها مجرد مؤامرة، كما يشير الإعلام الخرطومي دائماً؟ وهل الحرب في دافور حتمية أم أن الأزمة برمتها وُلدت خارج رحم المنطق؟

يُكمل خليفة حفتر ما بدأه القذافي من التحريض على الحرب والفوضى في دارفور باستقطاب ودعم وتمويل الحركات المسلحة الدارفورية

من البداية يصعب توفير أجوبة لتلك الأسئلة على اتساع أقواسها، فقضية مثل المحكمة الجنائية ظل الغرب يشهرها في وجه الرئيس عمر البشير بين الحين والآخر، إلا أنها لم تعد تزعج الخرطوم مؤخرًا، بالرغم أن ما رددته الجنائية من اتهامات كتبه مخرج الفيلم "أوي بول" نهاية العرض: "إن لم نوقف الإبادة الجماعية فهذا يعني أننا لم نتعلم من التاريخ". ومع ذلك  الحرب قديمة في دارفور، وتتحكم فيها نزعات البشر والرغبة في الحصول على المياه والمراعي والثأرات.

اقرأ/ي أيضًا: بالفيديو: ميليشيا حفتر تختطف وتعذّب سودانيين في ليبيا 

وقد استعان بول في فيلمه بشخصيات ذات ملامح عربية لتقوم بدور قادة القبائل العربية، وأسند شخصية قائد الهجوم على القرية إلى الممثل المصري العالمي سامي الشيخ.

المثير حقًا أن أشهر قصة لها علاقة بما يجري في وديان دارفور، هي قصة "أم كواكية"، بوصفها قدرًا لا مفر من مجابهته، تتجلى غرابتها تمامًا مثل المناظر الهوليودية آنفة الذكر. و"أم كواكية" تعني "غُصُب كي"، وهي الفوضى العارمة التي ينال فيها الناس من دماء وأعراض وممتلكات بعض، حيث يشتعل نوع من الحريق وتتصاعد ألسنة اللهب لسنوات، وبعدها يتمكن القتلة من العودة والهروب، وينزوي الضحايا في الملاجئ، يعيشون مشاهدهم الجنائزية ويتأملون تفاصيل القيامة من وراء بيوت القش والطين، وذلك ما يمكن وصفه بتبعات الزلزال.

رويدًا رويدًا تلاشت "أم كواكية الأولى" في غضون نصف قرن أو يزيد قليلًا، حيث امتدت خلال السنوات ما بين 1874 و1916، وسرعان ما عادت الحياة لطبيعتها، لكن كثبان الرمال احتضنت ذات الشر في جوفها، فمجددًا انفجر الجزء الثاني من مسلسل "أم كواكية"، وقتل بسببها الآلاف. 

تلك المشاهد حاول أن يسترسل في تفسيرها القذافي، من زاوية أخرى تبعث خيوط الدهشة. عقيد ليبيا الراحل وصف الصراع في دارفور بأنه "من أجل ناقة سُرقت وسالت من وراءها الدماء، ولكن بالتأكيد ليست مثل ناقة صالح"، هكذا اختزلها الرئيس الذي ثار عليه شعبه، وهو بالطبع جزء من الأزمة والمحرضين وقتها، واليوم يمضي على إثره الجنرال الانقلابي خليفة حفتر.

قبل عام ونيف تقريبًا، نشرت صحيفة سودانية خبرًا عن نبتة غريبة تحض أهل دارفور على وقف القتال، ويمضي الخبر الذي أورده مراسل الصحيفة من مكان الحدث، للقول بظهور نبتة في شكل كفين يضرعان بالدعاء في محراب أحد المساجد بمحلية "عد الفرسان" في إحدى ولايات دارفور. ما رسخ في يقين العُمد والمشايخ والأهالي هناك، أنها آية لهم للأوبة إلى الله وترك الاقتتال القبلي.

النبتة الغريبة بيضاء اللون ومفتوحة على شكل قوس أشبه بالأيادي المشرعة للدعاء، فيما تضمن الخبر أيضًا حفاوة الأهالي بتلك "الكرامة" التي لا يجب أن تمر مرور الكرام، لذلك تسابقوا إلى الصيام والدعاء والتضرع لله ونحر الذبائح والشروع في تلاة قرآن جماعية.

النبتة الغامضة وناقة دارفور التي استنجد بها القذافي لتفسير الصراع، واستقالة المتحدثة الرسمية باسم بعثة "اليوناميد" عائشة البصري، لفشل البعثة في حفظ السلم والأمن وحماية المدنيين من الموت؛ تعتبر تلك بعض الجراح التي تمنح "أم كواكية" حقيقة وجودها، وأنها كارثة لازمة التكرار، كما أن ذلك الرصيف لا ينفصل عن سياج ذي صلة حول ما يجري اليوم من انتشار مكثف للسلاح في مناطق حدودية مفتوحة على دول مضطربة الأحوال، وأعني بذلك ليبيا، وإلى أفريقيا الوسطى. 

وقد جرت واقعة أيضًا تضمنت مشاهد مأساوية في منطقة "جبل عامر" المكتنز بالذهب شمال دارفور، والذي كان يسيطر عليه الزعيم القبلي المعتقل من قبل السلطات السودانية موسى هلال. ما أشيع حول أحداث جبل عامر التي قتل فيها المئات، أن ثمة أيادي ليست من أبناء البشر هي التي تسببت فيها!

ما هو رائج حول حقيقة القتال في منطقة جبل عامر، يخوض في الاعتقاد السائد وسط الأهالي بأنه مجرد لعنة أو "عين" أصابت المنطقة، وأدت إلى صراع حصد مئات الأرواح في فترة وجيزة، خصوصًا وأن تلك المرتفعات والأماكن المهجورة اشتهرت بأنها مساكن للجن.

لكي تصبح دارفور خالية من السلاح، فإنه لا خيار سوى القضاء على كل ما يجعل السلاح ضروريًا ومتاحًا

وبعيدًا عن الفتل على جديلة الأساطير، فإن مؤسسة الرئاسة السودانية ابتدرت قبل أشهر حملة لجمع الأسلحة من المواطنيين في دارفور وبقية ولايات السودان، ولوحت بكل الخيارات بما فيها الخيار العكسري، إلا أن ما يعيب تلك الحملة أنها بدأت طوعية وانتهت إلى القوة دون أفكار جديدة ومختلفة حول جمع السلاح، وهنا يصعب التكهن بنجاحها، لأن السلاح في دارفور يباع في الأسواق العامة كالطعام، وتستخدمه القبائل هنالك في غزواتها وحراسة أملاكها، والتعبير عن قوتها. ولكي تصبح دارفور خالية من السلاح، فإنه لا خيار سوى القضاء على كل ما يجعل السلاح ضروريًا ومتاحًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لماذا لا يسقط النظام في السودان؟ (3-3)

العنصرية في السودان.. قبائل بهويات تائهة