مانفريد كيلنهوفر/ النمسا

لا أذكر من أنا. مضى وقت طويل عليّ هنا، أتربّص بالذين يتربّصون بي. هل أنا ذكر أم أنثى؟ لا أذكر.

بصراحة، لا يهمني الموضوع، ولم يكن يعنيني قبلًا. لكني أشعر الآن برغبة بأن أدفع نفسي كي تسائل نفسها عن هويتها. ربما مجرّد رغبة في أن أزجي وقتي ببعض الأفكار. ليس الأمر أنني مللت، بل لأني أشعر بأن الأفكار نفدت مني، وبات لزامًا علي أن أخترع أفكارًا جديدة، باعتبار أني فقدت حتى أي نوع من المشاعر.

آخر مرة فكّرت فيها، كانت قبل بعض الوقت، لا أعلم إن كان منذ زمن طويل أو قصير. حينها كنت أرقب من مكمني امرأة جالسة وحيدة على كرسي الحديقة، من دون أن تلحظني، فأوراق الشجر والأعشاب التي غطيت بها نفسي وأخذت تنمو من حولي وفي جسدي مع مرور الوقت، تحميني من الآخرين.

المرأة كانت تلبس تنورة قصيرة وتضمّ ساقيها إلى بعضهما، وكأنها تمنع أحدهم من رؤيتها. هي لا تعرف بوجودي، فلماذا تضمّ ساقيها وتخفي ما بينهما؟ لم كلّ هذا التشنج؟

كانت هذه الفكرة تدور في رأسي: يبدو أن الناس يشعرون دائمًا بأن أحدًا ما يراقبهم، مع أنهم يعلمون أن الأمر غير صحيح. المشاعر أقوى من الإدراك. هذا ما استنتجته. وعندما أدركت بأن الفكرة تخبو وأني سأعود إلى الفراغ مجددًا، تأمّلت في الأمر الآتي:

أيعقل أن أكون ذكرًا لأني كنت أحدّق في ساقيها وأرغب في رؤية ما بينهما؟ إلا أني سرعان ما استبعدت الأمر باعتبار أني لم أكن أرغب في رؤية شيء، بل إن الأمر كله كان محض تفكير.

أعلم، أعلم. أعلم أن المشاعر عادة هي التي تدفعنا إلى التفكير، وأنا أفعل ذلك، ليس لأنه لدي مشاعر تجاهها، إنما كي لا أفقد إحساسي بوجودي. لا، لا. ليس إحساسي، بل إدراكي بوجودي.

إذن، ليس بالضرورة أن أكون ذكرًا. فحتى لو قلنا بإنني كنت أرغب في رؤية ساقيها، الأمر لا ينفي أن أكون أنثى. وأنا أقول ذكرًا وأنثى عوضًا عن رجل وامرأة، أو أي صفات أخرى، بسبب نسياني لتاريخ ميلادي وعلائم ولادتي ونموي، وفقداني لأي إحساس بالزمن، أو لأكون أكثر دقة، إدراك بالزمن.

أنا أختبئ هنا منذ زمن، لا أدري إن كان قصيرًا أم طويلًا. بل إني قد نسيت تمامًا سبب اختبائي.

الأمر الوحيد الذي أعرفه هو وجودي. تفكيري يؤكد ذلك. لكن لا أملك إجابات على أي أسئلة إضافية.

لذلك، قرّرت أن أطوّر تقنيات تفكيري. ألا أفكّر بتجريد وانفصال، بل ينبغي لي أن أربط الأمور ببعضها، وأن أسلسل الأحداث، وأفسّرها وفقاً لوجودي.

هل نجحت في الأمر؟ لا أعرف. ولكن الأمور اختلفت تمامًا بالنسبة إلي بعد ذلك وصغر حجم الوجود من حولي حتى اقتصر عليّ وحدي.

أنا الوحيد الموجود الآن، وكل شيء يحدث أمامي أو حولي هو امتداد لوجودي. أنا مركز الكون، بل أنا الكون ذاته. الحوادث امتداد لتفكيري وكياني. لا، لا، كل شيء هو كياني.

في هذه اللحظة، انتابتني رغبة في أن أخرج من مكمني. فلماذا ينبغي لعالمي أن يكون صغيرًا إلى هذه الدرجة. ولكن هل هو صغير؟

مجددًا، غيّرت موقفي. العالم كبير جدًا. بل أظن حتى بأنه أكبر من حاجتي ورغبتي، إن وجدتا. ما أراه أمامي لا حاجة لي به. بكل تأكيد، ساقاها أمر نافل. حتى هذه الأفكار لا طائل منها. مجرد أمور تبلبل عقلي وتشوّش ذهني. استقر تفكيري أخيرًا على قرار. سأبقى هنا. لن أنظر حولي، ولن أرقب شيئًا أمامي. سأغلق الباب في وجه أي أسئلة أو جدل. لا حاجة بي إلى ذلك. سأكتفي بوجودي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

درعا.. يوميات الحصار

رسائل الرّيح