أسئلة ما بعد سقوط نظام الأسد
5 يناير 2025
مطلع الشهر القادم، تمر اثنتا عشر عامًا كاملة على خروجي من سوريا، قضيتها كلها في رحلة مضنية في سبيل الاستقرار. كانت السنوات الأولى هي الأقسى والأصعب؛ سنوات الاقتلاع وفقدان الوطن وكل ما هو مألوف، وسنوات التأقلم مع حياة جديدة كليًا في بيئة مختلفة. ولعل أكثر ما كان يدفع إلى تقبل هذه السنوات هو إحساس بالذنب لا بد أن يغمرنا حين نكتشف أننا الأقل تألمًا، وأننا في أوضاع يُحسد عليها، بينما يعاني أهلنا في كل مكان أضعاف ما نعانيه.
مع وصولي إلى فرنسا، قرأت مقالة عن مقابلة الرئيس الفرنسي حينها، فرانسوا هولاند، لمجموعة لاجئين سوريين نصح فيها اللاجئين بالعمل على الاندماج سريعًا في مجتمعهم الجديد، مع الحفاظ على فكرة العودة إلى الوطن في الوقت نفسه. أتذكر أنني سألت نفسي حينها: كيف أندمج في فرنسا وأعمل وتصبح حياتي هنا، فيما أفكر في العودة وأنتظرها؟ يشبّه باحث اجتماعي المنفى بـ"العتبة"، إذ يرى أن المنفي يترك منزلًا قديمًا ويحاول الانتقال إلى منزل جديد، لكن كثيرين يبقون عالقين في العتبة بين المنزلين، ويعجزون عن اتخاذ تلك القفزة التي تسمح لهم بدخول المنزل الآخر.
عاهدت نفسي في حينها ألا أبقى عالقة، وأن أقفز نحو حياتي الجديدة مفترضةً أنها حياتي القادمة وأنها ستستمر لبقية العمر. رتبت حياتي في المنفى ببطء وبالتدريج، وعملت على تحقيق اندماج على طريقتي الخاصة، اندماج فرنسيٍ بقيت سوريا في صلبه. كنت أشارك في المؤتمرات والندوات والجلسات لكي أحدث الفرنسيين عن سوريا، محاولةً بقدراتي المحدودة نقل صوت الثائرين الذين يطالهم القصف والاعتقال والتنكيل.
كانت السنوات الأولى هي الأقسى والأصعب؛ سنوات الاقتلاع وفقدان الوطن وكل ما هو مألوف، وسنوات التأقلم مع حياة جديدة كليًا في بيئة مختلفة
في السنوات الأخيرة، حين بدأ اليأس يتسلل إلى قلوب المنفيين، أدركت أن الواجب يقتضي العمل معًا من أجل إسقاط النظام الأسدي، كل من مكانه وحسب إمكاناته، لا سيما من خلال التذكير الدائم بجرائمه المستمرة. ووجدت حينها أن حفظ رواية الثورة وإعادتها وتوثيق تفاصيلها من أهم الأعمال التي نستطيع القيام بها، وأصبحت عبارة كتبها علاء عبد الفتاح، الناشط المصري المعتقل، في كتابه "شبح الربيع"، هي بوصلتي: "لا تخجل السردية البديلة من الهزائم، فهي ليست قصة الأقوياء والمنتصرين". وأصبحت على قناعة بأن عدم سقوط النظام لا يسقط عن الثائرين شرف المحاولة والاستمرار في الثورة.
فجأة، وبعد طول انتظار، سقط النظام الأسدي دون مقدمات، في عشرة أيام كنا نلهث فيها لنلتقط الأخبار، وننوس بين الفرح وعدم التصديق، انهارت كل أشكال الاندماج، وأصبح سؤال العودة ملحًا، وبدت كل الترتيبات التي اتخذتها بعد تفكير وتأن غير صالحة للمرحلة الحالية. بدأ الأصدقاء يناقشون ترتيب حيواتهم بشكل مختلف، وأصبح البلد المضيف ذا معنى مختلف، وخاف الأبناء والبنات الذين لم يعرفوا بلادًا سوى المنفى من اندفاع أهلهم وحماسهم لفكرة العودة.
واقعيًا، وجد اللاجئ نفسه أمام أسئلة مصيرية: هل يهدر سنوات الاندماج ويعود إلى وطنه ليبني حياته مرة أخرى من الصفر؟ كيف يعود اللاجئ ولا دخل له سوى عمله اليومي في المنفى؟ أين سيسكن العائدون في ظل خسارتهم لبيوتهم في الوطن؟ كيف ينهون حياة ترتبت لتستمر؟ كيف سيتأقلم أولادهم الذين لا يتحدثون العربية؟ هل تحتمل البنى التحتية السورية عودة كل هؤلاء دفعة واحدة؟ هل على اللاجئ التخلي عن لجوئه؟
إلى حين الإجابة عن كل تلك الأسئلة، وهي عملية تحتاج إلى وقت وتأنٍ لا تتيحها غلبة العواطف والأشواق، يلح عليّ سؤال يسبق العودة. أشعر أنني طوال اثني عشر عامًا، وضعت نصب عيني هدفًا واحدًا، وخصصت كل وقتي للتفكير فيه والسير نحوه، وهو سقوط النظام. فما الذي يمكنني فعله اليوم وقد تحقق؟
يبدو أننا اليوم أمام عدة خيارات: الأول اعتبار أن زمن الثورة انتهى، وأن الهدف منها تحقق، وأن الوقت قد حان كي نرتاح ونلتفت لحياتنا الشخصية. أما الخيار الثاني، فيصب في تغيير الهدف من إسقاط النظام إلى بناء الدولة، والعمل يوميًا من أجل تحقيق أهداف الثورة الأخرى في دولة مدنية ديمقراطية عادلة، لا تقبل إلا بتداول السلطة. أما الخيار الثالث، فهو الاشباك الأبدي مع السلطة ومعارضتها ورفضها والاستمرار في فكرة الثورة إلى ما لا نهاية.
في نظري، يبدو الخيار الثاني الأكثر منطقية وعقلانية، لكنه في المقابل يتطلب المزيد من صب العمل والطاقة في سبيل تحقيقه، وإن كان إسقاط النظام قد كشف لنا شيئًا، فهو أننا استُهلِكنا، وأن التعب بدأ يتسلل إلينا بعد سنوات طوال أبينا فيها الاعتراف بالضعف أو بالكلل.
لا يمكننا بطبيعة الحال وخلال شهر واحد أن نجيب عن كل التساؤلات، ولا أن نرسم حياتنا الجديدة في ظل عودة وطن كنا نعتقد باستحالة العودة إليه. لكن إلى أن نجد الإجابات، على مهل، يكفينا أن نتذكر أننا حلمنا يومًا، وتخيلنا بلدنا بلا أسد، وعملنا وفكرنا معًا، ووحدنا طاقاتنا، فنجحنا وسقط الأبد.