أسئلة بلا نهاية.. ماذا يشغل الحضور في ندوات نجيب محفوظ؟
16 ديسمبر 2025
يُعدّ الإرث الروائي للكاتب نجيب محفوظ مادة حيّة للنقد المستمر، حيث تُشكل المؤتمرات والندوات الأدبية فضاءً أساسيًا لإعادة فحص نصّوصه في ضوء التحولات الفكرية والاجتماعية. واستمرارية هذه المناقشات لأديب نوبل تؤكد أن القيمة النصّية لا تتوقف عند إبداعها، وتتجدد في تفاعل القارئ والناقد معها.
ومن خلال متابعتي وقائع عدد من هذه الجلسات والمؤتمرات المخصصة لأعمال محفوظ، يبرز نمط واضح من التساؤلات المحورية التي تُطرح مرارًا من الحضور. هذه الأسئلة مؤشرات دقيقة للهواجس الفكرية التي ما زالت تسيطر على تلقي الأعمال المحفوظية. وهي أسئلة لا تسعى إلى الإجابة القاطعة بقدر ما تهدف إلى تأصيل فهم منهجي للرؤى الفلسفية والفنية التي يقوم عليها المشروع الروائي.
تغلب على أسئلة الحضور في ندوات محفوظ محاور رئيسية، يتجلى فيها شغف القارئ بالرواية كمشروع فكري متكامل:
دائرة الأسئلة المحورية: الفلسفة والتأثير
- لماذا يرتكز الحديث دومًا على البُعد الفلسفي في روايات محفوظ؟
هذا السؤال، الذي يُطرح بشيء من الاستغراب أحيانًا، يمثل مفارقة حقيقية. فمحفوظ كاتب الواقعية المصرية بامتياز، وهو رائد في تقنيات السرد والوصف، ومع ذلك يطغى على النقاشات تحليل الجانب الفلسفي. وأرى أنّ لأعمال نجيب محفوظ ملامح متعددة ومستويات سردية عميقة، لكن دراسته الأكاديمية المبكرة للفلسفة (والتي شملت فلاسفة كبارًا من أمثال برجسون وشوبنهاور) تعد أساسًا لافتًا ومؤثرًا على الأفكار الكبرى التي تقف وراء بنية الرواية وتصميم شخوصها. الفلسفة عند محفوظ ليست مجرد "أفكار مقحمة"، بل هي العمود الفقري لتساؤلاته الوجودية والاجتماعية التي تتبدّى بوضوح في روايات مرحلته الواقعية الكُبرى مثل "بداية ونهاية" وسلسلة "ثلاثية القاهرة".هذه الخلفية الفكرية هي التي منحت أبطاله عُمقهم المأساوي والبحث عن المعنى.
- هل تتصورين أن نجيب محفوظ تأثر بـ"حي بن يقظان" في رواية "قلب الليل"؟
هذا السؤال يفتح باب المقارنات بين التراث الفلسفي العربي والتجريب المحفوظي. وأجد أن التأثير الثقافي والفني والمعرفي العام شيء لا يمكن إنكاره على أي كاتب بحجم نجيب محفوظ؛ فهو نتاج بيئته ومرجعياته. ومع ذلك، وعند تدقيق النظر في "قلب الليل"التي تقدم مسيرة جعفر الراوي المعقدة بين الزهد والحياة المادية، لا أجد تشابهًا مباشرًا أو تطابقًا هيكليًا كاملاً مع تجربة حي بن يقظان لابن طفيل. فبينما يمثل حي نموذجًا للتفكير الفردي والوصول إلى الحقيقة عبر العزلة والتأمل الخالص، فإن جعفر في "قلب الليل" يعيش صراعًا داخليًا عميقًا في قلب المجتمع القاهري المضطرب، وتجربته الوجودية تتشابك باستمرار مع الشخصيات والأحداث العائلية والاجتماعية التي تشكل وعيه ونكوصه. أي أن "قلب الليل" هي رواية عن الصراع الوجودي في قلب المدينة، لا في عزلة الجزيرة.
لا أتصور أن تبني روائي عملاق لهذا الطرح، ومعالجته فنيًا بهذا العمق، يبدو أمرًا مشينًا أو محل اتهام يحتاج إلى تبرير أو نفي
- لماذا تندر دراسة الجوانب الفنية والتقنية لعمل محفوظ في هذه اللقاءات؟
يعتقد البعض أن الندوات تركز حصرًا على المضامين الفكرية على حساب الشكل الروائي. والحقيقة أن الرصيد النقدي لمؤلفات محفوظ غني جدًا، وقد قرأت عشرات الدراسات الرصينة التي حللت بدقة بالغة الجوانب الفنية والتقنية لأعماله، ابتداءً من استخدام تقنية الـ "فلاش باك" في "اللص والكلاب"، ووصولاً إلى تقنية تيار الوعي في "الشحاذ". لكن ما يثار في الندوات والمؤتمرات، لطبيعة الفعل الحواري المباشر، يميل تلقائيًا إلى تبادل وجهات النظر حول فلسفته وتصوراته الكبرى، وهي نقاط تُشعل الجدل الجماهيري أسرع وأكثر من النقاشات الأكاديمية المتخصصة في البنية السردية. الندوات تميل إلى الجدال، والدراسات تميل إلى التحليل العميق؛ وكلاهما ضروري.
أسئلة الجدل الشائك: السلطة، الدين، والعقائد
لا يمكن الحديث عن محفوظ دون المرور بالأسئلة التي تلامس موضوعي السلطة والدين، فهذان المحوران يُمثِّلان أشد نقطة احتكاك في تاريخه الأدبي.
- لماذا يُنظر إلى أعمال محفوظ باستمرار من منظور السُلطة والدين؟
إن جاذبية هذين الموضوعين، لكونهما يلامسان حساسيات المجتمع الأساسية، يجعلهما نقطة مثارة وجذّابة في أي حديثٍ عام. ومع ذلك، فإن المطّلع على مراحل إبداع محفوظ يدرك أن أعماله مرت بمنعطفاتٍ تاريخية وواقعية وتجريبية. تظل مسألة الحديث عن الأعمال التي اشتبكت مع العقائد مثار الأسئلة الأهم. ولا يمكن تجاهل أن محفوظ كاد أن يدفع حياته ثمنًا لتصوره الأدبي في رواية "أولاد حارتنا"، ومنذ تلك الحادثة المؤسفة، أصبحت تشابكاته الفكرية مع القضايا الدينية من أهم النقاط المثارة في الندوات، ليس فقط لعمقها الفني، بل لما ترتب عليها من وقائع تاريخية في حياته الشخصية والأدبية.
- هل تدور "أولاد حارتنا" حقًا عن الدين والرُسل؟ وما الداعي إلى نفي هذه التأويلات؟
هذا السؤال يطرح نفسه في كل ندوة، مع ميل بعض النقّاد إلى التخفيف من حدّة التأويلات الدينية للرواية. صحيح أنني قد أجد من يحاول نفي هذه التأويلات النصّية، متصورًا أنه بذلك ينفي تهمة أو يرفع حرجًا عن محفوظ. لكني وبوضوح أميل إلى رؤية هذا التجادل الفني العميق مع الشرائع والمفاهيم العقائدية. الرواية مشروع رمزي كبير لا يقتصر على مقاربة التاريخ الديني فحسب، بل يتجاوزه إلى دراسة العلاقة الأبدية بين المبدأ والسلطة والقوة، وهي علاقة تجسدها شخصيات مثل "جبلاوي" و"أدهم" و"جبل". لا أتصور أن تبني روائي عملاق لهذا الطرح، ومعالجته فنيًا بهذا العمق، يبدو أمرًا مشينًا أو محل اتهام يحتاج إلى تبرير أو نفي. إنه جزء أصيل من مشروع الروائي الذي لا يخشى الغوص في أعماق التساؤلات الإنسانية.
- لماذا لا ينظر إلى أعمال محفوظ سوى في إطارها الديني أو الفلسفي دون غيره؟
الاعتقاد بأن التركيز ينحصر في هذين الزاويتين قد يغفل جوانب إبداعية أُخرى. لا يمكن إنكار ثراء الفترة الواقعية عند محفوظ على مستوى تدقيق رسم الشخصيات بأبعادها الاجتماعية والنفسية كافة. ولا أتصور تبني مفهوم الدقة المتناهية في رسم الشخصية الروائية دون التعرض للبُعد الذي يحمل تصوراتها العقائدية، وتشابكاتها الفكرية، وعلاقتها بالقدر أو الإله أو منظومة الشرائع. فعندما يرسم محفوظ شخصية كمال عبد الجواد في "الثلاثية"، أو سعيد مهران في "اللص والكلاب"، أو بطل "ميرامار"، فإنه يقدم كائنًا مكتمل الأبعاد، والبُعد العقائدي والفلسفي مكوّن أساسي من المكونات النفسية والاجتماعية التي لا يمكن فصلها عن واقعنا كبشر.
وتبقى الأسئلة
تبقى ندوات نجيب محفوظ، ومثلها المؤتمرات المكرّسة لأعلام الأدب، ساحة مفتوحة، لا لتقديم الإجابات، بل لتكريس حالة السؤال المتجدد. إنّ استمرار الحوار حول فلسفة محفوظ، وفنّه، وجدله مع الدين والسُلطة، دليل على أن أعماله ما زالت حيّة، تتنفس في وجدان القارئ العربي، وتدعونا إلى التفكير مجددًا في معنى الحياة والوجود والسرد.







