أسئلة الانتفاضة الجادة بعد استقالة الحريري

أسئلة الانتفاضة الجادة بعد استقالة الحريري

من مسيرات الانتفاضة اللبنانية (أ.ب)

حالة من التعقيد تكتنف المشهد اللبناني بشكل عام، بدت جلية بعد الانتفاضة التي بدأت في 17 تشرين الأول/أكتوبر المنصرم، فالنظام الذي يطالب المتظاهريون بإسقاطه هو أعقد مما قد يتصوره البعض، خاصة من خارج لبنان.

ثمة تباين بين مجموعات الانتفاضة حول شكل الحكومة المنتظرة، بين أن تكون حكومة تكنوقراط أو حكومة سياسية بعيدًا عن وجوه الحكومة السابقة

السلطة في لبنان لا تشبه السلطة التقليدية في مخيلة الناس، إذ قامت الانتفاضة في وجه زعماء وسياسيين حاليين وسابقين، ورموز أخرى ليست ضمن السُلطة التي تعارف عليها الناس، وإن كانوا شركاء في الحُكم. 

اقرأ/ي أيضًا: 4 سيناريوهات محتملة في لبنان بعد استقالة سعد الحريري

وبعد أن قدّم رئيس الوزراء، سعد الحريري، استقالته، دخل المشهد اللبناني في مزيد من التعقيد، وهو مرشح لتعقيدات أكبر وأكبر في الفترة القادمة. 

بعد 13 يومًا من بدء الانتفاضة، وفشل ورقة الحريري الإصلاحية في تهدئة الشارع، قام بتقديم استقالته لرئيس الجمهورية ميشال عون. الاستقالة التي قوبلت بترحيب كبير من قبل المتظاهرين، باعبتارها أولى مكاسب الانتفاضة اللبنانية، حسن من جهة أخرى موقف الحريري في الشارع. فهل يمكن أن يقود الحريري الحكومة الجديدة؟ أم لن يحدث هذا؟ وبأي شكل يمكن أن تخرج هذه الحكومة؟ 

ثمة تباين في الآراء بين مجموعات الانتفاضة اللبنانية حول شكل الحكومة المُنتظرة، بين من يُريدون حكومة تكنوقراط من متخصصين، وبعيدة عن أحزاب السُلطة، ومن يُريدون حكومة سياسية لا يُرى فيها وجوه الحكومة السابقة، وبين من يرون أن الحريري هو الأحق بتشكيل الحكومة الجديدة لموقفه من الانتفاضة وتقديمه استقالته رغم اعتراض باقي فرقاء نظام المحاصصة الطائفية

وآخرون يرون أن الحريري نفسه أحد رموز الفساد في المجموعة الحاكمة، والذي يجب أن يُغادرها للأبد، وفي المقابل تشكيل حكومة مُصغرة غير سياسية تُدير فترة انتقالية؛ وهنا تقف الأوضاع بين انتفاضة واسعة غير مسبوقة في البلاد تُريد تغييراً حقيقياً وسُلطة ونظام حُكم يُريد القضاء عليها أو المماطلة حتى تهدأ.

مزيد من الأسئلة يُثيرها اسم الحريري نفسه، فهناك من يعتقد بأن استقالة الحريري قد زادت من شعبيته وقبوله في الشارع ويمكن تسميته كرئيس للحكومة المُقبلة، على أن تكون خارج المحاصصة الطائفية، رافضين أن يكون الحريري كبش محرقة،. 

لكن، سيقبل جبران باسيل، رئيس أكبر كُتلة نيابية (29 مقعدًا من أصل 128) بالخروج من الحكومة، إذا كان رئيس الحكومة نفسه هو زعيم حزب سياسي وزعيم كُتلة برلمانية هو الآخر، بل وبعدد مقاعد أقل منه؟ وكيف سيحظى الحريري بموافقة مجلس النواب إذا كانت مقاعد كتلته لا تتجاوز 21 مقعدًا في البرلمان؟!

وطائفة رئيس الحكومة هي الأخرى إحدى تعقيدات المشهد نفسه، فالعُرف الدستوري يقول إن رئاسة الحكومة للطائفة السُنية، وهو ما يطرح عدة أسئلة ملحة: ما اسم الرمز السُني الذي يُمكن أن يكون بديلًا للحريري ويتمتع بشعبية تأخذ الثقة داخل مجلس النواب وتنجح في إرضاء الشارع؟ خاصة بعد أن هتف المتظاهرون ضد جميع الرموز تقريبًا، متهمين إياهم بالفساد، بما في ذلك فؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي وغيرهم. 

وإذا كان تشكيل الحكومة هو الخطوة الأولى في سبيل الدولة المدنية وإنهاء الطائفية السياسية، فهل سيقبل المتظاهرون في المناطق السُنية باسم رئيس للوزراء من خارجهم، وأن يكونوا هم أول طائفة تتنازل من أجل مطالب الانتفاضة؟ 

هذا بالإضافة إلى أن الحديث عن حكومة تكنوقراط سيفتح الباب لمزيد من الأسئلة حول الخلفية السياسية لهؤلاء التكنوقراط المتخصصين.

تلك التعقيدات البارزة فيما يخص تسمية رئيس وزراء للحكومة، سيتبعها تعقيدات أخرى فيما يخص أعضاءها، وفيما يخص نصيب الكتل البرلمانية فيها، علمًا بأن حكومة الحريري المُستقيلة، استغرقت أكثر من ثمانية أشهر حتى تشكلت.

هذه التعقيدات التي تحكم المشهد السياسي في لبنان، هي أصل المشكلة التي تعبر عنها المجموعة الحاكمة، أو النظام الذي يدعوا المتظاهرون إلى إسقاطه. هذه التعقيدات هي التي تحكم لبنان، وتحكم على شعبه بالخضوع لتداعياتها!

أما الخطوة التالية في مسار التغيير الذي يطرحه كثير من المتظاهرين، فتتمثل في انتخابات برلمانية مبكرة وفق قانون انتخابي جديد يُنهي السياسية الطائفية.

لكن حتى هذا الطرح، يستدعي العديد من الأسئلة، مثل: أي قانون انتخابي يمكن أن يطبق في ظل التقسيم الطائفي المناطقي؟  فيطالب البعض بأن تكون الدولة اللبنانية بأكملها دائرة انتخابية واحدة دون الاعتداد بالتقسيمات المناطقية. لكن، هل سيكون هذا مرضيًا للجميع، في ظل تمايز ديمغرافي بين الأديان والطوائف؟

بصيغة أخرى: هل سيكون مقبولًا أن تكون هناك أغلبية مسيحية أو مسلمة داخل البرلمان؟  وماذا لو حظيت طائفة بأغلبية كبيرة وفق عددها (لم يُجر إحصاء رسمي للسكان في لبنان منذ عام 1932، وتُشير بعض الإحصائيات غير الرسمية إلى أن نسبة المسيحيين 30.6% والمسلمين 69.4%) ما قد يضع قواعد جديدة تمامًا لنظام الحُكم؟

يُحسب للانتفاضة اللبنانية أنها فككت المنظومة وصولًا إلى الأسئلة الجادة عن الطبيعة الديموغرافية للبلاد وبنية السلطة الحاكمة

إذًا فالمزيد من التعقيد المُنتظر في كل خطوة تخطوها الانتفاضة اللبنانية إلى الأمام، بأسئلة جادة عن الطبيعة الديموغرافية للبلاد، وبنية السلطة الحاكمة. وهي أسئلة، يُحسب للانتفاضة أنها فككت المنظومة وصولًا إليها، إذ كان طرحها سابقًا ضرورة تغافل عنها الجميع، لتعيد الانتفاضة إحياء هذه الضرورة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الانتفاضة اللبنانية تتوسع وخطاب السلطة يفشل مجددًا

إغلاق المؤسسات بالاحتجاج في لبنان.. التصعيد الثوري في مواجهة التجاهل الحكومي