أزمة عمالية تهدد ربع صادرات كوريا الجنوبية.. ماذا يحدث داخل سامسونغ؟
17 مايو 2026
تسابق حكومة كوريا الجنوبية الزمن لاحتواء أزمة عمالية متصاعدة داخل شركة سامسونغ، بعدما أعلنت أنها ستستخدم "جميع الخيارات الممكنة"، بما في ذلك التحكيم الطارئ، لمنع إضراب قد يضرب قلب الصناعة الكورية ويهدد أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني.
ويأتي هذا التحرك الحكومي وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي أي توقف في مصانع أشباه الموصلات التابعة لسامسونغ إلى اضطرابات واسعة في سلاسل التوريد العالمية، خاصة أن الشركة تعد أكبر منتج لرقائق الذاكرة في العالم، كما تمثل وحدها ما يقرب من ربع صادرات كوريا الجنوبية.
مفاوضات حاسمة بوساطة حكومية
وحسبما نقلت وكالة "رويترز"، فمن المقرر أن تستأنف إدارة سامسونغ ونقابتها العمالية محادثات الأجور يوم الاثنين بوساطة حكومية، في محاولة لتجنب سيناريو الإضراب الذي يثير قلق الأسواق والسلطات الاقتصادية في البلاد.
لا يقتصر تأثير ذلك على الاقتصاد الكوري فقط، بل تمتد أهميته إلى سوق التكنولوجيا العالمي، خاصة في مجالات الرقائق الإلكترونية والهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي
وتصاعد التوتر بين الجانبين خلال الأسابيع الماضية بعد فشل جولات تفاوض سابقة بشأن الأجور وظروف العمل، فيما ترفض النقابة التراجع عن مطالبها، مؤكدة أنها لن تقبل بأي عرض تعتبره أقل من التوقعات.
وفي المقابل، تخشى الحكومة من أن يؤدي التصعيد إلى خسائر اقتصادية ضخمة في وقت تواجه فيه كوريا الجنوبية تباطؤًا اقتصاديًا وضغوطًا متزايدة في قطاع التكنولوجيا العالمي.
خسائر يومية قد تصل إلى 667 مليون دولار
رئيس الوزراء الكوري الجنوبي كيم مين-سوك وصف الوضع بأنه "خطير"، مؤكدًا عقب اجتماع طارئ مع الوزراء أن توقفًا ليوم واحد فقط في مصنع أشباه الموصلات التابع لسامسونغ قد يؤدي إلى خسائر مباشرة تصل إلى تريليون وون، أي ما يعادل نحو 667 مليون دولار.
لكن القلق الحكومي لا يتعلق بالخسائر الفورية فقط، بل بما قد ينتج عن توقف خطوط الإنتاج الحساسة في مصانع الرقائق، إذ أوضح كيم أن إعادة تشغيل خطوط تصنيع أشباه الموصلات قد تستغرق شهورًا بعد أي توقف مفاجئ.
وأضاف أن السيناريو الأسوأ قد يؤدي إلى أضرار اقتصادية تصل إلى 100 تريليون وون إذا اضطرت الشركة إلى التخلص من المواد الخام أو المنتجات قيد التصنيع بسبب الإضراب.
سلاح "التحكيم الطارئ"
وفي محاولة لمنع الوصول إلى هذه المرحلة، لوّحت الحكومة باستخدام "التحكيم الطارئ"، وهو إجراء نادر يمنح السلطات حق تعليق أي إضراب لمدة 30 يومًا إذا اعتُبر النزاع خطرًا على الاقتصاد أو الحياة اليومية. وخلال هذه الفترة تتولى لجنة علاقات العمل الوطنية إدارة الوساطة والتحكيم بين الطرفين.
ويُعد هذا الخيار حساسًا سياسيًا، لأنه نادر الاستخدام في كوريا الجنوبية، كما أنه قد يضع الحكومة، المعروفة بمواقفها الداعمة للنقابات، في مواجهة مباشرة مع العمال.
وتكشف الأرقام حجم القلق الذي يحيط بالأزمة الحالية، إذ تمثل سامسونغ نحو 22.8% من صادرات كوريا الجنوبية وقرابة 26% من سوق الأسهم المحلية، بينما توظف أكثر من 120 ألف شخص وتتعاون مع حوالي 1700 مورد.
ولا يقتصر تأثير الشركة على الاقتصاد المحلي فقط، بل تمتد أهميتها إلى سوق التكنولوجيا العالمي، خاصة في مجالات الرقائق الإلكترونية والهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي. ولهذا يرى مراقبون أن أي اضطراب طويل في إنتاج سامسونغ قد ينعكس على أسعار الرقائق وسلاسل الإمداد العالمية، في وقت يشهد فيه العالم أصلًا منافسة محتدمة على أشباه الموصلات بين القوى الاقتصادية الكبرى.
وتضع الأزمة الحالية حكومة كوريا الجنوبية أمام اختبار اقتصادي وسياسي معقد؛ فمن جهة تحاول حماية قطاع استراتيجي يمثل العمود الفقري للاقتصاد، ومن جهة أخرى تسعى لتجنب الظهور بمظهر الحكومة التي تقمع التحركات العمالية.