أزمة عصام بويضاني وتحوّل الفاعل المسلح إلى عبء قانوني دولي
9 ابريل 2026
تشكّل مسار "جيش الإسلام" في سياق التحول المبكر للثورة السورية نحو العسكرة، مع بروز التيار السلفي كأحد أبرز الفاعلين القادرين على التنظيم والتعبئة، وقاد زهران علوش هذا المسار منذ عام 2011 عبر تأسيس "سرية الإسلام"، ثم تطويرها إلى "لواء الإسلام" عام 2012، وصولًا إلى إعلان "جيش الإسلام" عام 2013 بعد دمج عشرات الكتائب، وقد عكس هذا التدرج طموحًا واضحًا لبناء قوة مركزية تمتلك قرارها العسكري والسياسي، وتفرض هيمنتها على المجال الجغرافي والاجتماعي في الغوطة الشرقية، حيث استطاع علوش بناء نموذج عسكري-سلطوي متكامل يجمع بين القيادة العسكرية والمرجعية الدينية والإدارة المدنية في الغوطة الشرقية ووصولًا إلى جنوب دمشق.
ارتكز المشروع الذي قاده علوش على مرجعية سلفية حنبلية ذات طابع محلي، وسعى إلى تشكيل كيان إسلامي ضمن الحدود السورية، مع تركيز واضح على مركزية الهوية السنية، وقد رافق ذلك بناء جهاز إداري وأمني واسع شمل مكاتب خدمية وهيئات شرعية وأجهزة ضبط، ما منح التنظيم قدرة على إدارة الحياة اليومية للسكان، وجعل منه نموذجًا قريبًا من "السلطة الشاملة" داخل بيئته المحلية، حيث فرض سيطرته على الفصائل الأخرى وأعاد تشكيل المجال العام والتعاملات والعلاقات اليومية وفق رؤيته الخاصة.
شهدت القيادة تحولًا حاسمًا بعد مقتل زهران علوش عام 2015، حيث تولى عصام بويضاني قيادة الفصيل في مرحلة أكثر تعقيدًا، واتجه نحو مقاربة أكثر براغماتية، فقاد "جيش الإسلام" نحو الانخراط في مسارات التفاوض الدولية مثل جنيف وأستانا، وسعى إلى الحفاظ على تماسك الفصيل ضمن بيئة عسكرية وسياسية متغيرة، وقد عكس هذا التحول انتقال القيادة من نموذج كاريزماتي يسعى للهيمنة الكاملة إلى نموذج إداري تفاوضي يسعى للبقاء والتكيّف مع موازين القوى الإقليمية وترتيبات التمويل.
في المقابل، كان تنظيم جبهة النصرة قد سلك مسارًا مختلفًا، إذ انطلق من خلفية جهادية أممية مرتبطة بتنظيم القاعدة، ثم عمل على إعادة تشكيل نفسه تدريجيًا ضمن إطار محلي أكثر مرونة، وصولًا إلى تأسيس هيئة تحرير الشام. وقد اعتمدت الهيئة على مزيج من الصرامة الأمنية والبراغماتية السياسية، وسعت إلى بناء سلطة مركزية في إدلب، تقوم على تفكيك الخصوم واحتوائهم، وإعادة تشكيل المجالين العسكري والمدني تحت قيادتها.
اندلع الصراع بين هذين النموذجين القياديين في الغوطة الشرقية (جيش الإسلام وجبهة النصرة) خلال الأعوام 2014–2016، حيث سعى زهران علوش إلى فرض سيطرة مركزية مطلقة، في حين تحركت جبهة النصرة ضمن تحالفات مرنة مع فصائل أخرى. وقد تفجرت مواجهات دامية عكست صراعًا عميقًا على السلطة والشرعية، ما أدى إلى إنهاك الفصائل وإضعاف قدرتها على مواجهة النظام، وأسهم في تفكك الجبهة الداخلية للمعارضة المسلحة، ممهدًا الطريق أمام تقدم النظام واستعادة مناطق استراتيجية في محيط دمشق.
تولى عصام بويضاني قيادة الفصيل في مرحلة أكثر تعقيدًا، واتجه نحو مقاربة أكثر براغماتية، فقاد "جيش الإسلام" نحو الانخراط في مسارات التفاوض الدولية مثل جنيف وأستانا، وسعى إلى الحفاظ على تماسك الفصيل ضمن بيئة عسكرية وسياسية متغيرة
استمر هذا التنافس بعد بدء برنامج "المصالحة الوطنية" برعاية روسية، وتهجير فصائل الغوطة عام 2018 إلى الشمال السوري، حيث أعاد عصام بويضاني تموضع "جيش الإسلام" ضمن تشكيلات "الجيش الوطني"، وشارك لاحقًا في بناء تحالفات عسكرية مثل "الفيلق الثالث"، في محاولة لتعزيز موقع الفصيل ضمن بيئة جديدة. في المقابل، واصلت هيئة تحرير الشام ترسيخ سلطتها والتوسع في إدلب، وعملت على توسيع نفوذها عبر أدوات أمنية وإدارية وإعلامية، ضمن نموذج أقرب إلى "دولة داخل دولة"، ما حافظ على حالة التوتر البنيوي بين الطرفين رغم غياب المواجهة العسكرية المباشرة.
تطورت هذه العلاقة إلى صراع غير مباشر اتخذ شكل حملات إعلامية واتهامات متبادلة، حيث نظرت هيئة تحرير الشام إلى صعود تحالفات الشمال كتهديد لنفوذها، بينما سعى "جيش الإسلام" إلى تثبيت حضوره ضمن إطار عسكري أوسع دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الهيئة، وهو ما عكس انتقال الصراع من ساحة القتال إلى ساحة النفوذ والشرعية داخل الجغرافيا المعارضة.
مع التحولات التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد عام 2024، دخل "جيش الإسلام" مرحلة جديدة مع انخراطه ضمن ترتيبات وزارة الدفاع، حيث أصبح عصام بويضاني جزءًا من بنية عسكرية رسمية، وعُيّن قائدًا للفرقة 70 العاملة شرق دمشق. وقد حمل هذا التحول في طياته انتقالًا من موقع الفصيل إلى موقع الدولة، ومن العمل المسلح غير النظامي إلى محاولة الاندماج في مؤسسة عسكرية معترف بها، ما وضع قياداته في موقع أكثر حساسية على المستويين الإقليمي والدولي.
في هذا السياق، جاء توقيف عصام بويضاني في الإمارات العربية المتحدة عام 2025 ليشكل لحظة مفصلية تعيد ربط المسار العسكري السابق بالمسارات القانونية والسياسية العابرة للحدود، حيث تحوّل القائد الذي نشأ في بيئة الفصائل إلى موضوع ملف قانوني إقليمي، وبرزت الاتهامات المرتبطة بالانتماء إلى جبهة النصرة، في مفارقة تعكس تعقيد المشهد وتداخل مساراته، خصوصًا في ضوء التاريخ المعروف للفصيل في مواجهة هذا التنظيم.
يكشف هذا التحول أن مسار القيادات العسكرية في سوريا لم يتوقف عند حدود الميدان والعمل المسلح، وامتد إلى فضاءات القانون والدبلوماسية، إذ أصبحت الشخصيات التي قادت الفصائل جزءًا من معادلات إقليمية أوسع، وتحولت إلى ملفات تحمل أبعادًا سياسية وقانونية في آن واحد، وهو ما يجعل قضية بويضاني امتدادًا طبيعيًا لمسار بدأ في الغوطة، وتحوّل عبر سنوات الصراع، ليصل في نهايته إلى اختبار جديد يتموضع عند تقاطع الدولة والإقليم والقانون.
أزمة معتقلَين
في هذا السياق، نحن أمام أزمة معتقلين اثنين، وربما إزاء نمط من تبادل الاعتقالات. إذ يمكن قراءة ملفي عصام بويضاني (كقيادي عسكري سوري) وجاسم الشامسي (كناشط سياسي إماراتي) بوصفهما انعكاسًا لتحول العلاقة السورية–الإماراتية من مستوى الانفتاح السياسي العام إلى مستوى الملفات الأمنية الحساسة، المرتبطة بمرحلة ما بعد الحرب وما بعد إسقاط نظام الأسد في آن واحد.
فقد أوقفت الإمارات بويضاني في مطار دبي في نيسان/أبريل 2025 أثناء مغادرته البلاد بعد زيارة خاصة، وظل ملفه غامضًا قبل أن يتبلور لاحقًا في مسار قضائي انتهى إلى جلسة محاكمة أُرجئ فيها الحكم إلى 29 نيسان/أبريل 2026، بتهمة الانتماء إلى جبهة النصرة. في المقابل، كانت دمشق قد أوكلت محاميًا للدفاع عنه وبدأت المطالبة رسميًا بتوضيحات حول قضيته.
وعلى الجانب الآخر، اعتقلت السلطات السورية المعارض الإماراتي جاسم الشامسي في 6 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 عند نقطة تفتيش في ريف دمشق، بحسب "هيومن رايتس ووتش" ومنظمات حقوقية أخرى، مع استمرار القلق الحقوقي بشأن مصيره واحتمالات تسليمه إلى الإمارات.
تنبع حساسية قضية بويضاني من أن الرجل لم يعد اسمًا فصائليًا سابقًا وحسب، إذ صار جزءًا من الكتلة العسكرية الجديدة في سوريا بعد انضواء "جيش الإسلام" ضمن وزارة الدفاع السورية بعد التحولات التي أعقبت سقوط الأسد ومؤتمر إعلان النصر وتوحيد الفصائل، ما جعل احتجازه في الإمارات يتجاوز البعد الشخصي إلى معنى سياسي وأمني أوسع يتصل بموقع قادة الفصائل السابقين داخل الدولة الانتقالية وحدود الحماية التي توفرها لهم السلطة الجديدة عندما يتحركون خارج البلاد. هذا البعد ازداد ثقلاً مع بقاء فرضيات التوقيف متداخلة بين شقّ حقوقي مرتبط بملفات الحرب والانتهاكات، وشقٍّ أمني سياسي يتصل بريبة أبوظبي من بعض مكونات المشهد السوري الجديد ومن أثر النفوذ التركي فيه.
وتزداد القضية تعقيدًا لأن اسم بويضاني يتقاطع مع مسارين قانونيين مختلفين؛ أولهما مسار الاتهامات التاريخية المرتبطة بملف "رزان زيتونة" التي نشطت كمحامية قبل الثورة السورية في الدفاع عن معتقلي الرأي أمام محاكم أمن الدولة، وأسهمت في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان عبر تقارير ومقالات متخصصة؛ ومع اندلاع الثورة، شاركت في تأسيس لجان التنسيق المحلية عام 2011، وأسهمت في تنظيم الحراك السلمي وتوثيق الانتهاكات والعمل الإغاثي والإعلامي، واستمرت داخل سوريا رغم الملاحقة الأمنية حتى استقرت في دوما، حيث أنشأت فرعًا لمركز توثيق الانتهاكات، قبل أن تُختطف في كانون الأول/ديسمبر 2013 مع ثلاثة ناشطين آخرين من مقر عملهم في دوما، وسط اتهامات لفصيل "جيش الإسلام"، الذي نفى مسؤوليته حينها، بينما بقي مصيرهم مجهولًا.
وثانيهما مسار العدالة الدولية الأوسع المتصل بانتهاكات "جيش الإسلام"، وهو السياق الذي ظهر أيضًا في فرنسا مع محاكمة مجدي نعمة، المتحدث السابق باسم الفصيل، بتهم التواطؤ في جرائم حرب والانتماء إلى مجموعة إجرامية. هذا لا يعني تلقائيًا وجود مذكرة دولية معلنة بحق بويضاني نفسه في كل الساحات، لكنه يعني أن اسم الرجل يتحرك داخل بيئة قانونية (الخليج العربي وبلاد الشام) مثقلة أصلًا بملفات مفتوحة، وأن أي دولة تتبنى مقاربة متشددة في قضايا التطرف أو الجرائم العابرة للحدود قد تتعامل معه باعتباره اسمًا عالي المخاطر سياسيًا وقضائيًا.
أما قضية الشامسي فتتحرك في اتجاه معاكس من حيث الشكل، ومتقارب من حيث الجوهر، لأن الحديث هنا يدور عن معارض إماراتي تقول منظمات حقوقية إنه اعتُقل داخل سوريا من دون إعلان أساس قانوني واضح، وسط تحذيرات من خطر الإعادة إلى الإمارات وما قد يترتب عليها من اختفاء قسري أو تعذيب أو محاكمة جائرة. وبهذا المعنى، تتحول الساحة السورية في ملف الشامسي إلى موضع مساءلة حقوقية شبيه بما تمثله الساحة الإماراتية في ملف بويضاني، لأن كل طرف بات يواجه اتهامًا باحتجاز شخصية شديدة الحساسية للطرف الآخر ضمن مناخ إقليمي مشبع بالشكوك والرسائل المتبادلة.
لا تتوافر حتى الآن أدلة علنية موثقة تسمح بالجزم بوجود صفقة تبادل مباشرة أو ترتيب متقابل بين ملفي الشامسي وبويضاني، كما تشير المعطيات المتاحة إلى أن كل قضية تسير ضمن مسارها الخاص؛ حيث يتحرك ملف بويضاني ضمن إطار قضائي وأمني في الإمارات، بينما يتخذ ملف الشامسي طابع احتجاز داخل سوريا أثار اعتراض منظمات حقوقية ومطالبات زوجته السورية بالكشف عن مصيره. لذلك يبقى الحديث عن تبادل بصيغة الحسم ضمن دائرة الاستنتاج السياسي غير المثبت. ومع ذلك، فإن تزامن الملفين، واختلاف طبيعة كل حالة، وطبيعة المناخ الأمني بين أبوظبي ودمشق، يفتح المجال أمام فرضية أكثر واقعية تتمثل في أن كل طرف بات يمتلك ورقة حساسة تمس الطرف الآخر، وقد تتحول هذه الأوراق لاحقًا إلى أدوات ضمن مسار تفاوضي غير معلن، حتى وإن لم تنشأ أساسًا من صفقة متكاملة منذ البداية.
تحرّك المسار السوري في ملف عصام بويضاني ضمن توازن دقيق يجمع بين السعي للإفراج عنه بوصفه جزءًا من المؤسسة العسكرية الجديدة، وبين الحرص على تجنّب تصعيد سياسي واسع مع الإمارات في مرحلة تسعى فيها دمشق إلى ترسيخ انفتاحها العربي وتعزيز حضورها الإقليمي
تبعات اعتقال بويضاني
سياسيًا، تحمل قضية بويضاني تداعيات أوسع على الداخل السوري، لأن احتجاز قائد سابق في "جيش الإسلام" يشغل موقعًا في المنظومة العسكرية الجديدة يرسل إشارة إلى أن مرحلة دمج الفصائل داخل الدولة لم تُغلق ملفات الماضي، وأن الشرعية الداخلية التي نالها قادة الفصائل بعد 2024 لم تتحول تلقائيًا إلى حصانة إقليمية. وهذا يضع السلطة السورية الانتقالية أمام اختبار القدرة على حماية كوادرها الجديدة دبلوماسيًا، واختبار القدرة على إدارة الإرث القانوني والأخلاقي للفصائل التي صارت جزءًا من مؤسساتها. ومن هذه الزاوية تحديدًا، يصبح الملف أكثر من قضية فردية؛ إذ يغدو اختبارًا لشكل العلاقة بين الدولة الجديدة وإرث المعارضة المسلحة.
شعبيًا، أظهر ملف بويضاني أن القضية تجاوزت الممرات الدبلوماسية ودخلت إلى الشارع، إذ شهدت دمشق وقفات احتجاجية للمطالبة بالإفراج عنه لا سيما من قبل جماعات إسلامية سنية متشددة، ثم تصاعد التوتر إلى حوادث استهدفت محيط السفارة الإماراتية، الأمر الذي دفع الإمارات إلى إدانة ما سمته أعمال شغب واعتداءات على بعثتها، كما أصدرت وزارة الخارجية السورية إدانة رسمية للاعتداءات، في حين أدانت قطر كذلك الهجمات على السفارة الإماراتية ومقر رئيس البعثة في دمشق معتبرة إياها اختراقًا صارخًا لقانون البعثات و انتهاكًا لحرمة البعثات الدبلوماسية. ويكشف هذا التتابع أن القضية تحركت ضمن مستوى شعبي متضامن مع بويضاني، ومستوى أمني يخشى الانفلات، ومستوى دبلوماسي سوري يحاول احتواء الضرر، ومستوى خليجي يركز على حماية البعثات واحترام قواعد العمل الدبلوماسي.
رسميًا، تحرّك المسار السوري في ملف عصام بويضاني ضمن توازن دقيق يجمع بين السعي للإفراج عنه بوصفه جزءًا من المؤسسة العسكرية الجديدة، وبين الحرص على تجنّب تصعيد سياسي واسع مع الإمارات في مرحلة تسعى فيها دمشق إلى ترسيخ انفتاحها العربي وتعزيز حضورها الإقليمي، وهو ما انعكس في خطوات تمثلت بطلب توضيحات رسمية، ومحاولات احتواء التفاعل الشعبي ومنع تحوّل الوقفات إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة.
وفي سياق التوتر الذي رافق القضية، أشارت بيانات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية السورية إلى أن الهجمات التي استهدفت محيط السفارة الإماراتية في دمشق تقف خلفها عناصر وُصفت بـ"فلول النظام السابق"، مع نفي أي صلة للفعاليات الشعبية المنظمة بهذه الأعمال، في محاولة لفصل المسار الاحتجاجي المنضبط عن أي سلوك أمني قد يحرج الدولة أو يضر بعلاقاتها الخارجية.
في المقابل، بدا التعامل الإماراتي قائمًا على تثبيت الملف ضمن إطار قانوني سيادي، مع الحفاظ على مستوى مرتفع من الغموض في التفاصيل الإجرائية، وهو نمط يعكس مقاربة أمنية تعتبر أن القضايا المرتبطة بشخصيات ذات خلفية عسكرية أو صلات ببيئات نزاع تخضع لمعايير دقيقة تتقاطع فيها الاعتبارات القانونية مع الحسابات الأمنية الأوسع، ويمنح هذا النهج الإمارات مساحة للتحرك دون الانخراط في سجال سياسي مباشر.