أزمة شرائح الذاكرة العالمية: سباق الذكاء الاصطناعي يخلق اختناقًا غير مسبوق في الإمدادات
3 ديسمبر 2025
يشهد قطاع التكنولوجيا العالمي أزمة حادة في شرائح الذاكرة، بعد أن تسبب الاندفاع المتسارع نحو بناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي في خلق فجوة ضخمة بين العرض والطلب.
ووفقًا لتقرير نشرته وكالة "رويترز" اليوم الأربعاء، فمع تنامي احتياجات الشركات لبناء مراكز بيانات قادرة على تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، وجدت الأسواق نفسها أمام نقص يشمل مختلف أنواع الذاكرة، من DRAM المستخدمة في الهواتف والحواسيب، إلى شرائح HBM المتقدمة التي تُعد العمود الفقري لمعالجات الذكاء الاصطناعي من "إنفيديا".
تسبب الاندفاع المتسارع نحو بناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي في خلق فجوة ضخمة بين العرض والطلب في سوق شرائح الذاكرة
الأزمة تطورت بسرعة لافتة، حيث دخلت شركات كبرى مثل مايكروسوفت وغوغل وبايت دانس وأوبن إيه آي في سباق محموم لتأمين الكميات المتاحة من الذاكرة، وسط طلبات شراء مفتوحة تُقدَّم للمصنّعين دون سقف سعري، في مؤشر على اتساع الهوة بين الحاجة والإنتاج. ومع هذا الضغط، تحولت بعض المصانع، وخاصة سامسونغ وSK Hynix، نحو زيادة إنتاج شرائح HBM عالية الربحية على حساب الشرائح التقليدية، وهو ما خلق فجوة كبيرة في الإمدادات الخاصة بقطاع الهواتف والكمبيوترات.
ووفقًا لبيانات شركات أبحاث السوق، تراجعت مخزونات DRAM إلى مستويات غير مسبوقة، بعد أن كانت تصل إلى 17 أسبوعًا نهاية 2024، لتصبح ما بين أسبوعين وأربعة فقط في تشرين الأول/أكتوبر الماضي. ويتوقع بعض التنفيذيين أن يستمر النقص حتى نهاية 2027، بينما ترى شركات مثل SK Hynix أن الأزمة مرشحة للتمدد مع تباطؤ الاستثمارات في المصانع الجديدة، إذ تحتاج القدرات الإنتاجية الإضافية إلى عامين على الأقل قبل دخولها الخدمة.
التأثيرات الاقتصادية تتجاوز القطاع التقني، إذ يحذّر خبراء من أن تأخر المشاريع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد يبطئ مكاسب الإنتاجية التي يُعوَّل عليها لتعويض تباطؤ النمو العالمي. كما أن الارتفاعات المتتالية في الأسعار تضيف ضغوطًا تضخمية على اقتصادات تسعى أصلًا لكبح ارتفاع الأسعار، خاصة مع استمرار تأثير الرسوم الجمركية الأميركية على سلاسل الإمداد.
التداعيات ظهرت بوضوح في أسواق آسيا، حيث بدأت المتاجر في طوكيو، خصوصًا في منطقة أكيهابارا، بتقييد عدد المنتجات التي يمكن لكل زبون شراؤها، بعد أن تضاعفت الأسعار عدة مرات ونفدت ثلث المنتجات من رفوف المتاجر. ومن الصين، تحدث موزعون عن تغيّر الأسعار عدة مرات يوميًا بدرجة غير مسبوقة، بينما أقدم بعض التجار في بكين على تخزين عشرات الآلاف من وحدات DDR4 تحسبًا لمزيد من الارتفاع.
أما في قطاع الهواتف الذكية، فأعلنت شركات مثل شاومي وريلمي أنها قد تضطر لرفع الأسعار بنسبة تصل إلى 30% بحلول منتصف العام المقبل. وفي صناعة الحواسيب، أعلنت شركات مثل ASUS استعدادها لتعديل الأسعار وفق السوق، رغم امتلاكها مخزونًا يكفي بضعة أشهر. وفي الجانب الآخر من العالم، استفادت شركات متخصصة في إعادة تدوير الذاكرة مثل Caramon في كاليفورنيا من طفرة الطلب، بعد أن ارتفعت مبيعاتها من شرائح الذاكرة المستخرجة من الخوادم القديمة إلى نحو 900 ألف دولار شهريًا.
ورغم التفاؤل الذي يبديه بعض المحللين حول استمرار الطلب على الذكاء الاصطناعي، تبرز مخاوف من إمكانية تشكل فقاعة استثمارية في القطاع، مع إشارة مراقبين إلى أن الشركات الصغيرة والمتوسطة قد تجد نفسها عاجزة عن مواكبة الأسعار، في حين تستأثر الشركات العملاقة بالحصة الأكبر من الإنتاج العالمي.
وفي وسط هذا المشهد المضطرب، تبدو أزمة الذاكرة بعيدة عن الحل، إذ تحتاج الصناعة إلى سنوات لإعادة التوازن بين متطلبات ثورة الذكاء الاصطناعي، واحتياجات سوق الإلكترونيات التقليدية، ما ينذر بأن الارتفاعات السعرية ونقص الإمدادات سيبقيان جزءًا أساسيًا من معادلة التكنولوجيا العالمية في المدى المنظور.







