أزمة سياسية بإيطاليا.. هل تطيح كورونا بحكومة كونتي؟

أزمة سياسية بإيطاليا.. هل تطيح كورونا بحكومة كونتي؟

سيناريوهات عديدة محتملة لحكومة كونتي (EPA)

أزمة سياسية تعصفُ بإيطاليا، هيَ الثانية في مدة لا تتجاوزُ السنة ونصف، أشعلَ فتيلها انسحاب حزب Italia Viva من الائتلاف الحكومي، واستقالة وزيريه من الحكومة، احتجاجًا على الطريقة التي يديرُ بها رئيسها، جوزيبي كونتي، ملفّ حزمة الإنعاش الاقتصادي الأوروبية من الكساد الذي خلّفته الجائحة الوبائية. بالنسبة لماتيو رينزي، رئيس الوزراء الأسبق وزعيم الحزب المنسحب، فإن كونتي بـ "احتكاره" القرار في مسألة إدارة التمويل الأوروبي، متعللًا باستعجالية الأزمة الصحية ليفرض رأيه، هو المسؤول عمّا آلت إليه الأمور. فيما كونتي يرد بأن المسألة في مجملها حملة انتخابية سابقة الأوان. 

أزمة سياسية تعصفُ بإيطاليا، هيَ الثانية في مدة لا تتجاوزُ السنة ونصف، أشعلَ فتيلها انسحاب حزب Italia Viva من الائتلاف الحكومي، واستقالة وزيريه من الحكومة

رينزي ضدّ كونتي.. جذور الأزمة

دخلَ حزب Italia Viva الحكومة الإيطالية إثرَ فشل مناورة ماتيو سالفيني وحزبه في إسقاط كونتي من على سدّة رئاستها، قبلَ 16 شهرًا. وقتها سعى كونتي إلى سد الهوة التي أحدثها انسحاب الرابطة بالتحالف مع الحزب الديموقراطي، هذا الأخير الذي انشقّ عنه رينزي في أول الولاية مع حفاظه على موقعه داخلَ الأغلبية الحكومية بـ 48 مقعدًا، وإبقاء وزيرتيه في حقيبتي الزراعة والأسرة.

Italy's Government Enters a Crisis in Middle of Pandemic - The New York  Times
أزمة سياسية واستقطاب حاد تشهدهما الحكومة الإيطالية (EPA)

سنة عسل الائتلاف الحكومي هذه لم تدم طويلًا، بعدَ مروره العسير بفترة الجائحة الوبائية التي كانت إيطاليا من أكبرَ المتضررين من وطأتها، والتي حصد فيها كونتي نجاح انتزاعه أكبر نصيب من حزمة الإعانات الأوروبية، بلغت 209 مليار يورو، 81 مليار منها مساعدات مباشرة و128 مليار قروض. احتجّ كونتي على إدارة رئيس الحكومة لهذه الحزمة، داعيًا لتغيرات جذرية في برنامج توزيع الإعانات تلك.

اقرأ/ي أيضًا: ثورة سالفيني الفاشلة.. القصة الكاملة لخروج حزب الرابطة من الحكومة الإيطالية

بالنسبة لماتيو رينزي، فإن كونتي في برنامج إنعاشه أهملَ القطاعات الاجتماعية الأساسية، ولم يخصص سوى القليل من الميزانية لدعم قطاع الصحة، الثقافة والبنى التحتية. كما أن رئيس الحكومة اعتمد في رسم بنودها على خبراء غير منتخبين، ما وصفه زعيم Italia Viva بـ "الدكتاتورية" و"الإهانة" في حق الديمقراطية. مهددًا إيّاه بـ "إذا أردتنا أن نبقى في الحكومة، عليكَ أن تسمعَ لأفكارنا!". وفي رسالة سابقة رفعها رينزي إلى رئيس الحكومة، حذّره فيها من "تكرار أخطاء الماضي"، قائلًا: "نريد رؤية كاملة، لا إعادة تدوير المشاريع القديمة".

"طيلة الأشهر الماضية ونحن نحذّر من وجود مشاكل سياسية عديدة، دون أن نتلقى أي جواب" تقول النائبة البرلمانية الإيطالية عن حزب Italia Viva، لورا غرافيني، في حوار لها على موقع NewEurope. وتضيف في جوابها على السؤال حول أسباب الأزمة، بأن أهم نقاط الاختلاف هي تشبث حزبها بـ "استغلال الإعانات الأوروبية في دعم قطاع الصحة"، كما "طريقة توزيع حزمة الإعانات الأوروبية في مجملها". وتقول غرافيني أنه "لهذه الأسباب يأتي سحبنا الثقة من الحكومة وانساحبنا من أغلبيتها، لا كما يروج له على أنها لعبة من لعب رينزي"، لكن "ما لاحظناه للأسف، هو عوض الاستجابة لنا، اتبعت الحكومة نهج استبدالنا بنواب آخرين والبحث عن دعم أخطائها من جهات أخرى داخل القبة". والنتيجة، تختم المتحدثة، هي "حكومة ضعيفة أقرت كل الأخطاء التي وقعت فيها إلى الآن، ضامنة للأجيال القادمة الأسوأ كمستقبل". 

سقوط حكومة كونتي!

الأربعاء الماضي أعلن ماتيو رينزي انسحابَ وزيريه من الحكومة. الأمر يتعلق بوزيرة الزراعة السابقة تيريزا بيلانوفا، ووزيرة الأسرة إيلينا بونيتي. "لقد كان الانسحاب من الحكومة أصعب علينا من الرضوخ إلى الأمر الواقع"، علّق رينزي على الانسحاب، مضيفًا: "نحن نمرّ بأزمة سياسية كبيرة، في ظل مواجهتنا لمخاطرِ الجائحة الوبائية. مقابلَ هذا الواقع يملي علينا حس المسؤولية حلّ المشاكل، لا إخفاءها".

"للأسف، هذا المساء أخذَ حزب Italia Viva على عاتقه جرّ البلاد إلى الأزمة السياسية"، علّقَ كونتي على ما وقع، مخاطبًا الشعب الإيطالي: "أنا في غاية الأسف لما حصلَ، وأتفهم مخاوف الشعب من الأضرار المتوقعة ونحن في خضم حربنا ضدّ كورونا، هو حقًا امتحانٌ صعب تمر به بلادنا. من جانبي حاولت حلّ المشكل بإجراء جلسة برلمانية، لكن ومع ذلك توصلت بطلبات استقالة الوزراء التي قبلتها، وأخبرت رئيس الجمهورية بالمستجدات". فيما بقيَ مصيره هو الآخرِ معلّقًا بيد رئيس الجمهورية سيرجيو ماتاريلا، الذي قال إنه عكس المرة التي أعاد فيها منح الثقة لكونتي، إذا ما سقطت هذه الحكومة هذه المرة سيقوم بحلّ البرلمان، دافعًا البلاد نحوَ انتخابات مبكّرة.

وفي ردود الفعل حول الأزمة، ومن داخل الائتلاف الحكومي، غرد ديفيد كريبا، الناطق الرسمي باسم حركة "الخمس نجوم"، قائلًا: "نحن نواجه أزمة غيرَ مفهومة في زمن الاستعجالية الصحية والاقتصادية. حركة الخمس نجوم ستتحمّل مسؤوليتها بالمساهمة في استقرار البلاد وإيجاد حلّ للأزمة". وغرّدَ نائب رئيس الحزب الديموقراطي، معتبرًا الأمرَ "خطأ فادحًا أقدمت عليه أقلية لكن سيدفع ثمنه الكل!". فيما من جهة المعارضة اليمينية المتطرّفة، علّق زعيم حزب الرابطة، ماتيو سالفيني، ساخرًا: "أنا مقتنع تمامًا بأن الرؤية اتضحت الآن عند كل الإيطاليين، على أن هذه الحكومة أوجدت لا لشيء إلا ضد سالفيني". 

خمسة سيناريوهات محتملة لكونتي

حسب مصادرها داخل مكتب رئاسة الجمهورية، أكدت رويترز سابقًا بأن كونتي لن يستقيل، بالمقابل فقد أعلم الرئيس ماتاريلا بنيته التوجه إلى البرلمان من جديد بحثًا عن تحالفات ممكنة. لحد الآن لم يتم تحديد أي جلسة برلمانية لهذا الأمر، فيما لرئيس الحكومة الإيطالية خمسة سيناريوهات محتملة كحل للأزمة السياسية، كما يكتب موقع Politico.

Renzi: Italy's government in crisis after former PM pulls support
تواجه حكومة كونتي تحديات عديدة (أ.ف.ب)

الأول، هو أن يبقى على رأس الحكومة لكن بتحالف حكومي جديد، بالتالي عليه الخوض مجددًا في البحث عن تحالفات لردم الصدع الذي أحدثه انسحاب Italia viva، ولا خيارَ أمامه إلا النواب الأحرار والتمثيليات الصغيرة تحت القبة، قبل أن يتوجه إلى البرلمان مطالبًا بإعادة الثقة لحكومته. الصعوبة تكمن في أن جمع هذا التحالف صعب نسبيًا نظرًا للاختلافات بين كل هذه المكونات، كذلك وإن تحقق لن يكون نتاجه إلا أغلبية ضعيفة ومتناقضة داخليًا.

الثاني، هو الاستقالة وإعادة خوض مفاوضات مع ماتيو رينزي وحزبه، من أجل تشكيل أغلبية بنفس مكوّناتها السابقة. هذا الخيار قد يكلّفه التنازلَ عن مواقفه والقبول بمطالب رينزي، الذي سيحاول توسيع مكاسبه لتضم حقائب وزارية أكثر. كما أن هناك عقبة أخرى أمام حدوث هذا السيناريو، هي مواقف أحزاب الأغلبية الأخرى من رينزي، الذي وصفه زعيم الحزب الديموقراطي بكونه "شخصًا لا يستحق الثقة"، وحسمت حركة الخمس نجوم أن لا تحالف مع Italia Viva بعد الآن.

ثالثًا، التوجه إلى بحث التحالفات مع المكونات البرلمانية الداعمة للاتحاد الأوروبي ورئيسة مفوضيته داخلَ البرلمان الإيطالي، وهو خيارٌ لوّح به لويجي دي مايو، وزير الخارجية وزعيم حركة الخمس نجوم، بالقول: "ندائي إلى كلّ بناة أوروبا لنمنح إيطاليا فرصة التعافي والنهوض. معًا يمكننا الاستمرار في هذا الطريق!". غيرَ أن هذه المكونات هي الأخرى تحوي مجموعة رافضة لاستمرار كونتي في قيادة الحكومة، على رأسها حزب Forza Italia ورئيسه سيلفيو برلسكوني، الذي كان من بين الموقعين على عريضة المطالبة باستقالة رئيس الحكومة يوم الثلاثاء الماضي.

رابعًا، وهذا السيناريو في حالة إذا استنفذَ كونتي كلّ محاولاته تجميع تحالف حاكم، سيمنح رئيس الجمهورية الفرصة لاسم آخر من أجل تشكيل الحكومة من نفس مكونات نسختها السابقة. في هذه الحالة وحده رينزي الذي سيخرج رابحًا من المناورة، فيما يحتمل وقوع صدام بين الحزب الديمقراطي وحركة الخمس نجوم حول المشاركة، وغالبًا الحركة لن تشارك وتبقى وفيّة لكونتي.

أكدت رويترز سابقًا بأن كونتي لن يستقيل، بالمقابل فقد أعلم الرئيس ماتاريلا بنيته التوجه إلى البرلمان من جديد بحثًا عن تحالفات ممكنة

خامسًا، حكومة تصريف أعمال تكنوقراطية، تقوم بإدارة المرحلة بينما يتم التحضير لاستحقاقات انتخابية.  لقيادة هذه الحكومة يوجد اسمان محتملان: ماريو دراغي الرئيس السابق للبنك المركزي الإيطالي، أو مارتا كارتابيا الرئيسة السابقة للمحكمة الدستورية. فيما إجراء انتخابات في الوقت الراهن قد يتيح عودة قوية لترويكا اليمين المتطرف التي يقودها ماتيو سالفيني كما تشير إلى ذلك استطلاعات الرأي، وكذا كون هذا التحالف يدير 15 من أصل 20 مجلس جهوي حصدها خلال الانتخابات المحلية الأخيرة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بين دفتي المتوسط.. بورتريه لأدب المهجر المعاصر

 صعود اليمين المتطرف عبر أوروبا.. سبل للمواجهة المؤجلة!