أزمة ديزل تقترب.. شتاء صعب يهدد الاقتصاد العالمي
9 أغسطس 2026
تتجه أسواق الطاقة العالمية إلى مرحلة جديدة من الضغوط مع اقتراب فصل الشتاء، بعدما أدت الحرب على إيران، إلى جانب الحرب الروسية في أوكرانيا، إلى إحداث اختناقات متزايدة في إمدادات الديزل، أحد أهم أنواع الوقود في الاقتصاد العالمي.
وتحذر المعطيات التي أوردتها وكالة "بلومبرغ" من أن الأزمة الحالية قد تصبح أكثر حدة خلال الأشهر المقبلة، مع ارتفاع الطلب الموسمي في نصف الكرة الشمالي، في وقت لا تزال فيه طاقات التكرير والإمدادات العالمية تحت ضغط.
لماذا الديزل تحديدًا؟
الديزل ليس وقود السيارات والشاحنات فقط؛ بل هو جزء أساسي من عمل الاقتصاد العالمي. تستخدمه الشاحنات التي تنقل البضائع، والآليات الزراعية التي تحصد المحاصيل، ومعدات البناء والتعدين، فضلًا عن قطاعات الصناعة والنقل البحري وبعض محطات توليد الكهرباء. ولهذا فإن ارتفاع سعر الديزل أو نقصه لا يبقى محصورًا في محطات الوقود، بل يمكن أن ينتقل سريعًا إلى تكلفة نقل السلع وإنتاج الغذاء والتصنيع.
أزمة ديزل تلوح في الشتاء، وتبدو أوروبا من أكثر المناطق تعرضًا لمخاطرها
وتأتي التحذيرات الحالية في وقت قالت فيه منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إن اضطرابات الوقود والأسمدة الناجمة عن الحروب والعوامل المناخية يمكن أن تضيف موجة جديدة من التضخم إلى أسعار الغذاء في نهاية 2026 وخلال 2027.
حربان تضغطان على سوق الوقود
تواجه سوق الديزل صدمة مزدوجة، فالحرب في الشرق الأوسط عطلت حركة إمدادات النفط والمنتجات المكررة، بينما أدت الحرب الروسية في أوكرانيا إلى اضطرابات متكررة في قطاع التكرير الروسي، خصوصًا مع استهداف منشآت ومصافي نفط. وتشير تقديرات قطاعية إلى أن هذه الاضطرابات أخرجت ملايين البراميل يوميًا من طاقات التكرير العالمية، ما يعني أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بكمية النفط الخام المتاحة، وإنما أيضًا بقدرة المصافي على تحويل الخام إلى وقود جاهز للاستخدام.
وهذه نقطة جوهرية؛ إذ يمكن أن تتوافر كميات من النفط الخام في السوق، لكن ذلك لا يمنع حدوث نقص في الديزل إذا كانت المصافي أو طرق النقل أو الإمدادات الإقليمية تعاني اختناقات.
أوروبا في دائرة الخطر
تبدو أوروبا من أكثر المناطق تعرضًا لخطر أزمة الديزل خلال الشتاء المقبل. فالقارة تعتمد على واردات كبيرة من الوقود المكرر، وأي اضطراب في تدفقات النفط أو المنتجات النفطية يمكن أن يرفع الأسعار بسرعة.
وتشير تقديرات السوق إلى أن أوروبا قد تواجه أسعار ديزل مرتفعة وربما نقصًا فعليًا في بعض الفترات إذا تزامن الطلب الشتوي القوي مع استمرار اضطرابات الإمدادات. لكن حجم الأزمة سيعتمد على عدة عوامل، أبرزها درجات الحرارة، ومستوى تشغيل المصافي، وحجم صادرات الصين من المنتجات النفطية.
وهذا يعني أن الشتاء المقبل سيكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة السوق الأوروبية على تأمين الوقود.
الصين قد تكون مفتاح الحل أو الأزمة
تلعب الصين دورًا غير معتاد في هذه المعادلة، فبكين تمتلك طاقة تكرير ضخمة، ويمكن لصادراتها من المنتجات النفطية أن تساعد في تخفيف نقص الديزل في الأسواق العالمية. لكن حجم هذه الصادرات سيعتمد على كمية الخام التي تستطيع المصافي الصينية الحصول عليها وعلى احتياجات السوق المحلية.
ولهذا تراقب الأسواق صادرات الصين عن كثب، فإذا زادت صادراتها، يمكن أن تخفف الضغط على أوروبا وآسيا؛ وإذا تراجعت، فقد تصبح أزمة الديزل أكثر حدة.
الشتاء هو الاختبار الأصعب
المشكلة أن السوق تدخل الآن مرحلة حساسة زمنيًا، فمع اقتراب الشتاء في نصف الكرة الشمالي، يرتفع الطلب على أنواع مختلفة من الوقود، كما تزداد الحاجة إلى الديزل في النقل والتدفئة وبعض الأنشطة الصناعية.
وتشير بلومبرغ إلى أن أمام السوق عدة أسابيع قبل بدء موجة الشراء الشتوية الرئيسية، وأن تطورات الطقس ستكون عاملًا حاسمًا في تحديد مدى شدة الأزمة. فشتاء معتدل قد يمنح السوق مساحة للتنفس، بينما يمكن لشتاء بارد أن يضاعف الضغط على المخزونات والأسعار.
الأسعار بدأت تعكس الخطر
بدأت آثار الأزمة تظهر بالفعل في تكلفة الوقود. ففي بريطانيا، وصل متوسط تكلفة ملء خزان سيارة بالديزل إلى نحو 100 جنيه إسترليني في وقت سابق من آب/أغسطس، مع عودة أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة بسبب تداعيات الحرب. ورغم أن أسعار النفط تراجعت مؤخرًا مع ظهور مؤشرات على إمكانية تهدئة الصراع، فإن ذلك لا يعني انتهاء مشكلة المنتجات المكررة.
فالأسواق لا تحتاج إلى ارتفاع النفط إلى مستويات قياسية كي تواجه نقصًا في الديزل؛ يكفي استمرار ضعف الإمدادات أو انخفاض المخزونات أو محدودية طاقة التكرير.
لماذا قد ترتفع أسعار الغذاء؟
الديزل يمثل حلقة أساسية في السلسلة الغذائية، فالمزارع يحتاجه لتشغيل الجرارات والحصادات، والشاحنات تستخدمه لنقل المحاصيل والمواد الغذائية، كما تعتمد عليه عمليات التخزين والتوزيع في العديد من الأسواق. لذلك، فإن ارتفاع سعر الديزل يمكن أن ينتقل تدريجيًا من قطاع الطاقة إلى أسعار الغذاء والسلع الاستهلاكية.
وحذرت منظمة الأغذية والزراعة بالفعل من أن تأثير ارتفاع أسعار النفط ونقص الديزل والأسمدة قد يظهر على أسعار الغذاء بعد فترة تأخير تتراوح عادة بين ثلاثة وستة أشهر.
وهذا يعني أن صدمة الوقود التي بدأت في 2026 قد تستمر آثارها الاقتصادية حتى 2027.
المصافي تعمل بأقصى طاقتها
أمام هذا الضغط، تحاول شركات التكرير زيادة الإنتاج إلى أقصى الحدود. وفي الولايات المتحدة، تعمل المصافي بمعدلات تشغيل مرتفعة للغاية لتلبية الطلب المحلي والعالمي، فيما ارتفعت صادرات الديزل ووقود الطائرات مع سعي السوق إلى سد الفجوات الناجمة عن اضطرابات الإمدادات العالمية.
لكن رفع معدلات تشغيل المصافي له حدود، فالمصافي تحتاج إلى صيانة دورية، كما أن بعض المنشآت تضررت أو خرجت من الخدمة بسبب الحروب، ولا يمكن تعويض الطاقات المفقودة بسرعة، ولهذا يرى مسؤولون في القطاع أن استعادة التوازن الكامل في سوق الوقود العالمي قد تستغرق حتى عام 2027.
أزمة الديزل أكبر من أزمة أسعار
تكمن خطورة الوضع في أن الديزل ليس سلعة طاقة عادية، ارتفاع أسعار البنزين يؤثر مباشرة في المستهلكين، لكن ارتفاع الديزل يضرب أيضًا تكلفة تشغيل الاقتصاد نفسه. فإذا أصبح نقل البضائع أكثر تكلفة، ترتفع تكلفة السلع. وإذا ارتفعت تكلفة تشغيل الآلات الزراعية، ترتفع تكلفة الإنتاج. وإذا زادت تكلفة البناء والتعدين والصناعة، ينتقل الأثر إلى الاستثمار والنمو، وبالتالي، يمكن أن تتحول أزمة الديزل إلى مشكلة تضخمية شاملة.
هل يمكن تفادي الأزمة؟
لا تزال هناك عوامل يمكن أن تخفف حدة السيناريو الأسوأ، أولها زيادة إنتاج المصافي، وثانيها استخدام المخزونات الموجودة، وثالثها ارتفاع صادرات المنتجات النفطية من دول مثل الصين. كما أن أي تهدئة مستدامة في الحرب بالشرق الأوسط يمكن أن تخفف الضغط على حركة النفط والمنتجات المكررة.
وقد أظهرت الأسواق بالفعل مدى حساسيتها للأخبار المتعلقة بالحرب؛ إذ تراجعت أسعار النفط بقوة في الأيام الأخيرة بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق ضربات جديدة ضد إيران وظهور آمال في التوصل إلى تسوية. لكن انخفاض أسعار النفط لا يحل تلقائيًا مشكلة الديزل، لأن أزمة المنتجات المكررة مرتبطة أيضًا بالطاقة التكريرية والمخزونات ومسارات التجارة.









