أزمة جيوسياسية كبيرة حول السيطرة على النهر العظيم

أزمة جيوسياسية كبيرة حول السيطرة على النهر العظيم

اشتعلت حرب السيطرة على نهر النيل بين مصر وإثيوبيا والسودان (Getty)

نشر موقع "Quartz" مقالًا يستعرض فيه حجم الأزمة الجيوسياسية حول نهر النيل وفرص السيطرة عليه بين دوله، تحديدًا مصر وإثيوبيا والسودان، وأبعاد الأزمة وارتباطها بقوى إقليمية. وفي السطور التالية ننقل لكم المقال مترجمًا بتصرف.


زار رئيس وزراء إثيوبيا، هيلا مريام ديساليغنه، القاهرة، اليوم الخميس، 18 كانون الثاني/يناير 2018، لمناقشة التعاون الثنائي في قطاعات مثل الصحة والتعليم والزراعة، وبالطبع برزت القضية المثيرة للجدل، قضية سد النهضة الإثيوبي الذي يفترض به أن يكون الأكبر في أفريقيا.

سد النهضة الذي يقع على منابع النيل الأزرق ويعتزم إنتاج 6 آلاف ميجاوات من الكهرباء، سيكون أكبر محطة للطاقة الكهرومائية في أفريقيا

ولا يخفى ما تفكر فيه مصر حول سد النهضة، والذي يمثل محور محاولة إحدى دول القرن الأفريقي كي تصبح أكبر مُصدّر للكهرباء في القارة السمراء، إذ تعارض مصر فكرة السد منذ البداية، وقد شوهد العديد من الساسة المصريين، بمن فيهم الرئيس المعزول محمد مرسي، يتحدثون على الهواء عن أن كل الخيارات مفتوحة لإيقاف مشروع السد، بما في ذلك العمل العسكري، وإن كانت تصريحاتهم ضمنية في هذا السياق.

اقرأ/ي أيضًا: أزمة سد النهضة.. دليلٌ على فشل الدبلوماسية المصرية

يُذكر أن السد الذي يقع على منابع النيل الازرق، ويعتزم إنتاج ستة آلاف ميجاوات من الكهرباء، سيكون أكبر محطة للطاقة الكهرومائية في أفريقيا، ما سيعزز من النمو الاقتصادي في إثيوبيا. وبصفتها دولة صحراوية تقع على مجرى النيل، تقول مصر إن السد سيعطل تدفق النيل إلى ما يقرب من 100 مليون نسمة يعيشون في مصر، ومن المحتمل أن يُعيق ذلك قطاعها الزراعي وصناعاتها.

يقول الخبراء إن تدفق مياه نهر النيل العذبة إلى مصر قد ينخفض بالفعل أثناء ملء الخزان، بنسبة 25%. وسيؤدي ذلك أيضًا إلى تفاقم المشاكل الأخرى التي تهدد النيل، بما في ذلك تغير المناخ والنمو السكاني والانتشار الحضري، إلى جانب ارتفاع مستويات سطح البحر التي قد تؤدي إلى تسرب المياه المالحة.

واستنادًا إلى الاتفاقات الدولية الموقعة في عام 1929 والمعدلة في عام 1959، أكدت مصر دائمًا على حقها في نصيب الأسد من مياه نهر النيل. ولكن في ظل حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، ومع استمرار السد في البناء، يبدو أن القاهرة قد خففت حدة من موقفها، حتى أنها وقعت اتفاقية تعاون في عام 2015 لدراسة التأثير المحتمل للسد. غير أن هذه المحادثات لم تؤتي ثمارها بعد، ولتعزيز موقفها في النزاع، انطلق السيسي في هجوم ناعم من خلال زيارة دول المنبع لحوض نهر النيل بما في ذلك السودان وتنزانيا ورواندا وحتى إثيوبيا.

أوشك بناء سد النهضة على الانتهاء (رويترز)
أوشك بناء سد النهضة على الانتهاء (رويترز)

وتهدد الضغوط الجيوسياسية بين السودان ومصر في الوقت الحالي بتقويض أي تقدم، كما كشفت عن أزمة إقليمية في المنطقة. فقد اندلعت التوترات حول أحقية امتلاك مثلث حلايب وشلاتين على البحر الأحمر مرة أخرى، ما أدى إلى استدعاء الخرطوم لسفيرها من القاهرة في أوائل شهر كانون الثاني/يناير الجاري. ومقابلة لما حدث، أرسلت مصر مئات من جنودها إلى قاعدة عسكرية تابعة للإمارات العربية المتحدة في إريتريا، في حين أغلقت السودان حدودها مع إريتريا، ردًا على ذلك، وأرسلت المزيد من قواتها إلى هناك.

أضف إلى ذلك تفاقم التوترات الحالية بسبب ما تعتبره القاهرة تدخلًا تركيًا في المنطقة، فقد زار الرئيس التركي رجب طيب اردوغان السودان في شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي، حيث وافق الرئيس السوداني عمر البشير على تسليم جزيرة سواكن الساحلية في البحر الأحمر بصورة مؤقتة إلى تركيا لزيادة السياحة، وهي الخطوة التي تعتبرها القاهرة محاولة تركية لبناء القاعدة الثالثة لها في الخارج بعد القاعدتين التي شيدتهما في قطر والصومال. كما تتهم القاهرة كلًا من الخرطوم وأنقرة بدعم جماعة الإخوان المسلمين التي يشن النظام الحالي عليها حربًا ضروس.

وفيما يتعلق بقضية نهر النيل، تعتقد مصر أيضًا أن الرئيس السوداني عمر البشير ينحاز إلى الجانب الإثيوبي، واقترحت مؤخرًا استبعاد السودان من المفاوضات، إذ يقول إساندر العمراني، مدير مشروع دول شمال أفريقيا في منظمة مجموعة الأزمات الدولية، إن التحول في سياسات السودان يعزى جانبًا منه إلى ما سيحققه السد من إمدادات الكهرباء للسودان، ناهيك عن الوقاية من الفيضانات خلال مواسم الأمطار.

الضغوط الجيوسياسية بين مصر والسودان في الوقت الحالي، تُهدد بتقويض أي تقدم محتمل في المفاوضات، كما تكشف عن أزمة إقليمية بالمنطقة

كما أن المشاحنة على نهر النيل تأخذ أهمية جديدة مع توجه المصريين إلى صناديق الاقتراع في شهر آذار/مارس المقبل. وقد صرح السيسي مؤخرًا بأن مصر لا تريد الدخول في حربٍ مع جيرانها، وحذّر وسائل الإعلام المصرية من استخدام "لغة هجومية" ضدهم. ولكن في غياب وجود "آلية موثوقة" للمفاوضات الآن، حسبما يقول عمراني، فإن المشكلة ستزداد تعقيدًا، مُضيفًا: "قضية نهر النيل مهمة حقًا فى مصر"، مُتابعًا: "السؤال الأكبر الذي يطرح نفسه الآن هو: إلى أين ستتجه هذه القضية؟".

 

اقرأ/ي أيضًا:

القصة الكاملة للحرب الكلامية بين مصر والسودان.. ما علاقتها بليبيا والخليج؟

مصر والسودان.. آفاق النزاع الكبير حول كيفية التعامل مع سد النهضة