ultracheck
  1. عشوائيات
  2. مجتمع

أزمة جوع في الصومال.. أموال الإغاثة تتبخر والأطفال يدفعون الثمن

12 أغسطس 2026
الصومال
مصدر الصورة: جيتي

تواجه الصومال أزمة غذائية وإنسانية متفاقمة، مع ارتفاع أعداد الأطفال الذين يعانون سوء التغذية الحاد، في وقت يتراجع فيه التمويل المخصص للاستجابة الإنسانية بصورة حادة، ما يهدد قدرة المنظمات الإغاثية على توفير العلاج والغذاء للفئات الأكثر ضعفًا.

وبحسب منظمة "أطباء بلا حدود"، انخفض التمويل المخصص للاستجابة لسوء التغذية في الصومال بأكثر من 80% خلال عام 2026، في وقت ارتفع فيه عدد الأطفال الذين يحتاجون إلى العلاج بصورة كبيرة. وتحذر المنظمة من أن الفجوة المتسعة بين حجم الاحتياجات والموارد المتاحة قد تكون لها عواقب خطيرة على الأطفال، خصوصًا في المناطق التي تعاني الجفاف والنزوح والصراع.

وتكشف الأرقام حجم المفارقة؛ فقد عالجت فرق "أطباء بلا حدود" نحو 22 ألف حالة سوء تغذية منذ بداية العام، بزيادة بلغت نحو 80% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025. وفي المقابل، تتقلص الموارد اللازمة لمواصلة عمليات الاستجابة، ما يجعل المنظمات الإنسانية أمام احتياجات أكبر وإمكانات أقل.

أطفال في قلب الأزمة

تعد الفئة الأكثر تضررًا من الأزمة الأطفال دون سن الخامسة، الذين يحتاجون إلى تدخل سريع عندما يصل سوء التغذية إلى مراحله الحادة. وفي مدينة بيدوا، التي أصبحت مركزًا رئيسيًا للنازحين، أظهرت عمليات فحص للأطفال في بعض المخيمات أن طفلًا من بين كل أربعة أطفال يعاني سوء تغذية حادًا. ويصل كثير من هؤلاء الأطفال إلى مراكز العلاج بعد أن فقدت أسرهم مصادر دخلها أو اضطرت إلى النزوح بسبب الجفاف وانعدام الأمن.

 انخفض التمويل المخصص للاستجابة لسوء التغذية في الصومال بأكثر من 80% خلال عام 2026، في وقت ارتفع فيه عدد الأطفال الذين يحتاجون إلى العلاج بصورة كبيرة

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 1.84 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و59 شهرًا يُتوقع أن يعانوا سوء التغذية الحاد في الصومال خلال عام 2026، بينهم نحو 483 ألف طفل يعانون سوء تغذية حادًا وخطيرًا يحتاج إلى علاج منقذ للحياة.

وتعني هذه الأرقام أن الأزمة لا تقتصر على نقص الغذاء المتاح للأسر، وإنما تمتد إلى قدرة النظام الصحي والإنساني على الوصول إلى الأطفال الذين أصبحت حياتهم مهددة بسبب سوء التغذية.

التمويل ينهار

في الوقت الذي ترتفع فيه الاحتياجات، شهد التمويل الإنساني المخصص للصومال تراجعًا حادًا. وكانت الولايات المتحدة، التي تعد لفترة طويلة أكبر مانح للمساعدات الإنسانية للصومال، قد قدمت نحو 70 مليون دولار لبرامج مرتبطة بالأزمة، قبل أن توقف تمويلها. كما خفض مانحون غربيون آخرون مساهماتهم، ما أدى إلى اتساع فجوة التمويل.

وبحسب بيانات "أطباء بلا حدود"، تراجع التمويل المتاح للاستجابة الإنسانية في الصومال من نحو 2.2 مليار دولار عام 2022 إلى نحو 300 مليون دولار فقط في عام 2026.

ويمثل هذا الانخفاض تحولًا كبيرًا في قدرة المنظمات على تنفيذ برامج الإغاثة، خصوصًا أن الاحتياجات الإنسانية لم تتراجع بالتوازي، بل زادت نتيجة الجفاف والنزوح وارتفاع مستويات انعدام الأمن الغذائي.

وتقول المنظمات العاملة على الأرض إن تقليص التمويل لا يعني فقط خفض حجم المساعدات التي تحصل عليها الأسر، بل قد يؤدي أيضًا إلى إغلاق مراكز صحية وبرامج تغذية ووقف عمليات الوقاية، ما يترك الأطفال الأكثر ضعفًا دون خدمات أساسية.

الجفاف يدفع إلى النزوح

تعود جذور الأزمة الحالية إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها الجفاف المتكرر الذي ضرب أجزاء واسعة من الصومال. ويعتمد ملايين الصوماليين على الزراعة وتربية المواشي، ولذلك فإن تراجع الأمطار ونقص المياه والمراعي يضرب مصادر الغذاء والدخل في الوقت نفسه. ومع نفوق المواشي وتراجع الإنتاج الزراعي، تجد الأسر نفسها مضطرة إلى بيع ما تبقى من ممتلكاتها أو النزوح إلى المدن ومخيمات النازحين.

وخلال الأشهر الأولى من عام 2026، نزح أكثر من نصف مليون شخص بسبب تدهور الظروف، وكان معظمهم من النساء والأطفال. ويضاف الجفاف إلى عقود من الصراع وعدم الاستقرار، ما يجعل قدرة الأسر على مواجهة الصدمات محدودة للغاية. فعندما تفقد الأسرة ماشيتها أو محصولها، لا تكون أمامها في كثير من الحالات شبكات حماية اجتماعية قادرة على تعويض الخسائر، فتزداد حاجتها إلى المساعدات الإنسانية.

الجوع والمرض.. حلقة مفرغة

لا يأتي سوء التغذية منفصلًا عن الأزمات الصحية. فالأطفال الذين يعانون نقص الغذاء يصبحون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض، بينما تؤدي العدوى بدورها إلى تفاقم سوء التغذية.

وتواجه الصومال في الوقت نفسه أزمات مرتبطة بالمياه والصرف الصحي، وانتشار أمراض مثل الكوليرا والإسهال المائي والحصبة، وهي أمراض يمكن أن تكون أكثر خطورة على الأطفال الذين يعانون ضعفًا في المناعة.

وتحذر المنظمات الصحية من أن نقص التمويل يهدد قدرة البلاد على توفير خدمات متكاملة تشمل التغذية والعلاج والتطعيم والمياه النظيفة والصرف الصحي. وعندما تتراجع إحدى هذه الخدمات، يمكن أن تتفاقم آثار المشكلات الأخرى.

وتظهر خطورة هذا الترابط بوضوح في مخيمات النازحين، حيث تتجمع أعداد كبيرة من الأسر في مناطق تفتقر إلى الخدمات الكافية، فيما يصل كثير من الأطفال إليها وهم يعانون أصلًا نقصًا شديدًا في الغذاء.

تقليص الخدمات

بدأ نقص التمويل ينعكس بالفعل على برامج علاج سوء التغذية. وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى إغلاق عشرات المواقع التي كانت تقدم العلاج للأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد، في وقت تراجعت فيه قدرة برامج التغذية على الوصول إلى النساء الحوامل والمرضعات والأطفال الصغار.

وتؤكد هذه التطورات أن الأزمة لا تتعلق فقط بتوفير الغذاء، وإنما باستمرار منظومة كاملة من الخدمات التي تمنع تحول نقص الغذاء إلى وفيات يمكن تجنبها.

فالطفل المصاب بسوء تغذية حاد يحتاج إلى اكتشاف الحالة في وقت مبكر، ثم الحصول على الغذاء العلاجي والرعاية الطبية والمتابعة. وأي انقطاع في هذه السلسلة قد يؤدي إلى تدهور حالته بصورة سريعة.

شبح 2022

وتعيد الظروف الحالية إلى الأذهان أزمة الجفاف التي دفعت الصومال عام 2022 إلى حافة المجاعة. فقد اجتمعت آنذاك سنوات من الجفاف مع الصراع وارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة الشرائية للسكان، لتصبح البلاد أمام واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في تاريخها الحديث.

واليوم، تخشى المنظمات الإنسانية من أن يؤدي استمرار تراجع التمويل، بالتزامن مع الصدمات المناخية والنزوح، إلى إعادة إنتاج الظروف نفسها. ولا يعني ذلك أن الصومال دخل مجددًا في مجاعة شاملة، لكن المؤشرات المتعلقة بسوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي وتراجع الخدمات الصحية تعكس هشاشة الوضع، وتوضح مدى سرعة تحول الأزمات المحلية إلى كارثة أوسع إذا لم تتوافر الموارد اللازمة للاستجابة.

أزمة تتجاوز الغذاء

المشكلة في الصومال لم تعد مجرد نقص في المواد الغذائية، بل أصبحت أزمة متعددة الأبعاد تتقاطع فيها عوامل المناخ والفقر والصراع والنزوح والصحة ونقص التمويل.

وتحذر المنظمات الإنسانية من أن تقليص المساعدات في وقت تتزايد فيه الاحتياجات قد يترك ملايين الأشخاص أمام خيارات محدودة، فيما يدفع الأطفال الثمن الأكبر بسبب ضعف قدرتهم على تحمل نقص الغذاء والمرض.

وتحتاج الاستجابة إلى تمويل عاجل يحافظ على برامج علاج سوء التغذية، ويضمن استمرار الرعاية الصحية والمياه النظيفة والتطعيمات ودعم النازحين، إلى جانب الاستثمار في قدرة المجتمعات على مواجهة الجفاف والصدمات المستقبلية.

وبينما تتبخر أموال الإغاثة، لا يتبخر الجوع معها. بل على العكس، تشير الأرقام إلى أن الحاجة إلى المساعدة تتزايد، فيما تتقلص الموارد المتاحة لتقديمها. وفي بلد أنهكته سنوات من الجفاف والصراع، قد يكون استمرار هذا الخلل بين الاحتياجات والتمويل العامل الذي يحدد ما إذا كانت الأزمة الحالية ستبقى أزمة غذائية حادة، أم تتحول إلى كارثة إنسانية أوسع.

كلمات مفتاحية
قطع الأشجار في القاهرة

بعد سنوات من اقتلاع الأشجار.. لماذا تذكرت الحكومة "تخضير القاهرة" الآن؟

أثارت توجيهات السيسي بإطلاق مشروع تخضير القاهرة تساؤلات بشأن أسباب التحول المفاجئ في السياسة الحكومية

تفجير مركز التجارة العالمي

من البرجين إلى غرف الأخبار.. صحفيو "أسوشيتد برس" يتذكرون 11 أيلول

بعد خمسة وعشرين عامًا على هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، عادت وكالة "أسوشيتد برس" إلى عدد من صحفييها ومصوريها الذين كانوا في مانهاتن السفلى في صباح الهجوم

واقعة القيلوبية

من توبيخ مديرة مدرسة إلى أزمة سلطة.. ماذا كشفت واقعة القليوبية؟

أثارت الواقعة التي جمعت محافظ القليوبية بمديرة إحدى المدارس بمدينة بنها، أثناء جولة المحافظ التفقدية لمتابعة استعدادات المدارس للعام الدراسي الجديد، حالة واسعة من الجدل

الليالي البيضاء.. من دوستويفسكي إلى BookTok
أدب

الليالي البيضاء لدوستويفسكي: كيف أعاد "تيك توك" الرواية إلى الواجهة؟

في ليلة هادئة من ليالي سان بطرسبورغ، كان رجل وحيد يمشي بلا وجهة، كأنه يبحث في شوارع المدينة عن شيء لا يعرف له اسمًا

فيلم "عطلة منتصف الشتاء"
أفلام

فيلم "عطلة منتصف الشتاء".. الماضي يسافر معنا

الفيلم جيد جدًا، بالنسبة لي على الأقل، لأنه لا يتحدث عن الحرب تقريبًا. لا يعيد سردها ولا يحولها إلى درس في السياسة أو التاريخ

صورة تعبيرية
مجتمع

إن كنت تريد تعزيز سعادتك وحماية دماغك.. لا تأكل بمفردك

قد لا يحتاج تحسين الصحة النفسية والرفاهية دائمًا إلى حمية غذائية جديدة أو ممارسة رياضية شاقة، فبعض الفوائد قد تبدأ من عادة يومية قديمة وبسيطة، هي تناول الطعام برفقة الآخرين

تلوث
علوم

الحرائق وموجات الحر تهددان جودة الهواء عالميًا.. تحذير أممي من أزمة صحية متفاقمة

حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن الدخان الناتج عن الحرائق أصبح مصدرًا متزايدًا للتلوث، حتى في مناطق نجحت في خفض انبعاثات الصناعة والنقل