أزمة انتماء

أزمة انتماء

عناصر من مليشيا تابعة لمحمد دحلان في نابلس (Getty)

إذا كان لنا أن نختار عنوانًا للعام الحالي حتى قبل انتهائه فنستطيع حصر خياراتنا باثنين لا ثالث لهما: الجريمة أو العنف، وربما سيكون من الأنسب دمجهما معًا لتصبح "العنف والجريمة"، وذلك بدون أدنى مبالغة أو مغالاة في ذلك.

فمع الأحداث الدامية التي شهدتها مدينتا نابلس وجنين في الثلث الأخير من رمضان الفائت، وما تلاها من شجارات متفرقة هنا وهناك في مناطق أخرى في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وجرائم قتل تقشعر لها الأبدان، واستباحة للممتلكات العامة والخاصة على حدٍ سواء، وتعدٍّ صارخ على حريات الآخرين توجت بالاحتفالات التي انطلقت بمناسبة إعلان نتائج الثانوية العامة وما رافقها من إطلاق الألعاب النارية واستخدام الأسلحة والذخيرة وأبواق السيارات والرقص في الشوارع والموسيقى الصاخبة وما إلى ذلك، دون أدنى مراعاة لاحتمالية وجود مرضى أو مكلومين أو متعبين أو أطفال أو شيوخ، لابد من وقفة جادة للبحث في الأسباب التي تقف وراء ذلك: هل ما نعاني منه بسبب غياب القوانين الرادعة والعقوبات المغلظة التي من شأنها كبح جماح الانفلات المسبب للجرائم والعنف غير المحدود، أم هي أزمة انتماء لوطن لا يشكل للكثيرين أكثر من مجرد وجود مادي؟

 لنبدأ بإزالة الغبار المحسوس، ولننتظر عدة سنين حتى نستطيع أن نتخلص من الغبار الداخلي ومن الأنا والفردية

قد يبدو الأمر معقدًا، إذ لا يمكننا التعويل على الانتماء وحده دون وجود القوانين الضابطة للسلوك، والرادعة عن اقتراف المخالفات بحق الأفراد والممتلكات بل وبحق المجتمع، وقد يتعدى الأمر لطرح مسألة أزمة الأخلاق وما ينتج عنها من خلل في السلوك وانتشار الظواهر السلبية والتي يراها البعض مع مرور الوقت سلوكًا عاديًا بل ومبررًا وقد يتعدى الأمر الحدود ليصبح سلوكًا مقبولًا، بالمقابل قد تكون الإجابة على ذلك أسهل مما نتوقع وتتلخص في وجود "أزمة انتماء" حقيقية نعاني منها داخل مجتمعنا الفلسطيني، والدليل أنّ مجتمعات ما يطلق عليه "العالم الأول" التي باتت تتصرف بروح القانون وبحضرته، تتصرف كذلك نتاجًا لشعور طغى على كليهما وهو شعور الانتماء، وبات التصنيف لمواطن صالح أو غير صالح إن جاز التعبير لا يتم بمدى التزامك بتطبيق ما تنص عليه القوانين وضمان سجل خالٍ من السوابق الإجرامية أو المخالفات، بل يتم على أساس اهتمامك وحرصك بضمان مستوى حياة لائق تحترم فيه حقوق الأفراد والممتلكات العامة والخاصة على حد سواء، وأكثر من ذلك قد يصل الأمر للتصنيف بناءً على المبادرات التي يقدمها الأفراد لخدمة مجتمعاتهم وتطويرها والنهوض بها، والمحافظة على بيئتها ونظافتها وحماية حقوق كافة الشرائح التي تقطن في هذا المجتمع أو ذاك ومراعاتهم، ومد يد العون لهم بما يساعدهم على تخطي أزماتهم وتحويلهم من أفراد غير منتجين لأفراد منتجين بل ومساهمين في عملية التغيير، هذا ولا يمكن إغفال دور القوانين وأهميتها التي نظمت هذه المجتمعات في البداية ليصبح القانون مجرد أداة لكبح جماح من يصعب ضبط توجهاتهم نحو السلوك السلبي.

اقرأ/ي أيضًا: الشتات والعودة والتنميّة في ظل الاحتلال

فلسطينيًا تطغى روح العصبية المناطقية والعشائرية والفئوية وحتى الحزبية على روح الانتماء، وأكاد لا أبالغ إذا قلت بأنّ هذه الأخيرة متلاشية ومعدومة، وأبسط مثال على ذلك هو حال الأسواق الفلسطينية عشية عيد الفطر المبارك، ما تناقلته وسائل الإعلام من صور لحالة الفوضى العارمة والمهملات التي غطت الشجر والحجر، ليس فقط من الباعة ولكن من المارة والمتسوقين والمتفرجين ومن الجميع بلا استثناء. إنمّا تعبّر عن عمق الأزمة التي نعاني منها كأفراد داخل المجتمع، هي أزمة ممتدة وتكاد تكون متجذرة، ترى في الوطن مكانًا للعيش لا بديل عنه لا لسبب سوى انعدام الخيارات، عززتها الروح السلبية المتمثلة في تعظيم الأنا وتغليب المصلحة الشخصية على المصلحة الجماعية، تم ترجمتها بسلوكيات بسيطة تهاونًا بها بدءًا من رمي المهلات في الطرقات العامة، وتخريب المتنزهات العامة، وكل ما هو عام، واستباحة الطرق والتعدي على حقوق الآخرين مثل ضجيج الموسيقى الذي يلهب ليالي الصيف بحجة الاحتفال بمناسبات متعددة وعلى قاعدة أنها ساعات وتنقضي ويوم في العمر، والاكتفاء بالنقد دون التغيير، بل وإعطاء المبررات السلبية مثل أننا لا نستطيع أن نطلب من أطفالنا عدم إلقاء القمامة في الشارع وهم يرونه قذرًا ومتسخًا، هذه السلوكيات وغيرها والتي تراكمت مع الزمن ساهمت في خلق حالة من اللاانتماء، وعززت الفردية السلبية القائمة على ضمان أن يكون كل شخص قد حصل على حقوقه وأمنّ لنفسه الحياة التي يرغب بها بمعزل عن المجتمع الذي يعيش فيه، ومع مرور الوقت تحول المجتمع والوطن لمساحة تقاس بالأمتار يسعى كل فرد للحفاظ عليها حتى لو تطلب الأمر التعدي على حقوق الآخرين.

إن ما نمر به من أحداث يتطلب وقفة حقيقية لمراجعة مفهومنا للانتماء، وكخطوة أولى قد تضحك البعض علينا أن نبدأ بالنظافة، خارج حدود الأمتار التي نقطنها على هذه البقعة التي نسميها الوطن، لنبدأ بمشاركة بعضنا بتنظيف شارعنا، وحينا، ومدينتنا، لنبدأ بإزالة الغبار المحسوس، ولننتظر عدة سنين حتى نستطيع أن نتخلص من الغبار الداخلي ومن الأنا والفردية، فحل أزمة الانتماء كفيل بحل العديد من الأزمات، عندها سيكون القانون حاضرًا تحت عباءة الانتماء وكوسيلة أخيرة لضبط من لم يحركه الانتماء نحو السلوك الإيجابي.

اقرأ/ي أيضًا:
التعليم المهني بغزة.. بوابة فرص
"هبة القدس" على الحيز الإعلاني في فلسطين